عندما تغادر المدرسة: المغرب أمام حالة الطوارئ التربوية.
بقلم: محمد خوخشاني
وفقًا لآخر تقرير نشرته منظمة اليونسكو، فإن ما يقرب من ثلاثة أرباع التلاميذ المغادرين يغادرون المدرسة قبل الحصول على شهادة البكالوريا. وراء هذه الإحصاءات تتشكل أزمة عميقة في النظام التعليمي، تطرح مباشرة تساؤلات حول مستقبل الرأسمال البشري والتنمية في المغرب.
المدرسة المغربية في مواجهة اختبار الأرقام.
هناك أرقام تثير الاضطراب. ليس لأنها قابلة للجدل، بل لأنها تقول الحقيقة بكل وضوح قد تعجز الخطابات السياسية أحيانًا عن مواجهته.
تنتمي المعطيات التي كشف عنها تقرير اليونسكو لسنة 2026 إلى هذه الفئة. فوفقًا لهذه الدراسة الدولية، فإن 74% من التلاميذ المغاربة يغادرون النظام التعليمي قبل الحصول على شهادة البكالوريا. بعبارة أخرى، ثلاثة من كل أربعة تلاميذ يخرجون من المدرسة قبل نهاية التعليم الثانوي، في حين أن 26% فقط يتمكنون من اجتياز هذه المرحلة الحاسمة من المسار الدراسي.
هذا الاستنتاج يتجاوز مجرد الإطار الإحصائي. إنه يكشف عن أزمة صامتة تعصف منذ سنوات بالمدرسة المغربية.
تقدم كمي… ولكن هشاشة مستمرة.
من الظلم إنكار التقدم الذي أحرزه المغرب على مدى العقدين الماضيين. فقد عرف عدد الأطفال غير الممدرسين انخفاضًا كبيرًا، حيث انتقل من أكثر من مليوني طفل في سنة 2000 إلى حوالي 570 ألفًا في سنة 2023.
تعكس هذه النتائج الجهود المبذولة لتعميم الولوج إلى التعليم وتوسيع قاعدة التمدرس.
لكن هذا التقدم يظل كميًا إلى حد كبير.
ففتح أبواب المدرسة لا يكفي. فلا بد أن تكون المدرسة قادرة على الاحتفاظ بالتلاميذ، ومرافقتهم، ونقل الكفاءات الأساسية التي تمكنهم من بناء مستقبلهم.
القِمع التربوي.
تظهر أرقام التقرير أن ظاهرة الهدر المدرسي تحدث بشكل تدريجي على طول المسار التعليمي:
- 16% من التلاميذ لا ينهون السلك الابتدائي،
- 53% يغادرون المدرسة قبل نهاية الإعدادي،
- 74% لا يصلون إلى مرحلة البكالوريا.
وهكذا، يعمل النظام التعليمي مثل قمع، حيث تتناقص أعداد التلاميذ في كل مرحلة من المسار الدراسي.
يشكل هذا التسرب التدريجي أحد أهم التحديات التي تواجه المدرسة المغربية.
أزمة التعلم الصامتة.
لكن الجانب الأكثر إثارة للقلق في التقرير يتعلق بالمستوى الفعلي للتعلمات:
في التعليم الابتدائي:
- 59% من التلاميذ لا يتقنون الكفاءات الدنيا في القراءة
- 78% لا يبلغون المستوى المطلوب في الرياضيات
في الإعدادي، يصبح الوضع أكثر حرجًا:
- أكثر من 80% من التلاميذ يوجدون تحت المستوى الأدنى في الرياضيات.
تعكس هذه الأرقام ما يسميه المختصون اليوم بـ « فقر التعلمات ». فالأطفال يرتادون المدرسة، لكنهم لا يكتسبون دائمًا المعارف الأساسية التي تمكنهم من مواصلة دراستهم أو الاندماج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
مدرسة تواجه اللامساواة.
يسلط التقرير الضوء أيضًا على وطأة اللامساواة الاجتماعية والمجالية.
غالبًا ما يواجه التلاميذ المنحدرون من أوساط متواضعة أو الذين يعيشون في المناطق القروية عقبات إضافية: بعد المؤسسات التعليمية، وعدم كفاية النقل المدرسي، أو القيود الاقتصادية الأسرية.
وهكذا، فإن المدرسة التي يفترض أن تكون الأداة الرئيسية لتكافؤ الفرص، تجد نفسها أحيانًا وجهاً لوجه مع الانقسامات الاجتماعية التي يفترض أن تعالجها.
إنفوجرافيك – الأرقام الرئيسية
الولوج إلى التعليم
- 2000: أكثر من 2 مليون طفل غير متمدرس؛
- 2023: حوالي 570 ألف طفل.
الهدر المدرسي.
- 16% لا ينهون الابتدائي
- 53% يغادرون قبل نهاية الإعدادي
- 74% لا يصلون إلى البكالوريا
مستوى التعلمات
الابتدائي:
- 59% تحت المستوى الأدنى في القراءة
- 78% تحت المستوى الأدنى في الرياضيات
الإعدادي:
- أكثر من 80% تحت المستوى الأدنى في الرياضيات.
المصدر: اليونسكو
رهان استراتيجي للمستقبل.
التعليم ليس قطاعًا إداريًا من بين قطاعات أخرى. إنه يشكل الأساس الذي يُبنى عليه تطور الأمم.
الدول التي نجحت في تحولاتها الاقتصادية الكبرى – من كوريا الجنوبية إلى فنلندا – جعلت جميعًا من المدرسة قلب استراتيجيتها التنموية.
في عالم تعتمد فيه التنافسية بشكل متزايد على المعرفة والبحث والابتكار، تصبح جودة الرأسمال البشري عاملاً حاسماً.
تحذير لنموذج التنمية.
لذلك يجب تفسير الأرقام التي كشف عنها تقرير اليونسكو كإشارة تحذير استراتيجية.
بلد يرى ثلاثة أرباع تلاميذه يغادرون المدرسة قبل نهاية الثانوي، وجزء كبير من تلاميذه لا يتقن الكفاءات الأساسية، سيصطدم حتمًا بصعوبات في بناء اقتصاد تنافسي شامل.
لم يعد إصلاح المدرسة المغربية مجرد سياسة قطاعية.
بل أصبح رهانًا وطنيًا رئيسيًا، مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمستقبل التنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي واستقرار البلاد.
ففي فصول اليوم الدراسية، يُحضَّر بصمت، مغرب الغد.
