المغرب في واشنطن: من مراقب إلى شريك ملتزم في الأمريكتين.
بقلم: محمد خوخشاني.
بمناسبة الاجتماع الخاص للمجلس الأمريكي للتنمية المتكاملة (CIDI) الملتئم يوم 10 شتنبر 2026، شارك سفير المغرب لدى الولايات المتحدة، يوسف العمراني، في الحوار الاستراتيجي مع المراقبين الدائمين لدى منظمة الدول الأمريكية (OEA). ممارسة دبلوماسية تتجاوز، بالنسبة للرباط، الإطار البروتوكولي: يتعلق الأمر بتحويل وضع — وضع مراقب دائم منذ 1981 — إلى منصة عمل ملموس. «الأطلسي ليس مسافة تفصلنا، بل فضاء للشراكة والفرص المشتركة»، ذكّر الدبلوماسي، قبل أن يدعو إلى جعل التعاون جنوب-جنوب ينتقل من الحوار إلى الفعل.
المغرب يقدم مقترحات وأرقاماً. في مواجهة تحديات الأمن الغذائي والمائي والطاقي، تضع المملكة خبرتها على الطاولة: 17 محطة لتحلية المياه قيد التشغيل وهدف 1.7 مليار متر مكعب بحلول 2030؛ 5.5 غيغاواط من القدرات المتجددة المركبة، أي 45.4% من المزيج الكهربائي، مع هدف 52% في 2030؛ وخبرة معترف بها في الزراعة المستدامة. عبر الوكالة المغربية للتعاون الدولي (AMCI)، تقترح توسيع المنح الدراسية والتدريب التقني وتبادل الخبرات، بينما يستفيد قرابة 8000 طالب أجنبي من منح نشطة، وتخرج أكثر من 35000 مستفيد. هذه المقاربة — العملية والإنسانية والمنظمة حول خارطة طريق مستقبلية «OEA-المغرب» — هي ما يقترح هذا المقال تحليله.
وضع المراقب، وطموح الشريك.
يرتبط المغرب بعلاقة قديمة ومتميزة مع الفضاء الأمريكي. فهو مراقب دائم لدى منظمة الدول الأمريكية منذ 1981، وقد بنى تدريجياً شبكة من الشراكات مع دول أمريكا اللاتينية والكاريبي، إلى حد أصبح فيه واحداً من أكثر الفاعلين نشاطاً في هذه الفئة النظامية. هذا الحضور لا يندرج في إطار الزينة الدبلوماسية: بل يندرج ضمن استراتيجية ثابتة لتنويع التحالفات والانفتاح على الجنوب العالمي.
والتسلسل الأخير يشهد على ذلك. في يونيو 2026، احتضنت مراكش إنشاء منتدى برلماني دائم المغرب–أمريكا اللاتينية والكاريبي، مهيكل حول لجان متخصصة تغطي التجارة والاستثمار والبنيات التحتية والتنمية المستدامة والزراعة والأمن الغذائي. وفي أعقاب ذلك، حصل البرلمان المغربي على وضع «شريك متقدم» داخل منتدى رؤساء المجالس التشريعية لأمريكا الوسطى والكاريبي والمكسيك (FOPREL). وكلها إشارات إلى دينامية واحدة: دبلوماسية تسعى إلى تحويل القرب الجغرافي الأطلسي إلى ترابط اقتصادي ومؤسسي.
لذلك يندرج تدخل يوسف العمراني في واشنطن ضمن استمرارية. لكنه يشكل أيضاً مرحلة: فالمغرب لم يعد يكتفي بالحضور، بل يصوغ عروضاً.
التعاون جنوب-جنوب: «من الحوار إلى الفعل الملموس».
الرسالة المركزية للدبلوماسي المغربي هي دعوة للخروج من تصريحات النوايا. «يجب أن ينتقل التعاون جنوب-جنوب من الحوار إلى الفعل الملموس»، قال، موضحاً أن هذا الفعل يبدأ بـ«الإنصات للأولويات التي تحددها الدول الأعضاء بنفسها». والصيغة ليست عابرة. إنها تعبر عن منهج: عدم فرض نموذج، بل الانطلاق من الطلب.
هذا الموقف يميز المغرب عن فاعلين آخرين في التعاون الدولي، غالباً ما ينتقدون بسبب مقاربات نازلة أو مشروطة. وفي المقابل، يدعي الرباط منطق عرض مستهدف، يستند إلى كفاءات محددة ومؤسسات مجربة. والتنمية، كما شدد السفير، «لا تقتصر على الموارد المالية»: بل تقوم على «تقاسم القدرات والتجارب والمعرفة».
وهنا تكمن القيمة المضافة المغربية. فالبلد لا يقدم نفسه كممول، بل كمزود بحلول تقنية وتكوين. وهو تموقع يطابق واقع وسائله وطبيعة خبرته.
رأس المال البشري، أولوية مطلقة.
«المعرفة والتكنولوجيا والخبرة، وقبل كل شيء رأس المال البشري، في صلب الأولويات»، شدد السيد العمراني. هذه الأولوية ليست بلاغية: إنها تهيكل مجمل العرض المغربي.
الوكالة المغربية للتعاون الدولي (AMCI)، التي أنشئت عام 1986، تشكل الذراع التنفيذية لهذه السياسة. وهي تدير مئات برامج التدريب التقني السنوية، المستندة إلى أكثر من ألف اتفاق تعاون وُقع خلال العقد الأخير. ويستفيد قرابة 8000 طالب أجنبي اليوم من منح نشطة في المغرب، غالبيتهم من إفريقيا جنوب الصحراء، وتخرج أكثر من 35000 مستفيد منذ إنشاء الوكالة. وقد مُنحت حصص معززة لبعض البلدان الشريكة — 250 منحة لتشاد، ونحو 200 للنيجر — في مسارات استراتيجية: الصحة والهندسة والزراعة والرقمنة.
وبالنسبة للمملكة، هذا الجهاز ليس مجرد أداة نفوذ. إنه أيضاً رهان طويل الأمد: فالكوادر المتكونة في المغرب تصبح، بعد سنوات، محاورين وشركاء، وأحياناً صناع قرار. التعاون عبر رأس المال البشري ينتج روابط دائمة لا تستطيع المساعدة المالية، بطبيعتها الظرفية، أن تخلقها. وتوسيع هذا النموذج ليشمل الدول الأعضاء في منظمة الدول الأمريكية — عبر توسيع المنح والتدريب التقني وتبادل الخبرات لفائدة الشباب والمهنيين — سيشكل ابتكاراً في العلاقات الأمريكية البينية.
ثلاث مجالات تبرز فيها الخبرة المغربية.
استهدف المغرب ثلاثة حقول تقابل التحديات التي حددتها الدول الأعضاء في منظمة الدول الأمريكية: الأمن المائي، والانتقال الطاقي، والأمن الغذائي. وفي كل منها، يتوفر على مكتسبات ملموسة.
إدارة المياه والتحلية. تُعد المملكة من أكثر البلدان تعرضاً للإجهاد المائي، إذ تراجع نصيب الفرد السنوي من 2600 متر مكعب عام 1960 إلى أقل من 600 متر مكعب اليوم. وقد أنتج هذا القيد استجابة صناعية: 17 محطة تحلية قيد التشغيل، و4 قيد الإنشاء، و9 مبرمجة بحلول 2030، بسعة مستهدفة تبلغ 1.7 مليار متر مكعب. ويجسد مشروع الداخلة المقاربة المعتمدة — منشأة تغذيها مزرعة ريحية بقدرة 326.5 غيغاواط/ساعة، وتنتج 115 ألف متر مكعب يومياً من المياه المحلاة، منها 80 ألف متر مكعب يومياً مخصصة لري 5200 هكتار من الزراعات ذات القيمة المضافة العالية، مع اقتصاد يزيد عن 212 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً. وثلاثية الماء–الطاقة–الزراعة تُعالج فيه بشكل مندمج، وهو بالضبط ما تحتاجه بلدان عديدة في القارة الأمريكية.
الطاقات المتجددة. في نهاية 2025، توفر المغرب على 5.5 غيغاواط من القدرات المتجددة المركبة، أي 45.4% من قدرته الكهربائية الإجمالية (2.1 غيغاواط كهرومائية، و2.4 غيغاواط ريحية، و961 ميغاواط شمسية). وتستهدف المملكة 52% بحلول 2030 و70% في أفق 2050. وبفضل نحو 3000 ساعة من الإشعاع الشمسي سنوياً، تطور البلد مشاريع كبرى، من بينها نور ميدلت II وIII، ومركب بطاقة 800 ميغاواط يجمع بين الطاقة الشمسية الكهروضوئية والمركزة. وفي مجال الرياح، يمثل المغرب قرابة 42% من القدرة الإقليمية للإنتاج في العالم العربي. وهذه التجربة في النشر على نطاق واسع، في بلد ذي موارد مالية محدودة، تهم مباشرة الدول التي تسعى إلى نجاح انتقالها الطاقي دون امتلاك وسائل الاقتصادات المتقدمة.
الزراعة المستدامة. تستند الخبرة المغربية في هذا المجال إلى مؤسسات متخصصة ومراكز بحث وتكوين معترف بها، قادرة على تقاسم خبرتها ونسج روابط بين الباحثين والمهنيين والشباب المبتكرين. وقد وُصف البلد بأنه «مختبر قاري للابتكار المائي»، مع برامج لتحديث أنظمة الري وتعبئة مصادر مياه غير تقليدية. وفي نصف كرة حيث يهدد تدهور التربة وتقلب المناخ ملايين المستغلات، فإن هذه التجربة قابلة للنقل مباشرة.
منهجية: مشاريع رائدة وخارطة طريق.
لم يكتف المغرب بعرض منجزاته. بل اقترح منهجية. في مقاربة براغماتية، تقترح المملكة البدء بـمشاريع رائدة في مجتمعات متضررة بشكل خاص من الإجهاد المائي أو تدهور التربة أو الهشاشة الطاقية، قبل توسيع المبادرات التي أثبتت فعاليتها.
هذه المقاربة المرحلية لها ميزتان: فهي تحد من المخاطر المالية والسياسية، وتنتج نتائج ملموسة في المدى القصير، وهي شرط لا غنى عنه لاستدامة أي تعاون. كما تستجيب لمتطلب المساءلة: عدم الإعلان عن برامج شاملة، بل الإثبات بالدليل.
ولضمان استمرارية ومتابعة هذا الزخم، اقترح الرباط إعداد خارطة طريق «OEA-المغرب»، مشفوعة بأولويات واضحة ومشاريع ملموسة وآليات للمتابعة. وإذا رأت هذه الوثيقة النور، فسيكون لها أثر يتجاوز بعدها التقني: إذ ستؤسس لعلاقة لا تزال في كثير من جوانبها غير رسمية، وستنشئ إطاراً قابلاً للتكرار بالنسبة لمراقبين دائمين آخرين.
النطاق والرهانات: دبلوماسية العرض.
إلى ما هو أبعد من الحالة المغربية، يكشف تدخل واشنطن عن تحول أوسع في العلاقات الدولية. فالقوى المتوسطة في الجنوب لم تعد تكتفي بالتلقي: إنها تقترح، وتتموقع كمزودة بالحلول. ويجسد المغرب هذا المسار عبر الجمع بين ثلاثة موارد — خبرة قطاعية معترف بها، وجهاز تكوين مجرب، وقدرة على التحدث على قدم المساواة مع شركاء من مستويات تنمية متفاوتة.
وتستند هذه الاستراتيجية أيضاً إلى إطار أوسع: المبادرة الملكية من أجل الأطلسي، التي تهدف إلى جعل هذا الفضاء ناقلاً للتعاون والاندماج بين إفريقيا والأمريكتين. وبربط واجهته الأطلسية بشراكاته اللاتينية-الأمريكية، يسعى المغرب إلى بناء استمرارية جغرافية واقتصادية حيث لا يرى آخرون سوى امتداد بحري.
ويبقى سؤال التنفيذ قائماً. فالبيانات، مهما كانت متينة، يجب أن تترجم إلى أفعال: التوقيع الفعلي على خارطة الطريق، وإطلاق المشاريع الرائدة الأولى، وتعبئة التمويلات، وتعيين المؤسسات المنفذة. وعلى هذا الأساس سيُقاس ما إذا كان المغرب قد تمكن من تجاوز العتبة التي يطالب بها — عتبة الانتقال من وضع المراقب إلى وضع الشريك.
خاتمة.
«المملكة المغربية لا تتوخى أن تكون مجرد مراقب، بل شريكاً حقيقياً ملتزماً بالتقاسم والتعلم والبناء مع الأمريكتين لجعل الفضاء الأطلسي المشترك فضاء للمعرفة والتضامن والابتكار والازدهار المستدام»، خلص يوسف العمراني.
الصيغة تلخص الطموح. وهي تكشف أيضاً عن الصعوبة: فالانتقال من دبلوماسية الحضور إلى دبلوماسية النتيجة يفترض وسائل، وتنسيقاً بين الوزارات، وثباتاً في الزمن. المغرب يملك الأولى. أما الأخيران فيتوقفان على قدرته على تحويل عرض ذي مصداقية إلى تعاون فعلي. واشنطن، في سبتمبر 2026، شكلت نقطة الانطلاق. أما الباقي فسيُكتب على الأرض.
