القانون المنشور والدستورية المؤجلة أو حين ينفذ النص قبل أن يُفحص
مصطفى المنوزي.
لم يعد القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مجرد مشروع قابل للسحب أو التعديل داخل المسطرة التشريعية، ولا نصاً ينتظر مصير إحالته على المحكمة الدستورية. فقد صدر الأمر بتنفيذه بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ في 18 غشت 2026، عقب قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 الصادر في 10 غشت 2026، الذي صرّح بتعذر البت في مطابقته للدستور «على حالها»، فهكذا أصبحنا أمام واقعة دستورية غير مألوفة في آثارها: قانون يدخل دائرة النفاذ، لا بعد التصريح بمطابقته للدستور، ولا بعد التصريح بعدم دستوريته، وإنما بعد تعذر فحصه بسبب خلل في وثائق الإحالة.
قانون نافذ، لكن من دون شهادة دستورية:
ينبغي، بداية، تجنب الخلط بين نفاذ القانون ودستوريته، ذلك ان القانون رقم 66.23 أصبح، من الناحية الشكلية، قانوناً نافذاً بعد إصدار الأمر بتنفيذه ونشره في الجريدة الرسمية؛ غير أن هذا النفاذ لا يعني أن المحكمة الدستورية أقرّت مطابقته للدستور؛ لأنها لم تفحص مواده ولم تحسم في المآخذ المثارة بشأنه، وكما سبق شرحه، فقرار المحكمة لم يكن قراراً بالمطابقة ولا بعدم المطابقة، بل كان تصريحاً بتعذر البت، بسبب عدم إرفاق رسالة الإحالة بنسخة مطابقة لأصل النص النهائي الذي وافق عليه البرلمان. وقد اعتبرت المحكمة أن محل الرقابة لم يكن متوفراً من الناحية الواقعية، وأن ذلك شكّل مانعاً قانونياً حال دون ممارستها اختصاصها، وبذلك يجب أن توصف الواقعة بدقة: لم يُنشر قانون ثبتت دستوريته، بل نُشر قانون لم تُستكمل رقابته الدستورية.
حقا أن الرقابة القبلية على القوانين العادية رقابة اختيارية وليست إلزامية كما هي الحال بالنسبة إلى القوانين التنظيمية. لكن القانون رقم 66.23 أُحيل فعلاً على المحكمة الدستورية، أي إن إرادة تحريك الرقابة قد تحققت، غير أن هذه الرقابة تعطلت بسبب نقص في وثائق الإحالة، وليس بسبب انتفاء المآخذ الدستورية أو اقتناع المحكمة بسلامة النص، وهنا تكمن حساسية الواقعة: لم يُحرم القانون من الرقابة لأن الدستور لا يتيحها، بل لأن المسطرة التي فُتحت لم تصل إلى غايتها.
من المسؤولية الإجرائية إلى الأثر الدستوري:
قد يبدو عدم إرفاق النسخة النهائية خطأً وثائقياً أو إدارياً قابلاً للاختزال في مجرد سهو. غير أن خطورة الأخطاء الدستورية لا تقاس دائماً بحجم الفعل المادي، بل بحجم الأثر الذي ترتب عنه؛
فالخلل حال دون فحص قانون يمس بصورة مباشرة مهنة مرتبطة عضوياً بحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة والولوج إلى العدالة. ثم أدى تعذر البت، بعد صدور الأمر بالتنفيذ، إلى إغلاق نافذة الرقابة القبلية التي لا تُمارس، طبقاً للفصل 132 من الدستور، إلا قبل إصدار القانون، ويذلك تحولت واقعة إجرائية محدودة في ظاهرها إلى نتيجة مؤسساتية عميقة: قانون نافذ، ومآخذ دستورية لم يُبت فيها، ورقابة قبلية لم تعد متاحة بعد النشر؛ غير أن ذلك لا يعني أن القانون أصبح محصناً أو أن سؤال دستوريته قد انتهى، فالقرار رقم 277/26 لا يحوز حجية في موضوع مطابقة مواد القانون للدستور؛ لأن المحكمة لم تنظر فيها أصلاً. ولذلك يظل السؤال الدستوري مفتوحاً، لكنه انتقل من الرقابة القبلية المجردة إلى الرقابة البعدية المرتبطة بتطبيق القانون في نزاع واقعي.
الرقابة البعدية موجودة… لكنها مؤجلة:
يفتح الفصل 133 من الدستور باب الدفع بعدم دستورية قانون أثناء النظر في قضية، متى دفع أحد الأطراف بأن المقتضى المراد تطبيقه يمس بحق أو بحرية يضمنها الدستور؛ وقد صدر القانون التنظيمي رقم 35.24 المحدد لشروط وإجراءات هذا الدفع، غير أن مادته 31 أرجأت دخوله حيز التنفيذ مدة أربعة وعشرين شهراً من تاريخ نشره، بما يجعل ممارسة الدفع غير ممكنة، من حيث المبدأ، قبل يوليوز 2028 ؛ وهنا تظهر مفارقة يصعب تجاهلها: أُغلقت الرقابة القبلية بنشر القانون رقم 66.23، بينما ما تزال الرقابة البعدية مؤجلة. وبين إغلاق الباب الأول وتأخير فتح الباب الثاني، تنشأ فترة زمنية يطبق خلالها القانون دون أن تتاح للمتقاضين آلية الدفع بعدم دستوريته ؛ حقا إنها ليست حصانة دستورية بالمعنى القانوني الدقيق، لكنها قد تتحول عملياً إلى حصانة زمنية؛ إذ يظل النص منتجاً لآثاره، بينما يتعذر على من يمس تطبيقه بحقوقه وحرياته أن يوصل دفعه إلى المحكمة الدستورية ؛ وهنا لا يكفي تفسير أجل الأربعة والعشرين شهراً بمتطلبات الإعداد التقني وتكوين القضاة وتهيئة المساطر والمنصات الرقمية ؛ فتلك اعتبارات مشروعة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى سبب لتعليق ممارسة حق دستوري، خصوصاً أن القانون التنظيمي نفسه لا يجعل الوسائط الرقمية شرطاً لازماً لإثارة الدفع، بل يجيز اعتماد المذكرات والوثائق الورقية.
من قلق المهنة إلى مطلب دستوري عام:
لا ينبغي اختزال المسألة في دفاع المحامين عن قانون مهنتهم، فالدفع بعدم الدستورية ليس امتيازاً مهنياً، بل ضمانة مقررة لكل متقاضٍ قد يطبق عليه قانون يمس بحقوقه أو حرياته. ولذلك فإن تقديم موعد دخول القانون التنظيمي رقم 35.24 حيز التنفيذ يجب أن يتحول إلى مطلب حقوقي وقضائي ومجتمعي عام، تشترك في حمله هيئات المحامين والجامعات والجمعيات الحقوقية والفاعلون القضائيون والفرق البرلمانية.
ويقتضي ذلك المبادرة إلى مراجعة المادة 31 بموجب قانون تنظيمي تعديلي، إما بإقرار النفاذ الفوري للمسطرة، وإما بتقليص المدة الانتقالية إلى الحد الأدنى الضروري أي ضمن الأجل المعقول وفق ما يدعو إليه الدستور نفسه، مع وضع برنامج استعجالي لتكوين المتدخلين وتهيئة المحاكم لاستقبال الدفوع.
وبموازاة هذه المعركة، يتعين على الجسم المهني إعداد خريطة دقيقة للمقتضيات التي تثير شبهة عدم الدستورية، وربط كل مقتضى بالحق أو الحرية التي يمكن أن يمس بها، وبناء دفوع نموذجية متماسكة، حتى لا تتحول الرقابة البعدية عند فتحها إلى ساحة للارتجال أو لتراكم دفوع عامة غير منتجة.
تحويل القلق إلى معرفة وفعل:
إن نشر القانون من دون استكمال فحص دستوريته يبعث على قلق كبير جداً. لكنه ينبغي ألا يبقى قلقاً انفعالياً يستنزف المهنة، ولا أن يتحول إلى تهويل يضخم قوة القانون أو إلى يأس يفترض نهاية المنازعة.
من هنا علينا تحويله إلى قلق فكري ومعرفي: قلق يفحص النص، ويدقق المفاهيم، ويرصد المخاطر، ويبني الحجج، ويصوغ البدائل، ويستشرف المنازعات المقبلة. فالمرحلة لم تعد مرحلة الاعتراض على مشروع قانون فقط، بل مرحلة تنظيم مقاومة دستورية مسؤولة لقانون نافذ، من خلال التشريع والقضاء والمعرفة والترافع.
بعد نشر القانون رقم 66.23 دون استكمال فحص دستوريته، لم يعد مقبولاً إبقاء حق الدفع بعدم الدستورية معلقاً إلى يوليوز 2028. لذلك نطالب بمراجعة المادة 31 من القانون التنظيمي رقم 35.24، وتقديم موعد دخوله حيز التنفيذ، حتى لا تتحول المرحلة الانتقالية من مدة للإعداد التقني إلى حصانة زمنية للقوانين من الرقابة الدستورية، وهذا الكفاح المهني يهم كافة المساطر والقوانين ذات الصلة بحقوق المتقاضين والمرتفقين؛ ولذلك فإنها معركة فتح باب القضاء الدستوري قبل معركة طرقه؛ فلا معنى لإعداد دفوع دستورية متينة إذا ظل الطريق المؤدي إلى المحكمة مؤجلاً بنص تشريعي.
ولأن المناسبة فالمذكرة التي تقدمنا يمكن أن تدمج هذا المطلب الجديد لأجل التحيين والتكييف وفق جدول اعمال مختلف يؤكد الامتثال ويفتح مجال الإبداع في سياق التفكير النقدي التوقعي .
