ربع قرن من السياسة المغربية: من السيناريو المؤجل إلى عودة خارطة الطريق.
قراءة في مسار سياسي امتد من بداية الألفية الثالثة إلى انتخابات 2026.
بقلم، محمد خوخشاني.
ليس من السهل قراءة ربع قرن من الحياة السياسية المغربية باعتباره مجرد تعاقب عادي للحكومات والأحزاب والانتخابات. فمنذ بداية الألفية الثالثة، عرف المغرب تحولات متلاحقة أعادت، في كل مرحلة، توزيع الأدوار بين الدولة والأحزاب، وبين الفاعل السياسي والفاعل الاقتصادي، وبين ما تفرزه صناديق الاقتراع وما تفرضه موازين القوة داخل النظام السياسي.
وإذا كانت الوقائع قابلة للتوثيق، فإن تفسير ترابطها يظل مجالاً للتحليل والاجتهاد. ومن هذه الزاوية يمكن طرح فرضية مفادها أن المغرب عرف، خلال هذا الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، مساراً سياسياً لم يكن خطياً، بل اتخذ شكل سيناريوهات متعاقبة، بعضها تعطل وبعضها أُعيد توظيفه في ظروف جديدة.
من التناوب إلى البحث عن صيغة جديدة.
مع بداية العهد الجديد، كان المغرب قد دخل تجربة التناوب التوافقي بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، قبل أن تنتقل رئاسة الحكومة إلى إدريس جطو سنة 2002 ثم إلى عباس الفاسي سنة 2007. وتكشف هذه المرحلة عن استمرار البحث عن صيغة تجمع بين الشرعية الانتخابية، والخبرة التدبيرية، واستقرار المؤسسات.
لكن المشهد السياسي كان يتغير في العمق. فقد بدأ يظهر سؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن إعادة تشكيل الخريطة الحزبية بما يجعلها أكثر قدرة على استيعاب التحولات الاجتماعية والسياسية الجديدة؟
هنا يمكن وضع الفكرة التي يسميها البعض، في القراءة السياسية، «خارطة الطريق». غير أن الحديث عن خطة مكتملة ومحددة منذ أواسط العقد الأول من الألفية يحتاج إلى وثائق أو شهادات مباشرة تثبته. لذلك الأدق أن نتحدث عن اتجاه سياسي وإعادة ترتيب تدريجية للمشهد، لا عن مؤامرة مثبتة أو خطة سرية مكتملة العناصر.
الربيع العربي وتغيير السيناريو.
ثم جاءت سنة 2011 لتغير الكثير من الحسابات.
فقد دفعت احتجاجات حركة 20 فبراير، في سياق إقليمي اتسم بالربيع العربي، إلى إصلاحات دستورية وانتخابات تشريعية سابقة لأوانها. وأسفرت انتخابات 25 نوفمبر 2011 عن تصدر حزب العدالة والتنمية، الذي حصل على 107 مقاعد، وتكليف أمينه العام عبد الإله بنكيران بتشكيل الحكومة.
وهكذا أصبح الحزب ذو المرجعية الإسلامية، الذي كان قد ظل سنوات في المعارضة، في واجهة التدبير الحكومي.
وهنا تبدأ مرحلة ذات دلالة خاصة في التاريخ السياسي المغربي: إدخال حزب ذي مرجعية إسلامية إلى قلب المؤسسات التنفيذية، ومنحه مسؤولية تدبير مرحلة صعبة، مع إبقاء حدود السلطة السياسية مرسومة داخل النظام الدستوري القائم.
لقد ظل حزب العدالة والتنمية في الحكومة، بقيادة بنكيران ثم سعد الدين العثماني، قرابة عشر سنوات. وفي انتخابات 2016 حافظ الحزب على موقعه كقوة انتخابية أولى، قبل أن ينتهي مساره الحكومي بهزيمة انتخابية شديدة في 2021.
وقد لاحظت دراسات سياسية أن تجربة الحزب في الحكم كانت أيضاً تجربة للتعايش مع حدود السلطة الحكومية داخل النظام المغربي، وأن إصلاحات 2011 لم تنقل كل مراكز القرار إلى الحكومة والبرلمان، بل أبقت للملك صلاحيات واسعة.
من «الإسلاميين» إلى النخبة الاقتصادية.
كانت انتخابات 2021 نقطة تحول حاسمة.
انهار تمثيل العدالة والتنمية من 125 مقعداً في مجلس النواب إلى 13 مقعداً، بينما تصدر التجمع الوطني للأحرار النتائج بـ102 مقعد، وجاء الأصالة والمعاصرة ثانياً بـ87 مقعداً، والاستقلال ثالثاً بـ81 مقعداً. وتشكلت حكومة عزيز أخنوش بتحالف التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال.
وهكذا انتقل مركز الثقل الحكومي من حزب ذي مرجعية إسلامية إلى حزب يقوده فاعل اقتصادي بارز.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد استبدال حزب بحزب. فقد بدا وكأن المرحلة الجديدة ستختبر قدرة النخبة الاقتصادية ورجال الأعمال على ترجمة الإمكانات المالية والتدبيرية إلى نتائج اجتماعية وسياسية ملموسة.
غير أن السنوات الخمس التالية حملت مفارقة سياسية لافتة: كلما ارتفعت التطلعات المرتبطة بالاستثمار والنمو والمشاريع الكبرى، ظلت قضايا القدرة الشرائية، والشغل، والصحة والتعليم، والفوارق الاجتماعية والمجالية حاضرة بقوة في النقاش العمومي.
وهذه ليست مجرد قراءة معارضة؛ فقد كانت قضايا التشغيل والفوارق الاجتماعية والخدمات العمومية من أبرز القضايا المطروحة في انتخابات 2026، في سياق اتسم أيضاً بتنامي السخط الاجتماعي واحتجاجات شبابية.
وحين عادت الساعة إلى نقطة البداية.
هنا تصبح انتخابات 2026 ذات دلالة تتجاوز مجرد تغيير ترتيب الأحزاب.
فوفق النتائج الأولية المنشورة بعد اقتراع 23 شتنبر، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، بينما تراجع التجمع الوطني للأحرار والاستقلال مقارنة بنتائج 2021، وعاد حزب العدالة والتنمية بقوة إلى البرلمان. ووفق الفصل 47 من الدستور، يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، دون أن يعني ذلك امتلاك الحزب المتصدر أغلبية برلمانية؛ فالأغلبية المطلقة تتطلب 198 مقعداً من أصل 395.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التأمل.
فالحزب الذي ولد سنة 2008 من رحم «حركة لكل الديمقراطيين» أصبح، بعد ثمانية عشر عاماً، في موقع يسمح له بقيادة عملية تشكيل الحكومة. وتشير مصادر صحافية إلى أن نشأة الحزب ارتبطت بفؤاد عالي الهمة وبالحركة التي تأسست في يناير 2008، قبل تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة في العام نفسه.
وبذلك يمكن قراءة ربع القرن المغربي كالتالي: مرحلة انتقال، ثم مرحلة اختبار، ثم مرحلة استبدال، ثم مرحلة عودة.
لكن هل يعني ذلك أن «خارطة الطريق» القديمة قد عادت حرفياً؟
هنا ينبغي الحذر.
فالسياسة ليست مسرحية مكتوبة بالكامل سلفاً، والأحداث الكبرى كثيراً ما تفرض على الفاعلين تعديل حساباتهم. الربيع العربي، ودستور 2011، وصعود العدالة والتنمية، وتطورات العقد التالي، ثم انتخابات 2021 و2026، كلها عوامل تفاعلت مع بعضها ولم تكن بالضرورة أجزاء من مخطط واحد معد سلفاً.
لذلك قد تكون القراءة الأكثر إقناعاً هي أن المغرب عاش، خلال خمسة وعشرين عاماً، عملية متواصلة لإعادة هندسة الحقل السياسي: تارة عبر الانتخابات، وتارة عبر إعادة تشكيل التحالفات، وتارة عبر صعود قوى حزبية جديدة، وتارة عبر انتقال مركز الثقل من النخب الحزبية التقليدية إلى نخب اقتصادية وتدبيرية.
ماذا بقي من السيناريو؟
إذا صح أن الأصالة والمعاصرة يمثل، في نظر بعض المراقبين، الامتداد السياسي لذلك المشروع الذي بدأ مع «حركة لكل الديمقراطيين»، فإن وصوله إلى المرتبة الأولى في انتخابات 2026 يفتح سؤالاً أكبر من مجرد تشكيل حكومة جديدة:
هل نحن أمام نهاية دورة سياسية بدأت في مطلع الألفية، أم أمام بداية دورة جديدة؟
ذلك أن نجاح أي حكومة مقبلة لن يقاس فقط بعدد المقاعد التي حصل عليها الحزب الأول، ولا بهوية رئيس الحكومة، ولا بتركيبة التحالف الحكومي.
المعيار الحقيقي سيكون قدرة السياسة على استعادة الثقة.
فالمغربي لا ينتظر فقط حكومة تستطيع تدبير الاقتصاد، وإنما حكومة تستطيع أن تقنعه بأن ثمار النمو ستصل إليه، وأن المدرسة العمومية ستتحسن، وأن المستشفى سيكون في متناوله، وأن فرص الشغل لن تبقى امتيازاً لفئة دون أخرى، وأن الانتخابات ليست مجرد آلية لتغيير الوجوه، بل وسيلة لتغيير السياسات.
وهنا بالضبط تكمن خلاصة ربع قرن من التجربة:
يمكن تغيير الحزب الذي يقود الحكومة، ويمكن تغيير التحالفات، ويمكن إعادة ترتيب الخريطة الانتخابية؛ لكن لا يمكن تأجيل سؤال الثقة إلى ما لا نهاية.
فإذا كانت «خارطة الطريق» قد احتاجت ربع قرن حتى تصل إلى إحدى محطاتها، فإن نجاحها الحقيقي لن يتحدد بمن يقودها، وإنما بما إذا كانت ستنجح في تحويل السياسة من لعبة لتداول النخب إلى أداة لاستعادة ثقة المواطن.
وتلك، في نهاية المطاف، هي المعركة السياسية الأصعب التي تنتظر المغرب بعد انتخابات 2026.
