حروب الصحف في المغرب: عندما تتحول المنابر إلى ساحات للتصفية.

حروب الصحف في المغرب: عندما تتحول المنابر إلى ساحات للتصفية.
شارك

قراءة في أزمة المصداقية التي تعصف بالمشهد الإعلامي المغربي.

بقلم، محمد خوخشاني.

مقدمة: حين تفقد الرسالة قدسيتها.

كان للعمل الصحفي في الماضي أخلاقيات يمتثل لها الجميع، وكانت تلك الأخلاقيات بمثابة خطوط حمراء لا يجب تجاوزها. أما الآن، فأصبح كل منبر يلغي بلغوه، وتحول المشهد الصحفي في المغرب إلى حالة من الفوضى العارمة، حيث تتحول المؤسسات الإعلامية، بين الفينة والأخرى، إلى ساحات حرب تتبادل فيها الاتهامات وتفضح أسرار بعضها البعض، كاشفةً للقارئ كواليس التضليل وتصفية الحسابات، وهشاشة الخطاب الإعلامي.

هنا يقف القارئ ويتساءل: كيف لهذه المؤسسات التي تدّعي « الحياد والموضوعية » أن تتخلى عن دورها في تنوير الرأي العام، وعن وقارها، لتبادل الاتهامات والضربات، بدل نقل الأخبار التي قد تفيد المجتمع؟ إنها مفارقة تضع المشهد الإعلامي المغربي في مرآة تعكس تشوهاً عميقاً يمتد من الشكل إلى المضمون إلى الأخلاق.

أولاً: حروب الصحف… سجال يصنع الفوضى.

تتميز المؤسسات الإعلامية في المشهد الإعلامي المغربي بطابع خاص، إذ كلما اندلعت « الحرب » بينها، قامت كل مؤسسة بفضح أسرار الأخرى، وكأنما الغاية ليست إيصال الحقيقة، بل كشف عورات الخصم. وهذا السجال العلني، الذي بات يستهلك طاقة القطاع، لا يخدم القارئ ولا المجتمع، بل يزيد من حالة الارتباك ويقوض ثقة المواطن في الخطاب الإعلامي برمته.

وما يزيد الطين بلة في هذا الإطار، هو ركاكة الأسلوب اللغوي في أغلب الحالات، واستعمال التعبيرات المستهلكة والمكررة، إضافة إلى غياب الوضوح والتسلسل المنطقي في الكتابة، مما يسبب فوراً نفور القارئ وتراجع الذوق العام، ويؤدي إلى فقدان الثقة. إن تدني الشكل والمضمون والأخلاق يؤدي إلى فقدان المصداقية، وإلى تحويل هذه المؤسسات الإعلامية إلى منصات هشة تخدم مصالح ضيقة، وتتصارع ليل نهار للتقرب من « مصدر » الدعم وحمايته مهما كلفها ذلك.

ثانياً: أزمة المصداقية… عندما يتساوى الإعلام بالسياسة.

إن ما يحدث في المشهد الإعلامي المغربي يشبه إلى حد كبير ما يعيشه المشهد الحزبي من أزمة ثقة متنامية. فلطالما كانت الصحافة الحزبية تعاني من التبعية السياسية، حيث أن معظم الصحف المغربية إما تابعة للأحزاب أو لحساسيات سياسية أو اقتصادية ومالية، مما جعل الصحافة رهينة لتسيس مبالغ فيه. وهذا التسيس هو الذي يحول المؤسسات الإعلامية إلى أبواق تدافع عن مصالح ضيقة، بدل أن تكون منابر للحقيقة والتنوير.

ولا تقتصر الأزمة على الصحافة الحزبية، بل تمتد إلى باقي المؤسسات الإعلامية التي بات الكثير منها مرتبطاً بمصالح اقتصادية وسياسية، مما أفقدها حيادها الموضوعاتي. إن الديمقراطية الحقة لا تستقيم إلا بأحزاب سياسية قوية وصحافة نزيهة. لكن عندما ينهار الاثنان معاً، يصبح المواطن ضحية لتضليل مزدوج: تضليل سياسي وتضليل إعلامي.

ثالثاً: أخلاقيات المهنة… خطوط حمراء تهتز.

في السنوات الأخيرة، اهتزت أخلاقيات المهنة على وقع فضائح كشفت هشاشة التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة. ففي نونبر 2025، أثار تسريب فيديو لمداولات لجنة الأخلاقيات التابعة للمجلس الوطني للصحافة جدلاً واسعاً، بسبب ما تضمنه من عبارات سب وقذف في حق بعض الصحافيين والمحامين، ومن تهديد بالتأثير على أحكام القضاء. هذه الفضيحة كشفت أن الهيئة المفترض أنها حارسة لأخلاقيات المهنة تعاني هي نفسها من أزمة أخلاقية خانقة.

ولم تقتصر الانتقادات على ذلك، فقد طالبت النقابة الوطنية للصحافة المغربية بفتح تحقيق عاجل ومحايد في كل مسارات التسريبات، ورفعت الصحافة المغربية عشرة مطالب عاجلة لإصلاح قطاع الصحافة والنشر. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذه المطالب كافية لاستعادة الثقة في مؤسسة فقدت مصداقيتها؟

رابعاً: دعم الدولة… « باك صاحبي » يغزو الإعلام.

من أبرز الإشكاليات التي تثقل كاهل المشهد الإعلامي المغربي، سياسة الدعم العمومي. فقد قامت الحكومة المغربية بدفع أجور المقاولات الصحفية الخاصة منذ أزمة كوفيد 19، ليسجل مبلغ الدعم خلال أربع سنوات ما يفوق مليار ونصف مليار درهم. وهذا المبلغ الضخم، الذي يُدفع من أموال دافعي الضرائب، يطرح إشكالية كبرى تتعلق بالاستقلالية والتعددية وحرية التعبير.

لكن الأخطر من ذلك هو غياب الشفافية في توزيع هذا الدعم. فتقارير حديثة أكدت أن مقربين من الحكومة استحوذوا على الدعم العمومي للصحافة، مشيرة إلى تركيز ملكية المجموعات الصحافية في عدد محدود من رجال الأعمال النافذين، الذين غالباً ما تكون لهم علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع السلطات السياسية. ومن هذه المجموعات: مجموعة « كاراكتير » التابعة لمجموعة « أكوا » القابضة التي يمتلكها رئيس الحكومة عزيز أخنوش، و »مجموعة إيكو ميديا »، و »مجموعة هوريزون برس » التي يرأسها الوزير السابق منصف بلخياط.

هذا الواقع يطرح سؤالاً محرجاً: لماذا يستفيد البعض، رغم رداءة ما يقدمونه، من الدعم بسخاء، بينما يعمل البعض الآخر باستماتة من أجل بلوغ أعلى درجة من الجودة من حيث المواضيع المتطرق إليها وطريقة تحريرها، دون أن ينالوا حظهم من ذلك الدعم؟ يبدو أن سياسة « باك صاحبي » التي غزت المشهد الحزبي، قد غزت المجال الصحفي أيضاً.

ويؤكد تقرير صادر عن المعهد المغربي لتحليل السياسات أن مبدأ الشفافية يمثل أبرز الإشكاليات المتعلقة بالدعم العمومي، مشيراً إلى عدم نشر الحكومة الحالية قوائم المقاولات المستفيدة من هذا الدعم، خلافاً للعرف الذي اتبعته الحكومات السابقة. كما أوضحت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف أن معايير توزيع الدعم لم تكن عادلة ولا منصفة، حيث تضاعف دعم بعض المقاولات أكثر من 20 مرة ليصل إلى مبالغ بمليارات الدراهم، في حين لا تتجاوز دعم مقاولات أخرى 30 ألف درهم فقط.

خامساً: إعلام هش… عاجز عن مواجهة الأزمات.

هذا البؤس الإعلامي يجعل القطاع غير قادر على أي منافسة دولية أو إقليمية، وغير مؤهل للعب دوره في إدارات الأزمات والحروب الإعلامية، لتقديم سردية تخدم مصالح البلد وتحسين صورته الذهنية. لقد لاحظنا كيف ينهار هذا القطاع بشكل مأساوي في كل منعرج إعلامي يتطلب منه دوراً موازياً ذكياً في توجيه النقاشات والتأثير، بشكل أو بآخر، على القرارات.

ففي الوقت الذي تخوض فيه دول أخرى حروبا إعلامية شرسة لحماية مصالحها الوطنية، يظل الإعلام المغربي غارقاً في صراعاته الداخلية، منشغلاً بتصفية الحسابات وتقاسم الغنائم، عاجزاً عن تقديم خطاب موحد يعكس صورة مشرقة للبلاد أو يدافع عن قضاياها العادلة.

خاتمة: قانون جديد… ومخاطر قائمة.

لقد تغير قانون الصحافة وقد يتغير مرة أخرى بعد دخوله حيز التنفيذ مع الحكومة المقبلة. لكن السؤال الجوهري هو: هل سيكون التغيير التشريعي كافياً لمعالجة الاختلالات العميقة التي يعاني منها القطاع؟

إذا استمرت ظاهرة تهميش الكفاءات في القطاع، وعدم توفير بيئة تقدّر مجهوداتها، فإن النتائج لن تكون سوى سلبية وبالغة الخطورة، مما يفسح المجال لسيطرة الرداءة وخدمة « النوافذ الافتراضية » التي تطل من الخارج.

إن استعادة الثقة في الإعلام المغربي تتطلب أكثر من مجرد قوانين جديدة. إنها تتطلب إرادة سياسية حقيقية لإصلاح القطاع من الداخل، ومراجعة جذرية لسياسات الدعم، وتفعيل آليات المحاسبة، واستعادة أخلاقيات المهنة التي كانت تشكل في الماضي خطوطاً حمراء لا يجب تجاوزها. فالديمقراطية الحقة، كما أسلفنا، لا تستقيم إلا بأحزاب سياسية قوية وصحافة نزيهة. وأي خلل في أي منهما ينعكس سلباً على صحة البناء الديمقراطي برمته.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *