من القرار 2797 إلى بلاغ الديوان الملكي: تحليل مسار إنهاء « تدويل » نزاع الصحراء.
بقلم، محمد خوخشاني.
المقدمة.
بين 31 أكتوبر 2025 و30 أكتوبر 2026، تغيّرت المعادلة الأممية لنزاع الصحراء تغيراً جوهرياً. فإذا كان القرار 2797 قد كرّس الحكم الذاتي كأساس وحيد للتفاوض، فإن فشل مجلس الأمن في تمديد بعثة « المينورسو » بعد عام واحد شكّل نقطة تحول إجرائية وسياسية، ترجمها بلاغ الديوان الملكي إلى استنتاجات واضحة: طيّ صفحة 35 عاماً من التدويل، وسحب الملف من جدول أعمال مجلس الأمن. هذه القراءة التحليلية تسعى إلى تفكيك هذا المسار في ضوء المعطيات الموثقة.
أولاً: القرار 2797 — تكريس « الإطار الوحيد ».
في 31 أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار 2797، الذي اعتبره السفير المغربي لدى الأمم المتحدة في فيينا « تكريساً لحل الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب كأساس وحيد للتفاوض من أجل تسوية النزاع الإقليمي، في إطار سيادة المملكة ووحدتها الترابية » . هذا التوصيف لم يكن قراءة مغربية منفردة؛ فقد أكدت منظمات دولية أن القرار يعكس « التوافق المتنامي داخل المجتمع الدولي حول مقاربة واقعية » . والأهم أن القرار وجّه دعوة صريحة لجميع الأطراف، « خصوصاً الجزائر »، للانخراط في مفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة.
هذا التطور لم يكن معزولاً عن سياق دولي أوسع. فخطاب الملك محمد السادس في اليوم نفسه أعلن أن « ثلثي أعضاء الأمم المتحدة » باتوا يعتبرون مبادرة الحكم الذاتي الإطار الوحيد للحل، مشيراً إلى دعم قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي. بهذا المعنى، شكّل 2797 تتويجاً دبلوماسياً لمسار طويل، لكنه ظلّ رهيناً بآلية أممية كان وجودها نفسه موضع تساؤل.
ثانياً: 30 أكتوبر 2026 — الفيتو المزدوج وانتهاء الولاية.
في 30 أكتوبر 2026، اصطدم مجلس الأمن بانسداد غير مسبوق. المشروع الأمريكي، الذي كان يهدف إلى تمديد ولاية المينورسو حتى 31 أكتوبر 2027 مع تغيير اسمها إلى « مينوسو »، حصل على تأييد 11 عضواً لكنه سقط بالفيتو الروسي. المشروع الروسي البديل، الذي اكتفى بتمديد بسيط دون تغيير الاسم، لم يحصد سوى ثلاثة أصوات مؤيدة. النتيجة: لا قرار تمديد، وانتهاء ولاية البعثة تلقائياً في 31 أكتوبر 2026.
هذا الإخفاق ليس مجرد تعطيل إجرائي. فمن الناحية القانونية، الفيتو الروسي ضد المشروع الأمريكي « لا يلغي القرار 2797 ولا يبطل مضمونه »، بل يقتصر أثره على منع اعتماد مشروع جديد. لكن من الناحية العملية، غياب ولاية جديدة يعني أن البعثة الأممية، بموظفيها ومركباتها ومعداتها ورموزها، لم يعد لها سند قانوني للبقاء. وهنا بالضبط تكمن أهمية التوقيت: فشل التمديد جاء عشية « عيد الوحدة » الذي أقرّه الملك محمد السادس، وهو تزامن حمّله البلاغ الملكي دلالة سياسية تتجاوز الصدفة.
ثالثاً: بلاغ الديوان الملكي — من « التدبير » إلى « الطي النهائي ».
بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر 2026 لم يكتفِ بتسجيل الواقعة، بل بنى عليها استنتاجات متسلسلة. أولاً، الاعتبار أن عدم التمديد « يعني بوضوح أن تواجد هذه البعثة في الأقاليم الجنوبية… ينبغي أن ينتهي في الأيام المقبلة » . ثانياً، الربط بين انتهاء البعثة و »حداً لإحالة هذا الملف على مجلس الأمن، وسحب هذه القضية من جدول أعماله »، بما يعني عملياً انتفاء مبرر التقارير الدورية للأمين العام وإحاطات مبعوثه الشخصي. ثالثاً، توصيف المسار الأممي السابق بأنه « اتسم للأسف بمماطلة الأطراف الأخرى ».
هذه الاستنتاجات تُقرأ في سياق أوسع من مجرد رد فعل على فيتو. فالمغرب، وفق البلاغ، ينتقل من « منطق التدبير » إلى « مقاربة مبنية على التحول العميق للمحددات ». وهذا يعني أن الرباط لم تعد تتعامل مع المينورسو كآلية ضرورية، بل كـ »أداة لتدويل النزاع » ينبغي تجاوزها. والانتهاء الفعلي لوجود البعثة، حتى لو لم يصدر قرار أممي بإنهائه، يصبح بذلك واقعاً يفرض نفسه.
خاتمة.
ثلاث محطات موثقة ترسم مساراً واحداً: قرار 2797 الذي ثبّت مرجعية الحكم الذاتي، ثم إخفاق التمديد الذي أزال الغطاء المؤسسي للمينورسو، ثم بلاغ الديوان الملكي الذي ترجم هذين التطورين إلى استنتاج سياسي مفاده أن ملف الصحراء في الأمم المتحدة « طُويت صفحته ». يبقى السؤال المفتوح: هل يشكّل هذا المسار نهاية فعلية للتدويل، أم أنه إعادة تعريف لشروطه؟ البلاغ الملكي يجيب ضمناً: « أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة » يدعمون الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهذا الرصيد الدبلوماسي هو ما سيُستثمر خارج مجلس الأمن، عبر مسارات ثنائية وإقليمية.
