عقد اجتماعي جديد..

عقد اجتماعي جديد..
شارك

يونس فنيش

مقدمة:

الديكتاتورية في أوج غطرستها في بعض دول الجنوب، في ما مضى، كانت تضرب ألف حساب للمعارضة سواء كانت مؤسساتية أو غير نظامية، فرغم منع حرية التعبير و التضييق على الصحف و المجلات و على العمل الثقافي، كان المعارضون ينشطون و يتحركون، و كانت الأنظمة تجبر على العدول عن بعض قراراتها غير السوية رغم بطشها و جبروتها و قدرتها على تعذيب المعارضين بشتى الطرق النفسية و المعنوية و الجسدية بلا حسيب و لا رقيب و بمباركة معظم دول الشمال، فلقد كان للمعارضة معنى و مغزى و لم تكن التضحيات رغم كل الأحوال المزرية تذهب سدى بلا أثر إيجابي على باقي أفراد الشعب، لأن الحكام كانوا يخشون غضب الشعب الذي كان ينتفض كرجل واحد لأسباب عامة تهم المنطق أو الدين أو الإديلوجية أو الحقوق التي كان يتبناها حقوقيون و مناضلون يحضون باحترام الشعب، فلم تكن آنذاك المعارضة تتلخص في مطالب فئوية خاصة كما هو الحال اليوم.

كانت مطالب المعارضة في بعض دول الجنوب تتلخص عموما في ضرورة احترام الأنظمة لمبادئ الديمقراطية، ظنا منها أن بذلك سيتحقق مبتغى الرقي و الازدهار كما كان الحال في دول الغرب. ولكن الذي لم يفهمه آنذاك الحقوقيون و لم تفهمه المعارضة هو أن دول الغرب الراقية لم تكن كذلك و لم تكن تنعم بالاستقرار بفضل مبادئ الديمقراطية أو بسبب حرية التعبير التي كانت توهم شعوب معظم دول الغرب بأنها موجودة و بأن صوتها مسموع، في حين أن أسباب رقي و ازدهار دول الغرب كان مردها إلى أموال بعض دول الجنوب و ثرواتها الباطنية التي كانت دول الشمال تستخرجها مقابل ضمان استمرار أنظمة بعض دول الجنوب، و ذلك لتمويل أسباب الرفاهية لشعوب الشمال من صحة و سكن و تعليم و شغل و تقاعد مريح.

ولكن شعوب دول الغرب لم تنل سوى الفتات من الأموال و الثروات المنهوبة من الجنوب التي كان النصيب الأوفر منها يذهب لتمويل مشاريع جهات أوليغارشية ثرية سرية و علنية غربية. و لأنها شعوب كانت تنعم بالعيش الكريم استكانت و سكتت عن خرق قواعد الديمقراطية من لدن حكامها، أفلم تكن شريكة في سرقة ثروات شعوب أخرى مستضعفة من أجل رفاهية غير مستحقة، من تقاعد مريح و خدمات صحية كاملة و أجور مرتفعة…؟

ولما أصبحت الديكتاتورية في بعض دول الجنوب تتبنى ديمقراطية الواجهة إسوة بمعظم دول الشمال، صار قمع المعارضين يتخذ رويدا رويدا طابعا قانونيا بتوجيه تهم لا علاقة لها بعمل المعارضة أو بحرية التعبير، بل تهما تستند على كافة مواد القوانين الجنائية التي لها علاقة بالحياء العام في تطور غريب مكن من التخلص من كافة المعارضين، ولو دون النيل من مصداقية بعضهم لدى رأي عام أضحى خاصا و سريا لا يتجرأ على إبداء الرأي.

اختفت إذن المعارضة من الساحة في بعض دول الجنوب دون مبرر معقول، فلا مطالب تحققت و لا تنمية و لا ازدهار لفائدة الشعوب، كما استسلم الجميع لإلغاء حرية التعبير و سكت، ولكن بعض الأنظمة أصبحت غير مطمئنة رغم انتصارها على المعارضة بكل أنواعها، سواء عبر الإغراء أو السجن أو التهديد أو التضييق الممنهج أو بتطبيق انتقائي لقوانين لا تتماشى مع الواقع المعاش، فسكوت المعارضة الشعبية لا يريح الأنظمة لأنه سكوت ينذر بالعاصفة الهوجاء…

معظم دول الشمال لا علاقة لها بمبادئ الديمقراطية الحقيقية، ولكنها دول لها أنظمة ذكية فهمت أن شعوبها تعلم أن الديمقراطية مجرد شعار فارغ لا أساس له في الواقع، و بالتالي فهي شعوب يلزمها متسع من حرية التعبير إلى حد انتقاد رؤساء الدول و الأنظمة و الاستهزاء بهم، لتشعر بوجودها و لتتوهم أنها قوية لا يمكن إلجام صوتها، في حين أن على أرض الواقع و في معظم الأحيان لا صوت يعلو على صوت الدول و الأنظمة و لا شيء يلغي قرارات رؤساء دول الغرب كيفما كان شكلها و جوهرها، و يبقى للشعوب أن تقول ما تشاء بما فيه النقد اللاذع و السب و الشتم و الاستهزاء برموز السياسة دونما مساءلة أو متابعة قضائية، فتحولت الديمقراطية في دول الشمال إلى مجرد حرية انتقاد الشخصيات العمومية في مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية، وأصبحت البرلمانات مجرد غرف تسجيل لا تغني و لا تسمن من جوع الديمقراطية، فغرقت شعوب الغرب في التفاهة المسطرة لها بعناية بفضل حرية تعبير تمكن من انتقاد الشخصيات العمومية بمن فيهم رؤساء الدول.

مشكلة بعض دول الجنوب أنها لم تفهم أن حرية التعبير ما هي سوى ذر الرماد في العيون بالنسبة لدول الشمال كمتنفس ضروري للاستمرار في تنفيذ المخططات المبرمجة من لدن جهات لا علاقة لها بالديمقراطية في غفلة من شعوبها. بعض دول الجنوب ألغت على أرض الواقع دور البرلمان و السياسة و السياسيين و المثقفين تماما كما حدث في معظم دول الشمال، ولكنها أخطأت لما حذفت أيضا حرية التعبير في حين أن الغرب يتجه نحو نموذج « الديكتاتورية البناءة » و لو تحت نفس مسمى « الديمقرطية »، نموذج لن تعود فيه « الديكتاتورية » « مقدسة » بل مؤسسة عمومية عادية يمكن انتقادها، ولكن حكمها و قراراتها سارية المفعول في ظل تغيير فعلي شامل لدور المؤسسات العمومية الديمقراطية التي تبقى صورية إلى حين أوان إلغائها بالمرة شكلا و مضمونا…

ول الشمال لا تسمح بالرشوة في بلدانها من طرف المسؤولين الرسميين ولكنها أقامت نظاما محكما يسمح بإعمال الرشوة لنهب ثروات بعض دول الجنوب و توزيعها، وإن بطريقة غير متساوية، بين حكوماتها السرية التي تشتغل في الظل وبين شعوبها الغارقة في الاستهلاك. فلبلوغ هذا الهدف كان لابد لدول الغرب من تشجيع الفساد المالي في بعض دول الجنوب لفائدة بعض النافذين المرتبطين ببعض الأنظمة في بعض دول الجنوب كوسيلة ابتزاز ناجعة تجعل بعض أنظمة دول الجنوب لا ترفض طلبا لدول الشمال على حساب الشعوب المستضعفة و المفقرة في بعض دول الجنوب. و هي وضعية تفاقمت لدرجة جعلت أنظمة بعض دول الجنوب تكرس أسلوب الرشوة و المحسوبية كسبيل وحيد لنيل الحقوق أو للارتقاء أو لتسيير المرافق العامة بما فيها قطاع العدالة، في بعض دول الجنوب، الذي أوشك في بعض الحالات على الانهيار كليا و أضحى تقريبا مجرد شبه بورصة لتداول الرشوة المقرونة بالمحسوبية.

1- تغيير مفهوم التمثيلية الشعبية:

و لذلك و لغير ذلك، في ما يلي فكرة محورية لطرح حل لمعظم المشاكل الآنية و المعضلات الحادة المرتقبة مستقبلا قبل الشروع في طرح الشروحات المقنعة و غير المزعجة لجميع الأطراف :

إن بعض دول الجنوب المعنية هنا في حاجة إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يمكنها من الخروج من الأزمة التي لن تكون لها نهاية آمنة في ظل الآليات الديمقراطية التي تعتمدها من أجل إنتاج النخب السياسية و المجتمعية. فإن أرادت تلك الدول تجاوز الكثير من ما يهيئ لها في الخفاء من الخارج فما عليها، أولا و قبل كل شيء، سوى أن تبادر الى اعتماد ديمقراطية بدون برلمان لتنتقل مهمة التشريع مباشرة إلى حكومة وطنية منتخبة بالاقتراع الأحادي الإسمي في دورتين، بحيث ينتخب الشعب الوزراء مباشرة مع تحديد عددهم مسبقا و الحقائب التي يترشحون من أجل تحمل مسؤولياتها، بعد ذلك ينتخب الشعب رئيس الوزراء بالاقتراع العام المباشر أو عن طريق هيئة الناخبين الكبار المكونة من الوزراء الناجحين في الانتخابات، و ليصبح هدف الأحزاب السياسية ليس الوصول إلى الحكم بل فقط إنتاج الأطر و صياغة الأفكار و الدراسات بشكل تطوعي و لكل غاية مفيدة. يتبع…

26 يناير 2022

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *