من الحق إلى الهدية.. كيف يبذرون مال الشعب ثم يطالبوننا بالشكر؟
ابراهيم عمار :
قرأنا مقال السيد العباديلة السملالي عن « عزيمة «رئيس منتخب » الراسخة كما يقول: لمواصلة العمل في خدمة المعوزين »، ولم نجد فيه خبراً، بل وجدنا فيه كل أمراض السياسة عندنا.
هذا المقال ليس تكريماً، هذا دليل إدانة لمنطق سياسي متخلف يحاول تحويل منصب المسؤولية العمومية إلى رصيد شخصي في البنك الانتخابي، وتحويل المواطن من صاحب حق إلى مدين بالشكر.
لنفكك هذا المنطق الخطير:
1. الطائرة الطبية ليست من جيب أحد.
المواطنان من حي الوحدة اللذان تم نقلهما إلى مراكش، هم ناخبون من أبناء الداخلة لم ينقلهما الخطاط ينجا من ماله الخاص. نقلتهما طائرة طبية ممولة من مال دافعي الضرائب، في إطار منظومة الدولة، وميزانية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، واتفاقيات مجلس الجهة. هذه ليست « مبادرة إنسانية نبيلة »، هذا واجب وظيفي. رئيس الجهة لا يتفضل علينا، هو موظف عندنا، اخترناه لينزل استراتيجية الدولة، لا ليتصدق علينا من المال العام.
في منطق دول المؤسسات الذي يريده الملك محمد السادس حفظه الله لنا، العلاج حق، والنقل الاستعجالي حق، وسيارة الإسعاف حق. بشروط قانونية واضحة، وليس بمنة من أحد.
أما في منطق الأشخاص، منطق العباديلة ورئيسه فكل شيء هدية، وكل حق صدقة، وعلينا أن نقول « الله يجازي المنتخب ».
2. تحويل المواطن من صاحب حق إلى ساعي بريد للشكر.
أخطر ما في المقال هو هذه الجملة الضمنية: كيف تنتقد أو لا تصوت على من ساعدك؟
هنا يتم تكميم الأفواه. يريدون أن يحولوا المعاناة إلى جميل، والمتاجرة بالمرض إلى فرصة انتخابية. يريدون مواطناً خجولاً، يشعر بالعار إذا طالب بحقه، ويشعر أنه ناكر للجميل إذا حاسب منتخبه.
نحن لا نشكر المنتخب لأنه عالج مريضاً. نحن نحاسبه إذا لم يعالج. نحن لا نشكر سائق سيارة الإسعاف لأنه نقل مريضاً، ولا طبيبا لأنه عالج مرضا لأن هذه وظيفته. الشكر يكون على الإحسان الشخصي من المال الخاص، أما المال العام فعليه المحاسبة.
3. التوجيهات الملكية بريئة من هذا التسول السياسي.
الاستقواء بـ « التوجيهات الملكية السامية » في كل مقال لتبرير تحويل المال العام إلى دعاية شخصية هو إساءة للمؤسسة الملكية نفسها. التوجيهات الملكية تقول بوضوح: ربط المسؤولية بالمحاسبة، ودولة المؤسسات، والقطع مع الريع. ولم تقل أبداً حولوا ميزانية الجهة إلى صور وطائرة ومقال عاطفي مدفوع الأجر.
الملك يقول: المواطن له حقوق. وأنتم تقولون: المواطن له محسِن.
4. الانتخابات تمر والتضامن يبقى؟ بل الريع يبقى.
تقولون « الانتخابات تمر أما التضامن فيبقى ». الحقيقة التي تريدون إخفاءها هي: « الانتخابات تمر والميزانية تبقى لتُستعمل في الانتخابات القادمة ».
لو كان هذا تضامناً حقيقياً، لكان من المال الخاص، وبدون كاميرا، وبدون مقال طويل عريض مليء بـ « السيد » و « النبيلة » و « الراسخة ». التضامن الحقيقي لا يحتاج إلى ناطق رسمي.
ختاماً، نقولها بوضوح للسيد العباديلة ومن يحذو حذوه:
هذا مال الشعب. والطائرة طائرة الشعب. والمستشفى مستشفى الشعب. والمواطن المريض ليس مادة لدعايتكم.
المواطن في الداخلة لا يريد متبرعاً، يريد مستشفى جهوياً حقيقياً لا يحتاج معه أن يُنقل إلى مراكش أصلاً. لا يريد سيارة إسعاف مناسباتية، يريد منظومة صحية دائمة. ومؤسسات دولة تجهز لذلك الحق دون منة.
كفى من تحويل الحق إلى هدية، والواجب إلى بطولة، والمواطن إلى متسول شكر. ديما حق، وديما مؤسسات، وديما مغرب بلا تسول انتخابي.
