تقاعد مجمّد في المغرب: حين تتحول خمسة ملايين عكاز إلى قوة انتخابية.
بقلم محمد خوخشاني.
ثمة نصوص تنتشر ثم تُنسى سريعاً. وثمة نصوص أخرى تستقر، وتلتصق بجِلْد جيل كامل، لأنها تقول بصوت عالٍ ما يهمسه الملايين من المغاربة منذ نحو ثلاثين سنة. البيان الذي يتداوله مستخدمو الشبكات الاجتماعية منذ عدة أسابيع ينتمي إلى هذه الفئة الثانية. إنه ليس بياناً رسمياً — إذ يصفه لوبزرفاتور صراحة بأنه «نص فيروسي»، «من دون أن يكون بياناً رسمياً». لكن قوته لا تكمن في أصله الشكلي. إنها تكمن في صداه مع واقع تجعله الأرقام، هي أيضاً، غير قابل للجدل.
ما تقوله الأرقام.
يعود تجميد التقاعد في المغرب إلى سنة 1997. أي ما يقارب ثلاثة عقود من دون مراجعة جوهرية. ولم تُطبَّق سوى زيادة رمزية بنسبة 1.50 في المائة في يوليوز 2024، مقابل تضخم زاد بأكثر من 17 في المائة بين 2017 و2023، وبلغ 6.6 في المائة سنة 2022 ثم 6.09 في المائة سنة 2023. وبالتالي فإن نسبة 5.7 في المائة الواردة في البيان ليست تقديراً نضالياً، بل هي نسبة معقولة، بل متحفظة في بعض السنوات.
أما وضع متقاعدي القطاع الخاص فهو مأساوي على وجه الخصوص: 71 في المائة منهم يتقاضون أقل من 2000 درهم شهرياً، بمتوسط تقاعد يبلغ 2168 درهماً. والهوة مع القطاع العام سحيقة — 9919 درهماً في المتوسط. وتطالب الشبكة المغربية لهيئات المتقاعدين بزيادة لا تقل عن 2000 درهم لجميع المعاشات. وهذا المطلب ليس نزوة: إنه مسألة بقاء بالنسبة لشريحة واسعة من هذه الفئة.
تعبئة قائمة بالفعل
البيان الفيروسي لم يولد من فراغ. فمنذ 2024، يضاعف المتقاعدون الاعتصامات أمام البرلمان. وفي 30 نونبر 2024، نظمت الشبكة المغربية لهيئات المتقاعدين تعبئة وطنية للاحتجاج على تجميد دام 25 سنة. وفي 26 أبريل 2025، أُعلن عن اعتصام جديد أمام البرلمان. وفي فاتح أكتوبر 2025، اليوم العالمي للمسنين، خططت الشبكة لـ«مظاهرة وطنية كبرى مركزية» أمام مقر البرلمان بالرباط.
وتندد الرسالة الموجهة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش بـ«التهميش الممنهج» و«الإقصاء الحكومي الممنهج والمستمر». وتشير الشبكة إلى أن الإعفاء الضريبي الذي أعلنته الحكومة لم يستفد منه سوى 2 في المائة من المتقاعدين — أي الأكثر يسراً — مما جعل أثره «شبه منعدم على أرض الواقع». وكان أحد الممثلين النقابيين أكثر وضوحاً: هذا الإجراء «لا يهم سوى أقلية من المتقاعدين، أولئك الذين يتقاضون أكثر من 14000 درهم شهرياً»، وهو يستثني نحو 98 في المائة من السكان المتقاعدين.
الثقل الانتخابي: واقع ديمغرافي.
يقدم البيان الفيروسي رقماً يستحق أن يؤخذ بجدية: «نحن خمسة ملايين». الرقم الدقيق محل نقاش — إذ يتحدث لوبزرفاتور عن «رقم بعيد عن العدد الفعلي للمتقاعدين». لكن حجم الترتيب الديمغرافي، هو نفسه، غير قابل للجدل.
تضم اللوائح الانتخابية النهائية للانتخابات التشريعية في 23 سبتمبر 2026 ما مجموعه 15.801.162 ناخباً مسجلاً. وتمثل الفئة العمرية 60 سنة وأكثر 29 في المائة من الجسم الانتخابي، أي أول كتلة ديمغرافية، أمام الفئة 35-44 سنة (21 في المائة) و45-54 سنة (21 في المائة). بعبارة أخرى: ما يقارب ناخباً واحداً من كل ثلاثة تجاوز الستين. أما الشباب من 18 إلى 24 سنة فلا يمثلون سوى 4 في المائة من المجموع.
هذا الواقع الديمغرافي يحوّل المتقاعدين، بشكل آلي، إلى رهان انتخابي من الدرجة الأولى. ويصوغه البيان بدقة لا تخلو من دلالة: «الحزب الذي هيمن على المشهد في 2011 لم يحتج سوى إلى مليون صوت واحد ليحكم». وقد حكم حزب العدالة والتنمية فعلاً بـ1.080.914 صوتاً. ولو تحقق تصويت عقابي بـ3.5 ملايين صوت — وهو الفرض الذي يطرحه النص — لكانت العواقب السياسية مدمرة. وحتى جزء من هذا الاحتمال يكفي لإعادة توزيع الأوراق.
التهديد الانتخابي: بين الواقع والرمزي.
مع ذلك، ينبغي ألا نبالغ في تقدير الميكانيزم. فالمتقاعدون ليسوا كتلة متجانسة. بين موظف سابق يتقاضى 9000 درهم وأرملة من القطاع الخاص تتقاضى 1500 درهم، تتباين المصالح والأولويات. وقوة البيان أنه يمحو هذا التباين بالعاطفة؛ أما ضعفه فهو أن العاطفة وحدها لا تصنع استراتيجية انتخابية. فتصويت عقابي بـ3.5 ملايين صوت يفترض تنسيقاً وانضباطاً انتخابياً لم يُظهره المتقاعدون يوماً، بصفتهم فئة مشتتة بلا جهاز حزبي.
لكن الخطر الحقيقي على أحزاب السلطة قد لا يكون هناك. إنه يكمن في العزوف والتصويت الاحتجاجي المتناثر، وهما أمران يصعب قياسهما لكنهما قد يكونان ذا وزن كبير في سياق نسبة مشاركة منخفضة. ويقول البيان ذلك بطريقته: «عقوبتنا ستكون صامتة». والصمت، في السياسة، قد يكون أحياناً أشد خطراً من الضجيج.
تأجيل الإصلاح: اعتراف.
هناك عنصر يؤكد أن التهديد، حتى وإن كان متناثراً، يؤخذ بجدية: تأجيل إصلاح التقاعد. فقد استدعت الحكومة اللجنة الوطنية للتقاعد في 17 يوليوز 2025، لكن «الموعد لن يفضي إلى إصلاح فوري». بل تحدث أحد الاقتصاديين عن تأجيل «إلى ما بعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026».
هذا التأجيل اعتراف في حد ذاته. فهو يعني أن الحكومة تعرف أن المساس بالتقاعد — سواء بإصلاحه أو بإعادة تقييمه — مكلف سياسياً مع اقتراب موعد انتخابي. ويعني أيضاً أن المتقاعدين، رغم تشتتهم، يُنظر إليهم كمخاطرة انتخابية حقيقية.
ما يقوله البيان حقاً.
إلى ما وراء الأرقام والتهديدات، يطرح البيان الفيروسي سؤالاً يتجاوز ملف التقاعد: إنه سؤال الكرامة. «كيف يمكن ليد علّمت أبناءكم القراءة أن تمتد في آخر الشهر فتعود فارغة؟» هذه العبارة ليست مجرد صورة بلاغية. إنها تقول شيئاً عميقاً عن العقد الاجتماعي المغربي: أولئك الذين بنوا هذا البلد — معلمون، ممرضون، موظفون، عمال — يجدون أنفسهم، في نهاية حياتهم، في هشاشة كان يُعتقد أنها محصورة في الفئات الأكثر فقراً.
المتقاعدون لا يطلبون الصدقة. إنهم يطلبون تطبيق القانون، وزيادة صافية لا تقل عن 2000 درهم، والحق في العلاج، والاحترام. وكما كتب لوكوليماتور، «المتقاعدون لا يطلبون الإحسان، بل تطبيق القانون». وهنا يقع الظلم: لا في غياب الكرم، بل في عدم احترام حق.
خاتمة.
البيان الفيروسي ليس برنامجاً سياسياً. إنه صرخة. لكن الصرخات، في الديمقراطية، تنتهي أحياناً بأن تتحول إلى أصوات. في 23 سبتمبر 2026، سيتوجه — أو لن يتوجه — نحو 4.7 ملايين ناخب فوق الستين إلى صناديق الاقتراع. ويقول البيان ذلك بوعي يفرض الاحترام: «العقاب الانتخابي لا يحتاج لا إلى حملة ولا إلى تمويل، بل يحتاج فقط إلى موعد انتخابي… وإلى ذاكرة لا تشيخ».
هذه الذاكرة، على أحزاب السلطة ألا يستهينوا بها. لأن المتقاعدين، إن كانوا قد ينسون اسم حفيدهم، فإنهم لا ينسون من جمّد معاشهم. وفي 23 سبتمبر 2026، سيذكّرونهم بذلك.
