من المدينة إلى « الهركاوة »: قراءة سوسيولوجية في تحولات المجال الحضري المغربي

من المدينة إلى « الهركاوة »: قراءة سوسيولوجية في تحولات المجال الحضري المغربي
شارك

محمد السميري:

حين يجلس كبار السن في المقاهي أو في الساحات العمومية ويتحدثون عن مدنهم، كثيرا ما تتكرر عبارة تكاد تكون واحدة في مختلف المدن المغربية: « المدينة لم تعد كما كانت »، أو « تحولت من مدينة حضارية إلى مدينة فوضوية ». ويكفي أن نستبدل اسم القنيطرة بطنجة أو فاس أو الدار البيضاء أو مراكش حتى نجد الخطاب نفسه يتكرر بألفاظ مختلفة. وهذا يدفعنا إلى التساؤل: هل يتعلق الأمر فعلا بانهيار المدينة وتحولها إلى فضاء للفوضى؟ أم أننا أمام تحول اجتماعي عميق يجعل الأجيال المختلفة تنظر إلى المدينة بعيون متباينة؟

في الواقع، لا يمكن فهم هذه الظاهرة بالحنين إلى الماضي وحده، ولا بإدانة الحاضر فقط، بل من خلال تحليل تاريخي وسوسيولوجي لمسار التحولات التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة.

المدينة القديمة: فضاء محدود ومتجانس نسبيا

عندما يتحدث الناس عن « القنيطرة القديمة » أو « المدينة الحضارية »، فهم لا يتحدثون فقط عن الشوارع أو البنايات، بل عن نمط اجتماعي كامل كان سائدا.

خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي كانت معظم المدن المغربية أصغر حجما وأكثر تجانسا. كانت الروابط الاجتماعية قوية، وعدد السكان محدودا، وكانت الأسرة الممتدة والجيران والمؤسسات التقليدية تمارس نوعا من الرقابة الاجتماعية غير الرسمية.

كان الفرد يعيش داخل شبكة من العلاقات تجعل سلوكه مراقبا باستمرار. الجميع يعرف الجميع تقريبا. وكانت سمعة الأسرة ورأي الجيران عناصر مؤثرة في ضبط السلوك.

هذا ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم بـ »التضامن الآلي »، حيث تقوم الوحدة الاجتماعية على التشابه والقيم المشتركة أكثر مما تقوم على القوانين والمؤسسات.

لكن هذه الصورة لم تكن مثالية تماما كما يتخيلها البعض. فقد كانت المدن تعاني أيضا من الفقر والأمية والهشاشة الاقتصادية، غير أن محدودية السكان كانت تجعل الاختلالات أقل ظهورا للعيان.

الانفجار الديموغرافي والهجرة القروية

من أهم أسباب التحول الذي عرفته القنيطرة وغيرها من المدن المغربية الهجرة القروية المكثفة.

فمنذ سبعينيات القرن الماضي بدأ المغرب يعرف انتقالا سكانيا ضخما من القرى إلى المدن بسبب:

•      الجفاف المتكرر.

•      تراجع مردودية الفلاحة.

•      البحث عن العمل والخدمات.

•      تركيز الاستثمارات في المراكز الحضرية.

القنيطرة تمثل نموذجا واضحا لهذا التحول. فقد كانت مدينة متوسطة الحجم مرتبطة بالميناء والنشاط الفلاحي والعسكري، ثم تحولت تدريجيا إلى قطب اقتصادي وصناعي استقطب آلاف الأسر القادمة من مناطق مختلفة.

ومع هذا التدفق السكاني السريع أصبحت المدينة تنمو بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات على التنظيم والتأطير.

هنا يظهر ما يسميه علماء الاجتماع « الفارق بين النمو العمراني والنمو الحضاري ». فالمدينة قد تتوسع عمرانيا دون أن تتوسع ثقافة المواطنة والتنظيم بنفس السرعة.

من المجتمع المحلي إلى المجتمع المجهول

في الماضي كان الانتماء إلى الحي يشكل جزءا أساسيا من هوية الفرد.

أما اليوم فقد أصبحت المدن الكبرى والمتوسطة فضاءات يعيش فيها أشخاص قادمون من خلفيات ثقافية واجتماعية متنوعة.

هذه الظاهرة ليست مغربية فقط، بل رافقت التحضر في جميع أنحاء العالم.

وقد وصف عالم الاجتماع الألماني جورج زيمل المدينة الحديثة باعتبارها فضاء للعلاقات السريعة والعابرة، حيث تتراجع الروابط الشخصية العميقة لصالح علاقات أكثر برودة ووظيفية.

حين يشتكي الناس من « قلة الاحترام » أو « غياب روح الجيرة »، فهم في الواقع يعبرون عن انتقال المجتمع من نمط العلاقات التقليدية إلى نمط العلاقات الحديثة.

صعود الفردانية وتراجع السلطة التقليدية

جزء كبير من الشعور بالفوضى مرتبط أيضا بتغير الأجيال.

فالأسرة والمدرسة والمسجد والأحزاب والنقابات كانت سابقا تلعب دورا مركزيا في التنشئة الاجتماعية.

لكن منذ التسعينيات أصبحت وسائل الإعلام ثم الإنترنت ثم شبكات التواصل الاجتماعي منافسا أساسيا لهذه المؤسسات.

لم يعد الأب أو المعلم أو الشيخ المصدر الوحيد للمعرفة والقيم.

أصبح الفرد يبني هويته من مصادر متعددة ومتناقضة أحيانا.

هذا التحول أنتج مساحة أكبر من الحرية الفردية، لكنه خلق أيضا نوعا من الارتباك القيمي.

وقد وصف زيغمونت باومان هذه الحالة بمفهوم « الحداثة السائلة »، حيث تصبح القواعد والهويات والعلاقات أقل استقرارا وأكثر قابلية للتغير.

الأزمة ليست عمرانية فقط بل مؤسساتية

حين يتحدث المواطن عن الفوضى فإنه غالبا لا يقصد الناس وحدهم.

إنه يتحدث أيضا عن:

•      ضعف النقل العمومي.

•      الاكتظاظ.

•      احتلال الملك العمومي.

•      تراجع جودة الفضاءات الخضراء.

•      مشاكل النظافة.

•      الضغط على الخدمات الصحية والتعليمية.

بمعنى آخر، الإحساس بالفوضى هو في جزء كبير منه إحساس بضعف قدرة المؤسسات على مواكبة التحولات السريعة.

فالمدينة الحديثة تحتاج إلى إدارة حديثة، وتخطيط استباقي، ومشاركة مواطنية فعالة.

وحين يكون النمو السكاني أسرع من التخطيط يظهر الانطباع بأن المدينة خرجت عن السيطرة.

وسائل التواصل وصناعة صورة الانهيار

هناك عامل جديد لم يكن موجودا في الماضي.

اليوم يحمل كل مواطن كاميرا في هاتفه.

أي حادثة أو مشاجرة أو سلوك غير منضبط يمكن أن تنتشر خلال دقائق على مواقع التواصل.

نتيجة لذلك أصبح الناس يشاهدون يوميا عشرات المشاهد السلبية التي كانت في السابق محصورة في نطاق ضيق.

وهذا يخلق انطباعا بأن الفوضى أصبحت عامة وشاملة، حتى لو كانت بعض المؤشرات الاجتماعية قد تحسنت مقارنة بالماضي.

فالذاكرة الإنسانية تميل إلى تذكر الجوانب الجميلة من الماضي ونسيان جوانبه السلبية، بينما تركز على الجوانب السلبية في الحاضر لأنها أكثر حضورا أمام العين.

هل فقدت المدينة هويتها؟

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت القنيطرة أو غيرها من المدن أصبحت « هركاوية »، بل كيف يمكن لمدينة تتوسع بسرعة أن تحافظ على روحها المشتركة.

فالمدينة ليست مجرد بنايات وشوارع.

إنها ثقافة مشتركة وإحساس بالانتماء.

وعندما يشعر السكان بأن المجال العمومي لم يعد يمثلهم، أو أن الروابط الاجتماعية أصبحت أضعف، يظهر خطاب الحنين إلى الماضي باعتباره تعبيرا عن فقدان المعنى أكثر من كونه وصفا دقيقا للواقع.

خاتمة

إن التحول الذي عرفته القنيطرة وغيرها من المدن المغربية ليس نتيجة انحطاط أخلاقي مفاجئ كما يعتقد البعض، بل هو نتاج مسار تاريخي طويل شمل الهجرة القروية، والانفجار الديموغرافي، والعولمة، وصعود الفردانية، وتراجع أشكال الضبط الاجتماعي التقليدية، وعجز المؤسسات أحيانا عن مواكبة التحولات المتسارعة.

لذلك فإن عبارة « كانت المدينة حضارية وأصبحت فوضوية » تحمل جزءا من الحقيقة، لكنها تخفي حقيقة أعمق: نحن لا نشهد فقط تغير المدينة، بل نشهد انتقال المجتمع المغربي نفسه من عالم تقليدي متجانس نسبيا إلى عالم حضري معقد ومتعدد ومفتوح على تحولات اقتصادية وثقافية غير مسبوقة.

المراجع:

•      إميل دوركايم، تقسيم العمل الاجتماعي.

•      ماكس فيبر، المدينة.

•      جورج زيمل، المدينة والحياة الذهنية.

•      زيغمونت باومان، الحداثة السائلة.

•      عبد الكبير الخطيبي، دراسات حول المجتمع المغربي والتحولات الثقافية.

•      محمد عابد الجابري، المسألة الثقافية وكتابات حول التحولات الاجتماعية والثقافية في المغرب.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *