العمق الخاطئ لمسارات نظامنا التربوي

العمق الخاطئ لمسارات نظامنا التربوي
شارك

بقلم: ذ؛ يوسف راجي / مؤطر تربوي

هل ما نسميه إصلاحات تربوية جديرة فعلا بهذا التوصيف ؟

وهل ما يتعلمه أطفالها الآن في المدرسة كفيل بتأهيلهم لخوض غمار حياتهم بعد عشرين سنة ؟

عندما تفوق الاتحاد السوفياتي على أمريكا في مجال استكشاف الفضاء بسبقها في إرسال أول إنسان إلى الفضاء الخارجي، لم تقم أمريكا بترقيع مشروعها الفضائي ولا بادرت إلى إصلاح  برامج التكوين في المعاهد والمدارس العليا للتكنولوجيا، بل قامت بإصلاح جذري لمنظومتها التربوية ابتداء من روض الأطفال حتى التعليم العالي وذلك لإيمانها بأن التعليم بجميع مراحله، يمثل بنية متكاملة وتكاملية، إن طال الخلل إحدى مراحله انعكس سلبا على مخرجات المنظومة برمتها.

في السياق ذاته،  وخلال احدى مقابلاته مع إحدى المجلات الثقافية في الثمانينيات من القرن الماضي، سئل مؤسس ورائد علم المستقبليات المرحوم الدكتور المهدي المنجرة ، عن علاقاته بهذا العلم الناشئ ،  فأجاب بأن بلورة اولى لبناته كانت لما كان يعمل رئيسا لأحد اقسام منظمة اليونيسكو الذي كان يهتم بإعداد برامج للتربية والتعليم. وكان إصلاح أي برنامج تربوي وارسائه بصفة نهائية يتطلب في مختلف مراحله ما بين اثنتي وخمس عشرة سنة، ما بين تشخيص ميداني وتنظير وتخطيط وبلورة وتجريب وتتبع وتقويم وتعديل وتفعيل نهائي … وكانت كل عملية من هذه العمليات تتطلب إسقاطات واستشرافا مستقبليا من أجل استحضار وضبط كل المتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية، المحتمل ان تؤثر مستقبلا في المسار التنموي للبلد وفي المشروع التربوي موضوع الإصلاح بصفة خاصة، وذلك من أجل التحكم فيها أو على الأقل أخذها بعين الاعتبار خلال كل مراحل إعداد المشروع وارسائه.

ومع مرور الوقت وبفضل  ترصيد التجارب، بدأت تتبلور شيئا فشيئا قوانين أكثر دقة وقواعد أكثر علمية، تمكن من استشراف المستقبل بشكل أكثر دقة وموضوعية وأكثر مصداقية.

و هكذا بدأت نشأة علم المستقبليات.

فإذا كان علم المستقبليات قد ولد من رحم التربية، ومن صلب التعليم لما يتطلبانه من تخطيط ودراسة وتمحيص وتقويم وتعديل، وإذا كانت البرامج التربوية التي تصبح إلى تحقيق الجودة والفعالية المطلوبتين، تستلزم كل هذا الوقت وكل هذه الجهود وكل هذه التقنيات، فكل ما نسميه نحن إصلاحات تربوية لا تعدو أن تكون سوى تدبير ظرفي للأزمات الطارئة دون رؤية استراتيجية فعلية تستشرف المستقبل وتتصور الملمح المناسب لما سيكون عليه مواطن الغد، لتقوم بتنشئته وبتكوينه وتأهيله على هذا الأساس. إصلاحاتنا مجرد ترقيعات هنا وترميمات هناك لا تلبث أن تتجاوزها الظروف، لنعود من جديد ونكرر نفس العملية بنفس الأسلوب، ونعيد اختراع العجلة، لكوننا مع الأسف لا نرصد حتى تجاربنا من أجل استثمار وتوظيف نجاحاتنا وتفادي هفواتنا … وهكذا نجد أنفسنا مرارا  وسنجده مستقبلا في نفس نقطة الانطلاق، شأننا في ذلك شأن ذلك التائه في الغابة، الذي لا يحدد له أية معالم تساعده  على الخروج من متاهاتها، فيمر بنفس الشجرة مرارا و تكرارا دون أن يدرك أنه أضاع مساره .

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *