افتتاحية: ازدواج المعايير – الداء الذي يعشعش في حزب التقدم والاشتراكية وغيره من التنظيمات.

افتتاحية: ازدواج المعايير – الداء الذي يعشعش في حزب التقدم والاشتراكية وغيره من التنظيمات.
شارك

بقلم، محمد خوخشاني.

ليطمئن عشاق التشويق: هذه الافتتاحية لن تقول شيئاً لا يعرفه، ولو بشكل غامض، كل مناضل سبق له أن دخل إلى أروقة أي حزب سياسي مغربي. ليس في الأمر سوى كشف لممارسة عادية جداً، بل مُبتذلة، لدرجة أن المرء لم يعد ينتبه إليها – وهذا هو الأخطر بالضبط. لأن الأمر يتعلق بتطبيع ما لا يطاق، وتآكل صامت لما يفترض أن يكون من المسلّمات.

مفارقة نبيل بنعبد الله، أو الاعتراف عبر المثال.

حالة نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، نموذجية – بل مدمرة. ها هو ذا، خلال الدورة الخامسة للجنة المركزية لحزبه في دجنبر 2024، يندد بشدة « بتضارب المصالح » و »مشكلة مزمنة للفساد » داخل حكومة أخنوش. وقد سلط خطاب زعيم حزب التقدم والاشتراكية الضوء على « اتهامات محددة بالمحسوبية والواسطة، حيث استفاد أشخاص مقربون من الدائرة الحكومية والحزب الأغلبية من معاملات تفضيلية »، بالإضافة إلى « تعيينات مثيرة للجدل في مناصب عليا تفتقر، حسب قوله، إلى معايير موضوعية وشفافة ».

هذا الخطاب، في مضمونه، لا يخلو من وجاهة. لكن المشكلة ليست هناك. المشكلة هي: كيف يمكن للرجل نفسه الذي يهاجم بحماسة « ازدواج المعايير » المفترض للأغلبية الحكومية، أن يطبق معياراً مختلفاً تماماً على حزبه ومساره الشخصي؟

لنعد إلى ذلك المسار. انضم بنعبد الله إلى حزب التقدم والاشتراكية سنة 1978 وهو طالب في باريس، ثم عاد إلى المغرب سنة 1988. بدون أي ولاية انتخابية محلية، بدون أي تجربة ميدانية كمناضل، بدون أن يرتقي درجات الوظيفة العمومية، بدون أن يكون قد نال أي تفويض شعبي – كما فُصِّل سابقاً – وجد نفسه يتولى قيادة منظمة الشبيبة الاشتراكية، ثم دخل اللجنة المركزية في نفس السنة، قبل أن يلتحق بالمكتب السياسي في سن 37 سنة (1995). الخلاصة واضحة: مساره « صاروخي »، وكان « تحت رعاية علي يعتة ». حزب عرف قامات سياسية – علي يعتة، عبد السلام بورقية، عبد الله العياشي – يرى شاباً يقفز على الدرجات التي قطعوها هم بصبر.

في حد ذاتها، لا تشكل الترقية السريعة جريمة. ما يثير التساؤل هو مبدأ الاستثناء ذاته. فقوانين حزب التقدم والاشتراكية – كقوانين أغلب التشكيلات السياسية – تعلن أهمية الديمقراطية الداخلية، والترقية على أساس الجدارة، والشفافية في تقلد المسؤوليات. لكن هل تنطبق هذه المبادئ على الجميع؟ للأسف، الجواب لا.

أشكال ازدواج المعايير.

تتخذ ممارسة ازدواج المعايير داخل حزب التقدم والاشتراكية – وغيره – عدة وجوه.

أولاً: التعامل التفاضلي مع المناضلين حسب انتماءاتهم العشائرية. حزب التقدم والاشتراكية، وريث الحزب الشيوعي المغربي، بني حول شخصيات تاريخية تم تهميش ورثتهم السياسيين تدريجياً لصالح جيل جديد جرى اختياره ليس بصناديق الاقتراع الداخلية، بل بالتعيين. وكما كتبت « جون أفريك »: « كان زمن كان فيه علي يعتة يشعل قاعة البرلمان بخطاباته ». لكن بعد رحيله سنة 1997، « ما انفك الحزب يفقد أهميته ». وهذا التراجع ليس غريباً عن تخبط المعايير: حين تفلت المناصب الرئيسية من مراقبة المناضلين لتصبح رهينة شبكات النفوذ، تتعطل الآلة.

ثانياً: ما يحل بالشخصيات التاريخية. بينما قاد شخصيات مثل علي يعتة وإسماعيل العلوي الحزب لعقود بعد أن عاشوا السرية والسجن والنضال – أي بعد أن دفعوا ثمن الدم والعرق – فإن الجيل الجديد يصل إلى القمم دون أن يعرف هذه المحن. ليست المسألة جيلية، بل مسألة شرعية. المفارقة قاسية: أولئك الذين قدموا كل شيء ليبقى الحزب موجوداً، يُقصون أحياناً لصالح وافدين ماهرين.

ثالثاً: المحسوبية التي ينددون بها لكن يمارسونها في صمت. عدة مرات، ندد حزب التقدم والاشتراكية « بإجراء خطير تنم فيه المحسوبية بشكل صارخ »، وهاجم ممارسات الأغلبية. لكن هذا الاستنكار الانتقائي – نندد لدى الآخرين بما نتسامح فيه في بيوتنا – هو بالضبط ما يقوض مصداقية المعارضة. هل طالب بنعبد الله نفسه، وهو يندد بالمحسوبية الحكومية، ولو مرة واحدة، بإجراء تدقيق داخلي حول ممارسات التعيين داخل حزبه؟

الأسباب العميقة لداء بنيوي.

لماذا تستمر هذه الممارسة؟ لأنها، للأسف، هيكلية.

أولاً، الثقافة السياسية المغربية لا تزال تفضل الولاء الشخصي على الكفاءة. المحسوبية ليست حالة شاذة: إنها، في كثير من الحالات، نمط التشغيل العادي. الأحزاب السياسية ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل هي غالباً ناقلاتها.

ثانياً، غياب عقوبات ذات مصداقية. في نظام تكون فيه هيئات الضبط الداخلي إما معدومة، وإما خاضعة لنفس الشبكات، فإن انتهاك المبادئ الديمقراطية لا يترتب عنه أي عواقب. يمكن للمرء أن ينتهك القوانين بحصانة كاملة، طالما بقي في كنف الأمين العام.

ثالثاً، الخلط بين مصلحة الحزب والمصلحة الشخصية. كثيرون، حالما يصلون إلى القمم، يخلطون بين مصيرهم الشخصي ومصير التشكيلة التي يديرونها. هذا التماهي المرضي يؤدي إلى تبرير كل الانتهاكات للقاعدة باسم « الاستقرار »، أو « الواقعية السياسية »، أو « ضرورة حفظ الوحدة ».

حين يكون الدواء أعتى من الداء.

المفارقة الأكثر مأساوية هي أن ممارسة ازدواج المعايير تنقلب على أصحابها في النهاية. الأحزاب التي تنغمس فيها تفقد مصداقيتها، وقدرتها على التعبئة، وجذورها الشعبية. المناضلون في القاعدة، الذين يدفعون اشتراكهم شهرياً ويناضلون في الظل، يصابون بالإحباط في النهاية. لماذا يستثمر المرء جهده وهو يعلم أن المناصب محسومة مسبقاً؟ لماذا يصدق وعود التجديد وقد رأى أن الوجوه نفسها تبقى في المناصب نفسها؟

حزب التقدم والاشتراكية، كغيره من التشكيلات حول العالم، يعيش أزمة معنى. هذه الأزمة ليست أيديولوجية فقط، بل هي أيضاً، وربما قبل كل شيء، أخلاقية. لأن حزباً لا يحترم قواعده الخاصة، ويطبق معايير مختلفة حسب الأشخاص، لم يعد لديه الكثير ليعلمه للمجتمع الذي يدعي إصلاحه.

الخلاصة: ضرورة ثورة داخلية.

لن يأتي الحل من الخارج. ولن يأتي من التصريحات الكبرى أو الإصلاحات التجميلية. الحل لا يمكن أن يأتي إلا من قرار جذري: معاملة كل المناضلين – من العادي إلى الأمين العام – وفق نفس القواعد. وهذا يفترض قوانين ملزمة، وآليات رقابة مستقلة، وفوق كل شيء، إرادة سياسية لا تلين.

لأن هناك حقيقة تخفيها الأجهزة الحزبية: حزب لا يطبق الديمقراطية داخله ليس له أي شرعية ليطلبها للمجتمع. لا يمكنك بيد أن تندد بمحسوبية الحكومة، وباليد الأخرى أن تغض الطرف عن ممارساتك الخاصة.

كاتب هذه الافتتاحية لا يسعه إلا أن يلاحظ، بحزن معين، أن الطريق لا يزال طويلاً. لكن الملاحظة ليست قدراً. ربما تكون الخطوة الأولى نحو وعي. نأمل ألا يتأخر كثيراً.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *