الحكومة المغربية وسياسة زرع الفتن..

شارك

البدالي  صافي الدين

يعرف المشهد السياسي المغربي اليوم عدة اختلالات، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وأخلاقية، اختلالات تنذر بالشؤم وبانهيار الدولة. إنه لما تظهر على السطح آثار الفساد على جميع مستويات الحياة العامة، فإن الدولة تصبح مؤهلة للسقوط في أحضان التبعية والاستعمار الجديد..

وإن من المظاهر التي أصبحت مقلقة نذكر منها:

1-   مظاهر الرشوة التي   أصبحت في الراهن المغربي العملة الميسرة للاغتناء غير المشروع ،بل الاغتناء الحرام، أبطالها برلمانيون ومستشارون جماعيون و مسؤولو الإدارة الترابية، هذه الآفة التي امتدت إلى المؤسسات القضائية ،  لا يجب أن يستمر السكوت عنها لخطورتها على المجتمع وعلى ميزان العدالة في البلاد. والحكومة لا تحارب الرشوة، بل تتسبب في تعميقها في جسم المجتمع المغربي بفعل سياسة المحسوبية والزبونية وتبادل المصالح.

2- تبادل المصالح وتضاربها :

ربما لأول مرة في حكومة مغربية يطغى على تدبيرها للشأن العام تضارب المصالح وتبادلها دون احترام الحد الأدنى من الأخلاق السياسية، و في هذا  الصدد  نجد  صفقات أسندت لشركات رئيس الحكومة منها ما هو معلن وما خفي أعظم ، هناك صفقة محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، حيث فاز تحالف يضم شركتي « أفريقيا غاز » (Afriquia Gaz) و »غرين أوف أفريقيا » (Green of Africa) التابعتين للمجموعة، بالتعاون مع شركة « أكسيونا » الإسبانية، بصفقة بناء وصيانة محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء ، باستثمار إجمالي يقدر بـ 6.5 مليارات درهم،

ثم صفقة توريد الفيول حيث حصلت شركات مرتبطة بـ أخنوش على صفقات لتزويد المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بالفيول، بقيمة 244 مليار سنتيم (2.44 مليار درهم). إن إسناد صفقات لشركات رئيس الحكومة لها ارتباط   بتضارب المصالح (conflict of interest) نظراً لكونه رئيساً للحكومة التي تشرف على هذه الصفقات. وهو ما كان يتطلب عزله ومحاكمته، لأنه ارتكب جريمة مالية لها ارتباط باستغلال النفوذ وتضارب المصالح والاغتناء غير المشروع.

3 – تبادل المصالح :

إنه في غياب المساءلة والمحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، قام بعض من وزراء حكومة أخنوش بتبادل مصالح على حساب مصلحة المواطن، وهي قضية، ما أصبح يعرف عنها لدى الرأي العام بـ « صفقة الأدوية »، التي أثارت جدلاً سياسياً واسعاً في أواخر عام 2025، إذ أقدم وزير الصحة والحماية الاجتماعية، بتفويت صفقات أدوية لشركة يملكها أو تربطها علاقة بوزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. إنه مظهر من مظاهر تضارب المصالح من جهة وتبادل المنافع من جهة ثانية، خاصة وأن وزير التعليم يعتبر رجل أعمال ولديه شركات في مجالات متعددة، منها الأدوية؛ هنا يبدو أن هذه الحكومة لا تهمها حقوق الناس ولا مساواة ولا عدالة اجتماعية ولا أخلاق سياسية، مما جعلها حكومة فتن بامتياز

4- مظاهر التدبير السيء للقطاعات الاجتماعية :

القطاعات الاجتماعية ظلت تعيش بين التدبير السيء وتبديد المال العام، لأن هذه

 الحكومة لم تعد  تهتم بهذه القطاعات ، بل تركته  ينهار و تتقاذفه الأيادي السيئة  في كل من التعليم والصحة و الثقافة و الإعلام  ، فالتعليم يعرف استمرار ضرب مقومات المدرسة العمومية باختيارات تتعارض والقيم التربوية و البيداغوجية، فبعد  التوظيف في هذا القطاع بالتعاقد، الذي كانت له انعكاسات سلبية على المسار المدرسي ، جاءت تجربة أصابت المدرسة العمومية في هويتها الوطنية، و هي تجربة « المدرسة الرائدة »  التي تأكد بأنها تجربة لن تزيد المدرسة العمومية إلا تراجعا لأسباب عدة  منها؛ تغييب حكمة التكوين الجيد لمدة كافية لتخرج أساتذة ، مربيين و مؤلفين و مبدعين تربويين، أي أساتذة مسلحين بأدوات ترپوية و بيداغوجية تساعدهم على تجاوز الإكراهات التي تواجه المدرسة العمومية من تراجع على مستوى القراءة و الحساب و العلوم و الإبداع الأدبي و الفني ، و سوف يكون المشروع الأكثر نجاعة و نفعا للمدرسة العمومية حتى تكون « المدرسة الوطنية الواعدة »، مدرسة تتفاعل فيها المعارف و المهارات و القدرات و الإبداع الأدبي والثقافي والاجتماعي والفني ، دون تكلفة تجربة « المدرسة الرائدة  » المستوردة  التي كانت مناسبة لتبديد المال العمومي دون نتائج تذكر. لقد أصبحت المدرسة العمومية يطغى عليها منطق « المقاولة » في حين أنها تحتاج إلى منظومة تربوية تستهدف التلميذ والتكوين الأساسي الجيد للأستاذ. و ما لجوء وزارة التربية الوطنية إلى إسناد تقييم « مدارس الريادة » إلى المرصد الوطني للتنمية البشرية، ما هو إلا من أجل تمرير صفقات بمليارات السنتيمات لمكاتب دراسات خاصة لتبييض عملية  بيداغوجية كبرى تُهدر فيها أزيد من 3.7 مليار سنتيم « لشراء حقيقة إحصائية منمقة »، بعد تهميش للهيئة الوطنية للتقييم، و المفتشين ؛ إنه إجراء تعسفي في حق المدرسة العمومية وفي حق الأستاذ والمفتش والآباء والأولياء؛ ان حكومة أخنوش تسعى الى تجريد المدرسة العمومية  من دورها الاجتماعي والعلمي  والأخلاقي ومن دورها في التربية على المواطنة والتربية على تخليق الحياة العامة ، حتى تنتج  نماذج من شباب متهور يعتمد على الغش وعلى ركوب المخاطر ، وهو سبيل لوأد الأخلاق والقيم الإنسانية في هذه البلاد، لتحل التفاهة و المظاهر المشينة .ويصدق علينا قول أمير الشعراء أحمد شوقي « إنما الأُمَمُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ فَإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخلاقُهُمْ ذَهَبُوا

أما القطاع الصحي، فإنه تحول إلى مجال للمتاجرة في صحة المواطنين والمواطنات، حتى تحول المريض إلى سلعة مربحة بالمصحات وأصبح المستشفى العمومي مقبرة للأحياء وثلاجة تبريد جثث الأموات، مما دفع المواطن إلى قصد باب الشعوذة التي انتشرت في كل أنحاء البلاد. فأين هي المراكز الصحية الاستشفائية عن قرب بالمدن والقرى وفي المناطق النائية حيث مواطنون يموتون ببطء؟ هل القوافل الطبية بالمناسبات هي الحل؟ أم هي وسيلة للهروب من المسؤولية الوطنية والإنسانية؟ أم هي حـيل للتخلص من قطاع الصحة ليصبح مجالا للاغتناء غير المشروع (كسب حرام)؟

5 – مظاهر تتنافى والقيم الإنسانية والأخلاقية بمباركة وزارة الثقافة و بتمويل حكومي، حتى أصبحت وجوه التفاهة هي الرابحة، وهي المؤثرة في المشهد السياسي و الإعلامي. بل هناك وزراء قاموا بتصريف هذا السلوك على مستوى عالي وساهموا في الفتنة وفي تمييع المشهد السياسي، منهم وزير (عكرو لي، و التقاشر) ووزير (بالزعط). إنها حكومة تزرع الفتن والبؤس واليأس لدى الشعب المغربي..

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *