بين إضراب الجامعة ورهانات 2030 مفارقة السياسة العمومية!؟
الدكتور حميد النهري أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بطنجة
تنفيذا لقرار اللجنة الإدارية للنقابة الوطنية للتعليم العالي الذي تم اتخاذه في اجتماعها المفتوح ليوم 15فبراير 2026 خاض الأساتذة الجامعيون بجميع المؤسسات الجامعية بالمغرب اضرابا يوم 3و4 مارس الجاري..
وتأتي هذه الخطوة النضالية كما ورد في بيان النقابة اولا للتأكيد على رفض القانون المشؤوم 59.24 الذي تم تمريره بدون إشراك الفاعل الاجتماعي الاساسي الذي هو النقابة الوطنية للتعليم العالي..
وكما يعلم الجميع ان بعض بنود هذا القانون الانفرادي ستشكل حتما خطرا كبيرا على الجامعة المغربية..
والى جانب هذا الموقف اكدت النقابة ايضا من خلال نفس البيان على أولوية الاستجابة الفورية للملف المطلبي للأساتذة وفي الحقيقة مطالب هذا الملف كلها تبقى مهمة ومسؤولة وليست رفاهية بقدر ماهي شروطا دنيا لجامعة يفترض ان تكون محرك اقتصاد المعرفة..
غير ان ما يستوقفني دائما هو مطلبا اعتبره قديما جديدا وهو إعفاء تعويضات البحث العلمي من الضريبة لأن طرح هذا المطلب في الظرفية الحالية يضعنا امام مفارقة غريبة؛
فالدولة تتحدث عن تحديات كبرى مرتبطة بأفق سنة 2030. من جهة تنظيم مونديال 2030 ومن جهة اخرى استراتيجية الذكاء الاصطناعي2030..
ومع ذلك يبقى مطلب إعفاء البحث العلمي بسيطا مقارنة بهذين الرهانين بحيث لا يتعلق بامتيازات استثنائية بل فقط بتهيئة الشروط الأساسية لجامعة قادرة على المساهمة في مستقبل المجتمع؛ لكن جواب المسؤولين ظل دائما هو الرفض بدعوى غياب هوامش مالية كافية، وان كلفة الاعفاء إذا تم اعتماده ستكون مرتفعة وستؤثر على التوازنات المالية كما صرح بذلك وزير المالية السابق في 2019..
غير ان قراءة بسيطة للسياسة العمومية في بلادنا خصوصا على مستوى الضريبة تكشف لنا أن الدولة عندما تريد تستطيع أن تجد الهامش..
اولا: رهان تنظيم المونديال..2030
يعد هذا الرهان خير مثال على سخاء الدولة عندما تريد، يتجلى ذلك بوضوح في المدونة العامة للضرائب 2026 حيث تنص المادة 247 على اجراء استثنائي يقضي بخصم نسبة 90% من الوعاء الخاضع للضريبة لفائدة الرياضيين المحترفين سنة 2026 ثم 80%(س2027) 70% (س2028) 60% (س2029)..
بمعنى بسيط دخل سنوي قدره 100 مليون سنتيم يخضع فعليًا للضريبة على 10 مليون سنتيم فقط ولا شك ان الكلفة المالية لهذا الاجراء ستكون كبيرة جدا، لأن الدولة اختارت بهذا القرار التنازل عن مبالغ مهمة كان يمكن ان تذهب الى الخزينة العامة وتفيد المجتمع؛ بل أكثر من ذلك ان نفس المادة تنص على استفادة الشركات الرياضية من إعفاء من الضريبة على القيمة المضافة وامتيازات اخرى خلال فترة محددة..
وهنا يفرض السؤال نفسه؛ لماذا هنا لم تطرح إشكالية الكلفة والتوازنات المالية؟
الجواب واضح، لأن هذا الإجراء يقدم باعتباره استثمارا وتشجيعا لقطاع يحظى بالأولوية اليوم وهو كرة القدم..
في المقابل الاستاذ الجامعي محكوم عليه ان يبقى يناضل ويطالب بإعفاء بسيط لتعويضاته في البحث العلمي
التي تخضع بموجب المادة 60 من المدونة نفسها لضريبة كاملة اي لا خصم لا استثناء ولا معاملة تفضيلية..
السنا هنا امام تكريس لسياسة عمومية كاريكاتورية جامعة فقيرة مضربة للحصول على الأساسيات ورياضة غنية مدللة ضريبيا وتعيش في الرفاهية؛ وإذا كانت 90% ممكنة للرياض فهل إعفاء محدود لتعويضات البحث العلمي مستحيل ماليًا؟
ثانيا: رهان الذكاء الاصطناعي سنة 2030
لا حديث اليوم في العالم سوى عن التنافس الدولي في مجال الذكاء الاصطناعي حيث نجد العديد من الدول الرائدة في المجال تخصص ما بين 2.5% و4% من ناتجها الداخلي الخام زائد تحفيزات ضريبية مهمة لفائدة البحث العلمي..
اما في المغرب النسبة المخصصة للبحث العلمي لا تتجاوز 1% وبدون تحفيزات ضريبية؛ والاكثر من ذلك ان الخطاب الرسمي المرتبط بالاستراتيجية الوطنية “Maroc IA 2030” التي اطلقها المغرب مؤخرا يوحي ان الاختيار يتجه نحو ذكاء اصطناعي بلا جامعة؛ اذ يتم التأكيد مرارا على ان “الاستثمار الجريء” في الشركات الناشئة ومواكبة الـStartups بالتمويل والتحفيز الضريبي يعتبر الطريق إلى تحقيق اهداف هذه الاستراتيجية في سنة 2030..
غير ان التجارب المقارنة تظهر شيئا مختلفا تماما فالذكاء الاصطناعي لم يولد في الشركات أولًا بل ولد في المختبرات الجامعية والدول الرائدة مثل الولايات المتحدة الأمريكية الصين الهند لم تبدأ بالشركات بل بتمويل جامعاتها؛ والشركات جاءت لاحقًا كثمرة لهذا التراكم العلمي، اذن هذه التجارب تؤكد اليوم بالملموس على انه لا توجد منظومة ذكاء اصطناعي قوية دون جامعة قوية..
ولا يمكن بناء منظومة خوارزميات متقدمة بجامعة منشغلة بالإضرابات ومطالب الترقيات واعفاء تعويضات البحث العلمي؛ كما يستحيل التوفر على جامعة قوية بتمويل يقل عن 1% من الناتج الداخلي الخام للبحث العلمي..
وختاما، علينا ان نؤكد ان المشكلة ليست في الرياضة وليست في المقاولة الناشئة ولكن المشكلة الحقيقية هي ترتيب أولويات السياسة العمومية؛ هل نمول ونحفز أكثر ما يمنحنا صورة عالمية لأسابيع؟
ام نمول ونحفز ما يمنحنا قدرة معرفية لعقود؟
للأسف السياسة العمومية لا على مستوى التمويل ولا على مستوى التحفيز تعطينا جوابا مختلفا:
بالنسبة للجامعة لا يمكن تلبية المطالب.
بالنسبة لكرة القدم سخاء كبير جدا في أفق مونديال 2030.
اما بالنسبة لاستراتيجية الذكاء الاصطناعي سنصل الى 2030 عبر المقاولة الناشئة …مع تغيب الجامعة؛ وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
