الطموحات الإسرائيلية–الأمريكية في الشرق الأوسط: بين الاستراتيجية الإمبراطورية والمشروع المسياني.
بقلم، محمد خوخشاني.
يمر الشرق الأوسط بمرحلة تحولات عميقة تتجاوز إطار التنافسات الجيوسياسية الكلاسيكية. إن التوترات العسكرية بين إيران والمحور الإسرائيلي–الأمريكي، وتصاعد العمليات في غزة والضفة الغربية، والنقاشات حول مستقبل حل الدولتين، تكشف عن دينامية معقدة تتشابك فيها المصالح الاستراتيجية، والطموحات الإقليمية، والرؤى الأخروية. تسعى هذه المقالة إلى فك شيفرة الطموحات الإسرائيلية–الأمريكية في ضوء التطورات الأخيرة والتحليلات النقدية.
حل الدولتين: توافق دولي خادع.
طالما قُدِّم حل الدولتين باعتباره المخرج الوحيد القابل للحياة للنزاع الإسرائيلي–الفلسطيني، لكنه يبدو اليوم في حالة موت سريري. في 7 شتنبر 2026، أعلن نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» الذي أنشأه دونالد ترامب، من أبو ظبي أن «غياب التقدم في غزة وتصاعد العنف في الضفة الغربية يهددان بجعل حل الدولتين مستحيلاً». وأضاف أن «أكثر من 50% من غزة أصبحت الآن تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، وأن أقل من 50% تحت سيطرة حماس»، وأنه «لا يوجد أي مسار موثوق نحو حل سياسي للنزاع».
هذا التشخيص، الذي أدلى به دبلوماسي يشرف على خطة السلام الأمريكية، يبدو كاعتراف بالفشل. فالاستيطان في الضفة الغربية يتواصل، والضم الفعلي للقدس يتوسع، وفكرة دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة تتراجع كل يوم أكثر. ويبقى حل الدولتين صيغة دبلوماسية واجهية، بينما يرسم واقع الميدان مساراً آخر: مسار سيطرة إسرائيلية حصرية على كامل المساحة بين نهر الأردن والبحر المتوسط.
خطة عوديد ينون: خريطة طريق إسرائيل الكبرى.
لفهم هذا المسار، لا بد من العودة إلى وثيقة مؤسِّسة للاستراتيجية الإسرائيلية. في خريف 1982، بعد أشهر من الاجتياح الإسرائيلي للبنان، نشر عوديد ينون، وهو موظف سابق في وزارة الخارجية الإسرائيلية، مقالاً بعنوان «استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات». وقد دعا هذا النص، المنشور في مجلة الدراسات الفلسطينية، صراحةً إلى «تقسيم المنطقة إلى دول صغيرة وتفكيك جميع الدول العربية». وأكد إسرائيل شاحاك، في مقدمته، أن هذا المشروع يعكس بأمانة «المشروع الذي يتبناه النظام الصهيوني الحالي»، وأنه يظهر تقارباً مقلقاً مع الفكر النيو–محافظ الأمريكي الذي سيتولى توجيه السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ وصول جورج دبليو بوش إلى السلطة.
وبعد أكثر من أربعين عاماً على نشره، يحتفظ هذا المخطط بحضور صارخ. فتفكك العراق عام 2003، والتوترات الطائفية في عدة بلدان عربية، وضم القدس وجزء كبير من الضفة الغربية، تؤكد وجاهة هذه القراءة. كان الهدف المعلن لدى ينون واضحاً: «جعل إسرائيل الإمبريالية قوة عالمية».
التوسع الإقليمي: من المفهوم إلى الواقع.
لم يعد طموح «إسرائيل الكبرى» مجرد تصور ذهني. إنه يترجم في الوقائع وفي الخطابات الرسمية. في مايو 2026، صرّح بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الإسرائيلي، بأن «الحروب يجب أن تنتهي بتعديل الحدود مع غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا»، مضيفاً أنه لا يهتم كثيراً بعدد الضحايا المدنيين، والمهم عنده هو «السيادة المزعومة للنظام على أراضٍ واسعة تابعة للدول المجاورة».
وأدانت منظمة بتسيلم الإسرائيلية للدفاع عن حقوق الإنسان فورا هذه التصريحات، معتبرة أنها تأكيد على أن «الإبادة الجماعية الجارية في غزة والتطهير العرقي المتواصل في الضفة الغربية عنصران من مشروع ما يسمى إسرائيل الكبرى». ووفق تقرير لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي بتاريخ 15 مايو 2026، فإن الأراضي الجديدة التي ضمتها إسرائيل منذ بداية العام تتراوح بين 970 و1025 كيلومتراً مربعاً. وقد وصف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه هذه الرؤية بأنها «مهمة تاريخية وروحية».
التأثير المسياني: محور حباد–لوبافيتش والبيت الأبيض.
خلف هذه الطموحات الإقليمية تلوح أبعاد دينية وأخروية تتجاوز إطار الحساب الاستراتيجي البسيط. وتكشف وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) التي رُفعت عنها السرية، من ملفات إبستين والتي نُشرت في يناير 2026، أن الحركة اليهودية الأرثوذكسية حباد–لوبافيتش سعت إلى «استيعاب/احتواء رئاسة ترامب» خلال ولايته الأولى. وتوصف هذه الحركة، التي تأسست في روسيا ويبلغ عدد أعضائها نحو 90 ألفاً، بأنها تحمل «أيديولوجيا مسيانية أرثوذكسية متطرفة» تُربط عادةً بالسياسة الاستعمارية الإسرائيلية في فلسطين.
وتحدد مذكرة FBI جاريد كوشنر، صهر دونالد ترامب، بأنه «من أنصار الطائفة وقوة رئيسية داخل الدائرة المقربة من ترامب». وتوضح أنه «في يوم انتخاب ترامب، كان إيفانكا ترامب وجاريد كوشنر عند قبر الحاخام شنيورسون، أقوى حاخام في شبكة حباد». والأكثر إثارة للقلق أن المصدر السري لـFBI يؤكد أن «ترامب تم التلاعب به من قبل إسرائيل» وأن «كوشنر هو العقل المدبر الحقيقي وراء تنظيمه ورئاسته».
وتشكل هذه المجموعة من المؤشرات تشكيلاً لا تقوم فيه التحالفات الإسرائيلية–الأمريكية فقط على مصالح جيوسياسية مشتركة، بل تندرج في رؤية أخروية تمنح السياسة الخارجية الأمريكية بعداً شبه مسياني. فإعادة بناء الهيكل الثالث، وتدمير الأماكن المقدسة الإسلامية، ومجيء عصر خلاصي، تشكل لدى بعض تيارات حباد أهدافاً دينية تتجاوز الحسابات الدبلوماسية.
إيران: العقبة الكبرى أمام مشروع إسرائيل الكبرى.
في هذا المنظور، تمثل إيران العقبة الرئيسية. وهي ليست فقط قوة عسكرية وديموغرافية من 90 مليون نسمة، بل هي أيضاً ركن من أركان بريكس وفاعل مركزي في الممرات التجارية الجديدة التي تلتف حول الغرب. وقد شهد ممر النقل الدولي شمال–جنوب (INSTC)، الذي يربط روسيا بالهند عبر إيران، نمواً بنسبة 87% في حركته خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026. وهذا الممر، بتمكينه من خفض كلف النقل والالتفاف على العقوبات، يجعل إيران عقدة استراتيجية لصعود قطب اقتصادي بديل.
وبالنسبة للنخب السياسية والأمنية الإسرائيلية، يُنظر إلى هزيمة إيران على أنها «خطوة رئيسية نحو تحقيق مشروع إسرائيل الكبرى». لذلك لا تهدف الحرب على إيران فقط إلى منع الجمهورية الإسلامية من امتلاك السلاح النووي، ولا إلى حماية المصالح النفطية الأمريكية. إنها تندرج في منطق إزالة آخر الأقفال الإقليمية التي تمنع التوسع الإقليمي والهيمنة الإسرائيلية.
قضية إبستين: رافعة لزعزعة استقرار النخب الغربية.
وبالتوازي مع هذه المناورات الجيوسياسية، تعمل قضية إبستين كمُظهِر ومُسرِّع للتوترات داخل النخب الغربية. ففي 30 يناير 2026، كشف نشر أكثر من ثلاثة ملايين ملف مرتبط بالتحقيق في جيفري إبستين عن «شبكة عالمية تمزج بين مسؤولين سياسيين وفاعلين اقتصاديين وشخصيات ثقافية». وتُوصف هذه الشبكة بأنها «صورة أشعة غير مشرّفة للنخب العالمية»، وتغذي ارتياباً متزايداً تجاه المؤسسات، وتعيد إطلاق النقاش حول عتمة السلطة.
ويرى بعض المحللين فيها أداة لزعزعة استقرار النخب القديمة، ووسيلة لفرض تحول نحو أشكال جديدة من الحكم. إن المسامية بين الجريمة المنظمة والمالية الدولية والدوائر السياسية التي كشفت عنها هذه الوثائق تزعزع أسس الشرعية الديمقراطية وتخلق فراغاً قد تسعى قوى تكنوقراطية أو مسيانية إلى ملئه.
الخاتمة: بين الإمبريالية والاستعمار المسياني.
لا تُختزل الطموحات الإسرائيلية–الأمريكية في الشرق الأوسط في سياسة إمبراطورية بسيطة للسيطرة على الموارد، ولا في استعمار استيطاني كلاسيكي. إنها تجمع هذين البعدين مع بعد ثالث: رؤية أخروية تمنح التوسع الإقليمي معنى دينياً وميتافيزيقياً.
فالإمبريالية الأمريكية، باستخدامها إسرائيل كأداة لهيمنتها الإقليمية، والاستعمار الإسرائيلي، بمواصلته توسيع «إسرائيل الكبرى»، يلتقيان في مشروع مشترك: تصفية الدول–الأمة العربية، وتفكيك القوى الإقليمية، وإقامة نظام جديد يقوم على القوة وعلى نبوءات ألفية.
ويبدو حل الدولتين، الذي بات في حالة احتضار، محكوماً بالفشل. أما إيران، بوصفها ركناً من أركان بريكس والممرات البديلة، فتشكل العقبة الكبرى الأخيرة أمام هذه الدينامية. وقضية إبستين، بزعزعتها استقرار النخب الغربية، قد تُسرّع الانتقال نحو نظام حكم معولم وتكنوقراطي ومسياني.
ولم يعد السؤال هو ما إذا كان هذا المسار مرغوباً فيه، بل فهم المصفوفة الدينية والجيوسياسية التي تقوم عليها، قبل تجاوز نقطة اللاعودة.
