تجريم الإثراء غير المشروع بين إخراجه من سلة مهملات حكومة أخنوش والإبقاء عليه رهينة الحسابات السياسية لحكومة المنصوري.
هل تنجح رئيسة الحكومة في التوفيق بين مواقف وزرائها، أم يتحول هذا الملف إلى أول اختبار حقيقي لانسجام الأغلبية الحكومية الجديدة؟
بقلم، محمد خوخشاني.
من سحب المشروع إلى تجديد الالتزام: هل تغيرت الإرادة السياسية؟
ليس تجريم الإثراء غير المشروع في المغرب مجرد تفصيل تشريعي يمكن تأجيله إلى حين توافر الظروف المناسبة، ولا مجرد شعار من الشعارات التي تتكرر في الخطابات الحكومية عند الحديث عن تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد. إنه، في جوهره، اختبار لإرادة سياسية يفترض أن تجعل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة قاعدة فعلية لممارسة السلطة وتدبير الشأن العام.
لقد شكل سحب مشروع القانون رقم 10.16، الذي تضمن مقتضيات تتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع، في عهد حكومة عزيز أخنوش، محطة مثيرة للجدل. وقد بررت الحكومة آنذاك توجهها بالحاجة إلى مراجعة شاملة للقانون الجنائي، بدل معالجة بعض مقتضياته بصورة منفصلة. غير أن مرور السنوات دون حسم هذا الملف أبقى سؤال الجدوى من ذلك السحب مطروحا، كما أبقى الالتزام بمحاربة الفساد موضع مساءلة سياسية وحقوقية.
واليوم، يعود الملف إلى واجهة النقاش مع إعلان رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، خلال تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، التوجه نحو استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، بما يشمل تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التأمل: كيف يمكن لحكومة جديدة أن تجعل من تجريم الإثراء غير المشروع التزاما معلنا، في حين أن هذا الملف ظل موضع خلاف وتعثر خلال الولاية الحكومية السابقة، التي كانت المنصوري نفسها جزءا منها؟
هل نحن أمام تحول حقيقي في الموقف السياسي، أم أمام إعادة صياغة لالتزام قديم لم تتوافر له، إلى حدود اليوم، شروط التنزيل التشريعي؟
إن الجواب لن تحدده البلاغات ولا التصريحات، بل الخطوات العملية التي ستتخذها الحكومة، ابتداء من إعداد مشروع واضح ومتكامل، وانتهاء بإحالته على البرلمان والدفاع عنه إلى حين استكمال مسطرته التشريعية.
أولا: خلاف حول القانون أم صراع حول كلفة المحاسبة؟
من الصعب اختزال الخلاف بشأن تجريم الإثراء غير المشروع في مجرد اختلاف تقني حول الصياغة القانونية. فمثل هذه التشريعات تطرح أسئلة دقيقة بشأن تحديد الجريمة، وإثبات عناصرها، والعلاقة بين تطور الممتلكات ومصادر الدخل المشروعة، والضمانات القانونية التي تحول دون التعسف في استعمال السلطة.
لكن وراء هذه الاعتبارات القانونية المشروعة يكمن سؤال سياسي أكثر حساسية: هل تقبل النخب التي تتولى تدبير الشأن العام إخضاع نفسها لقواعد رقابية أكثر صرامة، أم أنها تفضل الاكتفاء بمنظومة قانونية لا تتجاوز حدود المحاسبة التقليدية؟
إن تجريم الإثراء غير المشروع، متى صيغ بصورة دقيقة ومتوازنة، يمكن أن يشكل أداة إضافية لمواجهة الزيادة غير المبررة في الثروة عندما تتوافر الشروط القانونية لإثارة المسؤولية الجنائية. لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للاتهام الاعتباطي، كما لا يجوز أن يؤدي احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة إلى إفراغ النص من فعاليته.
وبالتالي، فإن المطلوب ليس قانونا متشددا في عباراته وضعيفا في آليات تطبيقه، ولا قانونا فضفاضا يفتح الباب أمام التأويلات المتعارضة، وإنما تشريع يحقق التوازن بين حماية المال العام وصون الحقوق والحريات.
غير أن بلوغ هذا التوازن يتطلب إرادة سياسية واضحة، لأن الخلاف على التفاصيل القانونية يمكن أن يكون مشروعا، بينما يصبح تعطيل الإصلاح أو تأجيله بلا أفق زمني واضح موضع مساءلة سياسية مشروعة.
ثانيا: فاطمة الزهراء المنصوري أمام اختبار الانسجام الحكومي.
تتولى فاطمة الزهراء المنصوري قيادة حكومة تقوم على تحالف أربعة أحزاب، لكل منها مرجعياته السياسية وحساباته التنظيمية وتقديراته الخاصة لكلفة بعض الإصلاحات.
وفي مثل هذه التركيبة، لا يكفي أن تتفق مكونات الأغلبية على برنامج حكومي في خطوطه العامة؛ إذ يتعين عليها أيضا أن تتوافق بشأن التدابير التشريعية التي قد تترتب عنها آثار سياسية مباشرة على المسؤولين والمنتخبين والفاعلين العموميين.
ومن هنا، فإن تجريم الإثراء غير المشروع قد يشكل أحد الاختبارات المبكرة لقدرة رئيسة الحكومة على تحويل التوافق السياسي العام إلى التزام تشريعي محدد.
فإذا كانت الحكومة قد التزمت بمحاربة الفساد وتضارب المصالح وتعزيز التصريح بالممتلكات، فإن من حق المواطنين أن يعرفوا كيف ستترجم هذه الالتزامات إلى قوانين وآليات تنفيذية، وما إذا كانت مكونات الأغلبية مستعدة لدعمها عندما تنتقل من مستوى الإعلان إلى مستوى التطبيق.
ولا يمكن الجزم، في غياب نص حكومي نهائي ومواقف رسمية متكاملة لجميع مكونات الأغلبية، بأن الخلافات الداخلية ستؤدي حتما إلى تعطيل المشروع. لكن التجربة السابقة تبرر التساؤل عن قدرة الحكومة الجديدة على تجاوز العقبات السياسية والقانونية التي حالت دون حسم الملف.
وهنا تحديدا تبرز مسؤولية فاطمة الزهراء المنصوري: هل ستكتفي بإدارة الاختلافات بين وزرائها وتأجيل الحسم، أم ستتولى بنفسها بناء توافق حكومي حول مشروع واضح، محدد الأهداف، ومقترن بجدول زمني معلن؟
إن نجاحها لن يقاس بقدرتها على الحفاظ على الهدوء داخل مجلس الحكومة فحسب، بل بقدرتها على اتخاذ القرار عندما تتعارض الاعتبارات الحزبية مع متطلبات الإصلاح.
ثالثا: هل يستطيع وزير العدل تجاوز إرث المرحلة السابقة؟
لا يمكن تناول هذا الملف من دون استحضار الدور المحوري لوزارة العدل، بالنظر إلى ارتباط الموضوع بالقانون الجنائي وبالضمانات التي ينبغي أن تحكم إثبات الجريمة وترتيب المسؤولية عنها.
فقد ارتبط سحب المشروع السابق بتوجه نحو إعادة النظر في القانون الجنائي ضمن رؤية شاملة. ومن ثم، فإن الحكومة الجديدة مطالبة بتوضيح ما إذا كانت ستعتمد مقاربة تشريعية جديدة، وما الذي ستحتفظ به من التصورات السابقة، وما الذي ستغيره لتجاوز أسباب التعثر.
والسؤال هنا ليس شخصيا، بل مؤسساتي بالدرجة الأولى: هل ستنجح وزارة العدل في تقديم صيغة قانونية تستجيب لمقتضيات الدستور، وتحظى بقبول مكونات الأغلبية، وتضمن في الوقت نفسه فعالية المحاسبة؟
إن إعادة طرح المشروع بالمنطق نفسه، ومن دون معالجة الاعتراضات التي رافقت تجربته السابقة، قد تقود إلى تكرار النتيجة ذاتها. أما الاكتفاء بإعلان النية في التجريم، من دون تحديد موعد لإخراج النص أو بيان مراحل إعداده، فقد يحول الالتزام الحكومي إلى وعد مفتوح على التأجيل.
ولذلك، فإن المطلوب هو أن تتعامل الحكومة مع الملف باعتباره ورشا تشريعيا ذا أولوية، لا مجرد عنوان إضافي في خطاب محاربة الفساد.
رابعا: ما علاقة هذا الملف بالبرنامج الحكومي وقانون المالية؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن تجريم الإثراء غير المشروع يندرج ضمن الإصلاح القانوني، في حين يتناول قانون المالية قضايا الإيرادات والنفقات والاستثمار والسياسات العمومية. غير أن الفصل بين المجالين يظل فصلا إجرائيا أكثر منه فصلا في الأهداف.
فالحكامة المالية الجيدة لا تتوقف عند ضبط النفقات أو البحث عن موارد إضافية، بل تشمل أيضا ضمان النزاهة في تدبير المال العام، والشفافية في الصفقات العمومية، والحد من تضارب المصالح، ومساءلة كل من يثبت تورطه في ممارسات غير مشروعة.
ومن هذا المنطلق، فإن قانون المالية للسنة الأولى من عمر حكومة المنصوري سيشكل، إلى جانب البرنامج الحكومي، مناسبة لتقييم مدى الانسجام بين الأولويات المعلنة والاختيارات العملية.
ولا يعني ذلك أن تجريم الإثراء غير المشروع ينبغي بالضرورة أن يدرج في قانون المالية نفسه؛ فلكل نص مساره التشريعي ومجاله القانوني. لكن من المشروع التساؤل عما إذا كانت الحكومة ستترجم خطاب النزاهة إلى إجراءات متكاملة في تدبير الموارد العمومية ومراقبة الصفقات وتعزيز الشفافية.
فإذا وعدت الحكومة بمحاربة الفساد، ثم عجزت عن الاتفاق على التدابير الأساسية التي تسمح بمواجهته، فإن التناقض بين الخطاب والممارسة سيصبح أكثر وضوحا.
أما إذا بادرت إلى إعداد النصوص اللازمة، وتحديد آجال اعتمادها، وتوفير آليات تنفيذها، فإنها ستبعث برسالة مفادها أن تخليق الحياة العامة ليس مجرد واجهة سياسية، بل جزء من تصورها للحكامة والتنمية.
خامسا: ما حظوظ المنصوري في تجاوز هذا التحدي؟
في تقديري، تظل حظوظ رئيسة الحكومة قائمة، لكنها ليست مضمونة. فنجاحها يتوقف على قدرتها على تحويل الالتزام السياسي إلى اتفاق حكومي واضح، وعلى استعداد مكونات الأغلبية لتغليب المصلحة العامة على الحسابات الحزبية الضيقة.
ويمكن تصور ثلاث مسارات محتملة.
المسار الأول: التوافق والإحالة على البرلمان.
تنجح رئيسة الحكومة في تقريب وجهات النظر، وتتفق مكونات الأغلبية على صيغة قانونية متوازنة، ثم تحيل الحكومة مشروعها على البرلمان. وفي هذه الحالة، ستكسب المنصوري رصيدا سياسيا مهما، لأنها ستكون قد أثبتت قدرتها على تجاوز إرث التعثر السابق وتحويل التعهد إلى مسار تشريعي فعلي.
المسار الثاني: التوافق الشكلي والتأجيل العملي.
تتمسك الحكومة بخطاب محاربة الفساد، لكنها تؤجل الحسم في تفاصيل المشروع، بحجة ضرورة مزيد من التشاور أو مراجعة بعض المقتضيات. وقد يسمح هذا الخيار بالحفاظ مؤقتا على الانسجام داخل الأغلبية، لكنه سيضعف مصداقية الالتزام إذا لم يقترن بأجل واضح ومبررات موضوعية.
المسار الثالث: بروز خلاف سياسي داخل الأغلبية.
تظهر اختلافات جوهرية بشأن مضمون المشروع أو نطاق تطبيقه أو ضماناته، فيتحول الملف إلى مصدر توتر بين مكونات التحالف الحكومي. وقد لا يؤدي ذلك بالضرورة إلى أزمة حكومية، لكنه سيكشف حدود التوافق الذي تأسست عليه الأغلبية، خصوصا إذا عجزت رئاسة الحكومة عن التوفيق بين متطلبات المحاسبة والحسابات السياسية للأحزاب المشاركة فيها.
ومع ذلك، فإن مجرد اختلاف الوزراء لا يعني بالضرورة وجود أزمة؛ فالاختلاف جزء طبيعي من العمل الحكومي. والمشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الخلاف إلى ذريعة لشل القرار أو إفراغ الالتزامات المعلنة من مضمونها.
سادسا: ما الذي ينتظره المواطن من الحكومة الجديدة؟
لا ينتظر المواطن المغربي مزيدا من الوعود العامة بقدر ما ينتظر رؤية آثارها في الواقع.
فالثقة في المؤسسات لا تستعاد بمجرد الحديث عن محاربة الفساد، بل عندما يلمس المواطن أن القانون يطبق على الجميع، وأن المسؤولية العمومية لا تمنح حصانة من المساءلة، وأن التصريح بالممتلكات ليس إجراء شكليا، وأن تضارب المصالح يخضع لقواعد واضحة، وأن الشبهات لا تتحول إلى أحكام مسبقة، كما أن المسؤولية الجنائية لا تثبت إلا وفق القانون وبضمانات المحاكمة العادلة.
ومن ثم، فإن تجريم الإثراء غير المشروع، على أهميته، ينبغي أن يكون جزءا من منظومة متكاملة تشمل الوقاية والرقابة والتحقيق والمحاسبة واسترداد الأموال المتحصلة من الجرائم، حيثما ثبت ذلك قانونا.
كما أن فعالية التشريع ستظل مرتبطة بقدرة المؤسسات المختصة على تطبيقه باستقلالية وموضوعية، بعيدا عن الانتقائية أو توظيف القانون في الصراعات السياسية.
إن الرهان الحقيقي ليس في سن قانون جديد فحسب، بل في بناء منظومة تجعل من النزاهة قاعدة في تدبير الشأن العام، ومن الشفافية شرطا للمسؤولية، ومن المحاسبة ضمانة لحماية المصلحة العامة.
خاتمة: هل تخرج المنصوري الملف من دائرة الوعود؟
إن قضية تجريم الإثراء غير المشروع تضع حكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام امتحان يتجاوز حدود الخلاف بين وزير وآخر، أو بين حزب وآخر. إنها تختبر مدى قدرة التحالف الحكومي على التوفيق بين الحفاظ على تماسكه السياسي والوفاء بالتزاماته المعلنة في مجال تخليق الحياة العامة.
فإذا نجحت رئيسة الحكومة في بناء توافق حقيقي حول مشروع متوازن، وحددت أجلا واضحا لإحالته على البرلمان، ودافعت عنه باعتباره جزءا من مسؤوليتها السياسية، فإنها ستبعث برسالة قوية مفادها أن مرحلة التعثر السابقة لم تعد قدرا محتوما.
أما إذا انتهى الأمر إلى تكرار لغة الوعود، مع استمرار الغموض بشأن مضمون النص وموعد تقديمه، فإن الملف سيظل شاهدا على الفجوة بين ما تقوله الحكومات وما تستطيع إنجازه.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحا أمام رئيسة الحكومة ومكونات أغلبيتها:
هل ستكون حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مستعدة لتجريم الإثراء غير المشروع حتى عندما تصبح مقتضيات هذا التجريم اختبارا لإرادة المسؤولين أنفسهم، أم أن حسابات الحفاظ على الانسجام الحكومي ستتقدم مرة أخرى على متطلبات تخليق الحياة العامة؟
إن الجواب لن تقدمه التصريحات، بل سيقدمه النص الذي ستضعه الحكومة أمام البرلمان، ومضمونه، وضماناته، والجدية التي ستدافع بها عنه.
ففي نهاية المطاف، لا تقاس قوة الحكومة بقدرتها على تجنب الخلافات، وإنما بقدرتها على حسمها بما يخدم المصلحة العامة. ولا تستعاد ثقة المواطنين بكثرة الوعود، بل بالوفاء بها.
