محور المقاومة وإمبراطورية الفوضى: العالم رهينة حرب بلا مخرج.
بقلم، محمد خوخشاني.
يعبر الشرق الأوسط اليوم عتبة خطيرة جديدة في مسار التصعيد. إن نشر ما يُعرف بأول بيان توجيهي للمرشد الإيراني الجديد، وهو خطاب حماسي تلي باسمه، بالتزامن مع الإشارات المربكة الصادرة من البيت الأبيض، يرسم صورة لصراع يستعصي على الحل، وقد تخرج تداعياته الاقتصادية العالمية عن السيطرة قريباً. فمن جهة، يُلقى التحدي بلا مواربة، ومن جهة أخرى، التردد واضح. وفي هذه المعادلة غير المستقرة، الأسواق العالمية هي الخاسر الأكبر.
خطاب طهران: الحرب كأفق استراتيجي.
رسالة المرشد الإيراني، والتي تم الكشف عن مضمونها عبر مقربين منه، تتسم بوضوح صارخ. بالتركيز على نقطتين محوريتين – « عدم نسيان دماء الشهداء » و »مواصلة إغلاق مضيق هرمز » – يشير النظام إلى نيته المضي قدماً دون أي تنازلات.
هذه البيان ليس مجرد تصريح شرفي أخير. إنه يكرس استراتيجية واضحة: تحويل الضغط العسكري إلى رافعة دائمة للمساومة. بالتهديد بمضيق هرمز، الذي يمر عبره ثلث تجارة النفط العالمية تقريباً، تلوح طهران بسلاح دمار اقتصادي شامل. هذا البيان، الذي تُلِي باسمه، يهدف إلى طمأنة قاعدته الداخلية على استمرارية النهج المتشدد، وإيصال رسالة للخارج مفادها أن الجمهورية الإسلامية، حتى تحت قيادة جديدة، لا تزال خصماً لا ينحني تحت وطأة القصف.
التذبذب الأمريكي: ترامب بين مخرج طوارئ وانزلاق نحو الهاوية.
في الجهة المقابلة، يتذبذب الموقف الأمريكي. فمن ناحية، يتحدث الرئيس ترامب في تصريحات حديثة عن إمكانية الخروج من الأزمة، مدعياً أن « معظم الأهداف العسكرية قد تحققت ». هذا الاعتدال اللفظي المفاجئ يبدو وكأنه محاولة لإيجاد مخرج مشرف.
لكن ما الذي يدفع هذا التحول حقاً؟ حجة « المهمة أنجزت » الرسمية لا تصمد أمام التحليل، خاصة وأن الأهداف الأولية – إضعاف إيران بنيوياً، وتأمين إسرائيل بالكامل – لا تزال بعيدة المنال. السبب الأكثر ترجيحاً يكمن في الضغوط الداخلية. اقتراب انتخابات التجديد النصفي يجعل الإدارة الأمريكية شديدة الحساسية تجاه أي ارتفاع في أسعار الطاقة ناتج عن هذه الأزمة. الزيادة في أسعار الوقود، المرتبطة مباشرة بالتوترات في البحر الأحمر والخليج، هي سم سياسي لأي إدارة حاكمة. لذا، فإن الخطاب الترامبي حول الانسحاب هو أقل ما يكون اعترافاً بالسلام، وأكثر ما يكون محاولة يائسة لنزع فتيل قنبلة اقتصادية داخلية.
إسرائيل: السيف الذي يريد تغيير النظام.
ولكن، بينما تتحدث واشنطن عن خفض التصعيد، يدفع حليفها الرئيسي في المنطقة في الاتجاه المعاكس. الجيش الإسرائيلي يكثف غاراته على لبنان، وتصريحات قادته لا تترك مجالاً للشك. « تغيير النظام في إيران » يُطرح كهدف أسمى. هذا التناقض يخلق نشازاً خطيراً داخل المعسكر الغربي. فإسرائيل تبدو وكأنها ترى في هذه الأزمة فرصة تاريخية، بينما تراها الولايات المتحدة كمستنقع يجب تجنبه.
الاقتصاد العالمي: ورقة تسوية بيد السياسة العاجزة.
بينما يتلكأ قادة الدول، تعمل قوى السوق العمياء. سعر برميل النفط يتضمن الآن « علاوة مخاطرة جيوسياسية » دائمة. الطرق البحرية تحولت إلى مناطق حرب افتراضية، مما أدى إلى انفجار أقساط التأمين وتكاليف الشحن. بالنسبة لأوروبا، المستوردة الصافية للطاقة، فإن عودة التضخم عبر ارتفاع التكاليف أصبحت وشيكة. بالنسبة للدول الناشئة، فاتورة دعم الطاقة أصبحت لا تطاق.
الطريق مسدود تماماً. من جهة، إيران تلوح بالحرب الاقتصادية كراية. ومن جهة أخرى، أمريكا أسيرة تناقضاتها الانتخابية وتحالفها مع شريك إقليمي أكثر ميلاً للحرب منها. وبينهما، يشاهد العالم عاجزاً فاتورة تتصاعد بلا توقف، يدفع ثمنها غالياً المستهلكون والصناعات في كل مكان. الصراع لا يحتاج إلى الاتساع جغرافياً لبسط ضراوته الاقتصادية؛ يكفيه أن يستمر.
