ألگويرة المغربية. بين الوهم الرقمي وحقيقة الجغرافيا

ألگويرة المغربية. بين الوهم الرقمي وحقيقة الجغرافيا
شارك

يوسف غريب

ليس أشد خطراً على العقل السياسي من تلك اللحظات التي يتحول فيها (الوهم الرقمي) إلى بديل عن الواقع والافتراضي إلى بديل عن التاريخ والجغرافيا.

فما نتابعه اليوم على بعض منصات التفاهة الرقمية بشأن ما يُسمى زُوراً – قضية الگويرة – من شططٍ بلغ بأصحاب المخيلة الخصبة حد افتراض « مقايضة » متخيلة بين تسليم المدينة لموريتانيا مقابل سحب الاعتراف بالجمهورية الوهمية

فهذا ليس مجرد شطحات « مؤثرين » يبحثون عن « النقرات » بل هو نموذج مكتمل الأركان لما يمكن تسميته بـصناعة الأزمات الوهمية

نحن هنا لسنا أمام قرار سياسي صادر عن دولة ولا أمام موقف رسمي الصياغة صادق النية بل أمام ضجيج إلكتروني بلا رأس ولا أقدام ومحاولة مكشوفة لتحويل الهذيان الرقمي إلى ملف مطروح على طاولة النقاش.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه بصرامة على كل ذي عقل:

من صاحب المصلحة في نفخ الروح في هذا العدم؟

من قرر أن يمنح « اللاشيء » حجماً سياسياً لا يسانده تصريح ولا تسنده وثيقة.. ؟

وهل نحن أمام نقاش يستند إلى براهين الجغرافيا والتاريخ أم أمام عملية تدليس إعلامي تُدار بأدوات غير مرئية لفرض موضوع زائف على الأجندة العامة.. ؟

إن أدنى درجات الفطنة السياسية تقودنا إلى مراجعة بسيطة لأبجديات الخرائط والمستندات فالخرائط الموريتانية الرسمية المعتمَدة في التمثيل الإداري والترابي والتي تُقرها الأمم المتحدة نفسها تخلو تماماً من إدراج الگويرة ضمن إقليمها أو مناهجها التعليمية.

وليس هذا فحسب بل إن نواكشوط طوت هذا الملف رسمياً يوم وقعت ما سُمي بـ «اتفاقية الجزائر» سنة 1979 مع  (جبهة البوليساريو) وهي الوثيقة المودعة في الأمانة العامة للأمم المتحدة (تحت الرمز A/34/427)  أعلنت فيها موريتانيا انسحابها التام وتخليها النهائي عن أي مطالبة ترابية في الإقليم.

تلك الاتفاقية المسجلة أممياً لا تقتل أوهام اليوم فحسب بل تُعيدنا إلى مربع الصورة الأولى:

إلى ذلك الزمن الذي كادت فيه هذه المؤامرة الدنيئة أن تعصف بالمنطقة لولا ذكاء عبقري سياسي المرحوم الحسن الثاني وتضحيات استثنائية لشهداء معركة « بئر انزران » الذين صمدوا 72 ساعة أمام الزحف المدعوم جزائرياً حتى امتدت خطوط السيادة المغربية إلى الگويرة.. وإلى الأبد.

فإلى أرواح كل شهدائنا كل الرحمة والمغفرة

لكن لماذا يُعاد نبش هذا الملف الآن بهذه الطريقة الفجة…؟

الجواب لا يحتاج إلى كثير ذكاء

هي غصة الهزيمة التي ما زالت تخنق أصحاب عقيدة « اتفاقية 1979 » في العاصمة الجزائرية… أولئك الذين أدركوا أن قواعد اللعبة تغيرت ميدانياً ودبلوماسياً فلم يجدوا غير استعارة أصوات موريتانية من الداخل وتسريب هذا « السم الرقمي » لخلق حالة من التشويش لعل وعسى يبتلع البعض في الداخل المغربي الطُّعم…

إن الگويرة لم تكن يوماً عقاراً معروضاً للبيع أو المقايضة في سوق الدلالة الافتراضية بل هي الضلع الجنوبي الأشد صلابة في بنية السيادة الوطنية…

وإن شعار من طنجة إلى الگويرة لم يكن يوماً مجرد تعبير بلاغي في خطب المناسبات بل هو عقيدة جغرافية وسلوكية حُفرت بالدم والتاريخ.

ستظل الگويرة شاطئاً مغربياً خالصاً والنافذة الصخرية الوحيدة التي يتلصص منها عسكر الجزائر على امتداد الأطلسي ليتحطم عليها حلمهم التاريخي في منفذ نحو المحيط ليبقى ذل الخيبة هو الإرث الوحيد الذي ما زال يلاحق أحفاد بوخروبة منذ 1979… وإلي الأبد

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *