تشوّهات الحياة السياسية في المغرب…

تشوّهات الحياة السياسية في المغرب…
شارك

محمد إسماعيلي

الجز الثالث : المعارضة بين ضغوط النسق وأزمة الذات…من الكتلة الديمقراطية إلى سؤال الكتلة التاريخية.

إذا كان من الإنصاف أن تُوجَّه مساءلة نقدية إلى السلطة بوصفها الفاعل الأبرز في تشكيل المجال السياسي، فإن الإنصاف نفسه يقتضي أن تمتد هذه المساءلة إلى القوى التي حملت، عبر مراحل مختلفة، مشروع الإصلاح والتغيير. فالحياة السياسية لا تُختزل في الدولة وحدها، كما أن أعطابها لا يمكن تفسيرها بإرادة السلطة وحدها. ذلك أن المعارضة، مهما بلغت مشروعية مطالبها، تظل جزءاً من الحقل السياسي، تتأثر بقواعده كما تؤثر فيه، وتحمل، بدرجات متفاوتة، آثار البيئة التي تشكلت داخلها.

ومن هنا، فإن تحليل استمرار النسق السياسي يقتضي، بالقدر نفسه، تحليل أسباب تعثر القوى التي سعت إلى تغييره؛ إذ لا يمكن فهم أحد المسارين بمعزل عن الآخر، لأن كليهما نتاج التوازنات نفسها وآليات اشتغال المجال السياسي. فلو كان اختلال ميزان القوى وحده كافياً لتفسير تعثر مشاريع الإصلاح، لما شهد التاريخ تجارب انتقال ديمقراطي استطاعت فيها قوى متباينة أن تحول الصراع إلى تعاقد سياسي جديد. فقد نجحت إسبانيا، بعد نهاية حكم فرانكو، في بناء توافق تاريخي بين مكونات كانت متخاصمة لعقود، كما استطاعت جنوب إفريقيا أن تنتقل من نظام الفصل العنصري إلى دولة ديمقراطية بفضل قدرة مختلف الفاعلين على تغليب منطق التسوية التاريخية على منطق المغالبة. أما حين يتكرر التعثر، فإن التحليل لا يعود مطالباً فقط بتفسير اختلال موازين القوى، وإنما يصبح مدعواً أيضاً إلى مساءلة الثقافة السياسية، وقدرة النخب على إنتاج التوافقات الضرورية لبناء البدائل.

ولا يعني ذلك أن التجارب قابلة للاستنساخ، فلكل مجتمع خصوصياته التاريخية والمؤسساتية. ومع ذلك، تكشف هذه التجارب جميعها حقيقة واحدة: أن الانتقال الديمقراطي ازدهر كلما نضجت الثقافة السياسية، وأصبح التوافق ركيزةً للإصلاح، مع التمسك بالمبادئ بوصفها البوصلة التي تهدي مساره.ف

لقد تركت عقود طويلة من الصراع والاحتواء والتضييق آثاراً عميقة في بنية المعارضة المغربية. فالسلطوية لا يقتصر أثرها على إضعاف القوى المعارضة من الناحية التنظيمية، بل تمتد إلى الوعي السياسي نفسه، فتعيد تشكيل أنماط التفكير، وطبيعة العلاقات بين الفاعلين، والصورة التي ينظر المجتمع من خلالها إلى السياسة. لذلك ليس مستغرباً أن تحمل بعض مكونات المعارضة، وهي تقاوم منطق الهيمنة، شيئاً من آثاره في ممارساتها الداخلية؛ إذ كثيراً ما يُعاد إنتاج منطق الإقصاء داخل الفضاء المعارض، كما يُعاد إنتاج الشك، والحذر، وصعوبة بناء الثقة، وهي كلها أعراض لبيئة سياسية لم تسمح طويلاً بتراكم ثقافة التعاون.

ولعل هذا ما يفسر أن الاختلافات الفكرية، التي كان يمكن أن تكون مصدر غنى، تحولت في أحيان كثيرة إلى حدود فاصلة بين القوى المطالبة بالإصلاح. فقد بقيت مرجعيات إيديولوجية عديدة أسيرة معارك الأمس، بينما كانت تحولات المجتمع تفرض أسئلة جديدة تتجاوز ثنائيات اليسار واليمين، والإسلاميين والعلمانيين، والوطنيين والراديكاليين. ومع غياب إطار جامع لإدارة هذا التنوع، أصبح كل تيار يميل إلى الدفاع عن خصوصيته أكثر من انشغاله ببناء المشترك، فتحول التعدد من طاقة يمكن أن تثري المشروع الديمقراطي إلى عنصر من عناصر إضعافه.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة الكتلة الديمقراطية باعتبارها إحدى أهم المحطات في التاريخ السياسي المغربي الحديث. فقد جاء تأسيسها سنة 1992 استجابة لإدراك متزايد بأن موازين القوى القائمة لا يمكن تعديلها إلا من خلال تنسيق واسع بين القوى الوطنية الديمقراطية. وضمت آنذاك أحزاباً شكلت، لعقود، العمود الفقري للمعارضة الوطنية، وفي مقدمتها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب الاستقلال، وحزب التقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وقد مثّل هذا التقارب لحظة سياسية ذات دلالة عميقة، لأنه نقل المعارضة من منطق التنافس الحزبي إلى منطق العمل المشترك حول مطالب الإصلاح الدستوري والسياسي، وأسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تهيئة المناخ الذي قاد لاحقاً إلى تجربة التناوب التوافقي.

ولعل إحدى اللحظات التي كشفت حدود هذا المسار كانت تلك التي أعقبت انتخابات سنة 2002. فقد تصدر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نتائج الاقتراع، غير أن تعيين السيد إدريس جطو وزيراً أول، بدلاً من الكاتب الأول للحزب الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي، فتح نقاشاً سياسياً واسعاً حول ما عُرف آنذاك بقضية « المنهجية الديمقراطية »، أي مدى ارتباط تشكيل الحكومة بإرادة الناخبين وبنتائج الاقتراع.

وقد اختار عبد الرحمن اليوسفي أن يعبر عن موقفه بأسلوب اتسم بالهدوء والمسؤولية، بعيداً عن التصعيد، ثم انسحب من الحياة الحزبية، تاركاً محاضرته الشهيرة في بروكسيل سنة 2003 وثيقة سياسية وفكرية تؤرخ لتقييمه لتجربة التناوب، ولما اعتبره تعثراً في مسار ترسيخ المنهجية الديمقراطية. ولم يكن ذلك الحدث مجرد خلاف حول تشكيل حكومة، بقدر ما كان مؤشراً على دخول تجربة الكتلة الديمقراطية مرحلة جديدة، بدأت خلالها الأسئلة تتزايد حول حدود الإصلاح من داخل المؤسسات، وحول قدرة التحالفات الحزبية وحدها على إحداث التحول المنشود إذا لم تواكبها إصلاحات أعمق في قواعد اشتغال النسق السياسي.

غير أن أهمية هذه التجربة، بكل ما حملته من آمال وما أثارته من نقاشات، لا ينبغي أن تحجب السؤال الذي يفرض نفسه بعد أكثر من ثلاثة عقود: ماذا بقي اليوم من الكتلة الديمقراطية؟…

إن مجرد طرح هذا السؤال يكشف أن التجربة، على أهميتها التاريخية، لم تستطع أن تتحول إلى مشروع استراتيجي دائم. فقد تغيرت السياقات، ودخلت بعض مكوناتها إلى دوائر تدبير السلطة، وتباينت أولويات الفاعلين، وعادت الحسابات الحزبية لتتقدم على الرؤية المشتركة. وهكذا أخذت الروابط التي جمعت مكونات الكتلة تتآكل تدريجياً، حتى فقدت قدرتها على أداء الدور الذي أنشئت من أجله، وغابت عن المشهد بوصفها إطاراً سياسياً موحداً، بينما بقيت ذكراها حاضرة باعتبارها إحدى اللحظات المضيئة في تاريخ المعارضة المغربية.

غير أن تفسير هذا التعثر لا يجوز أن يقتصر على تغير الظروف السياسية وحدها، لأن التحالفات العابرة كثيراً ما تنتهي بانتهاء شروطها. أما المشاريع التاريخية، فإنها تستمد قدرتها على الاستمرار من عمق الأسس الفكرية والثقافية التي تقوم عليها. ومن هنا يصبح من المشروع التساؤل: هل كانت الكتلة الديمقراطية مشروعاً استراتيجياً لإعادة بناء المجال السياسي، أم أنها كانت، في جوهرها، تحالفاً مرحلياً فرضته ضرورات لحظة سياسية بعينها؟

يفتح هذا السؤال الباب أمام أفق يتجاوز تجربة الكتلة الديمقراطية، حيث يبرز مفهوم « الكتلة التاريخية » الذي صاغه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، وأعاد المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري قراءته وصياغته بما ينسجم مع إشكالات الفكر العربي المعاصر. فقد أدرك الجابري أن المجتمعات العربية، بما تعانيه من تشوهات بنيوية في الدولة والمجتمع والثقافة، لا يمكن أن تقود تحولها التاريخي طبقة واحدة، أو حزب واحد، أو تيار إيديولوجي منفرد، وإنما تحتاج إلى كتلة مجتمعية واسعة تضم مختلف القوى الوطنية الحية، على اختلاف مرجعياتها، تتوافق حول مشروع نهضوي جامع، وتتجاوز منطق الاستقطاب الإيديولوجي إلى منطق التوافق التاريخي.

ومن هذا المنظور، يعتبر مفهوم الكتلة التاريخية بوصفه مشروعاً يتجاوز منطق التحالفات السياسية الظرفية والتنسيقات الانتخابية، ليؤسس لرؤية استراتيجية تستهدف إعادة بناء المجال العمومي على قاعدة الشراكة الوطنية. فجوهر الكتلة التاريخية يقوم على إيجاد قواسم وطنية جامعة، تسمح بتلاقي الإرادات المختلفة حول أهداف استراتيجية مشتركة، مع احتفاظ كل طرف بمرجعيته الفكرية واستقلاله التنظيمي. لذلك تتأسس هذه الكتلة على وحدة المشروع في القضايا الكبرى، دون أن تقتضي توحيد الانتماءات؛ وفي مقدمة تلك القضايا ترسيخ دولة القانون، وتعزيز الديمقراطية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وصيانة الاستقلال الوطني، وتوسيع المشاركة الشعبية في صناعة القرار.

وعلى هذا الأساس، تبدو المسافة واضحة بين الكتلة الديمقراطية باعتبارها تجربة سياسية ارتبطت بمرحلة تاريخية محددة، وبين الكتلة التاريخية باعتبارها مشروعاً مجتمعياً طويل النفس. فالأولى كانت تحالفاً بين أحزاب سياسية فرضته شروط مرحلة معينة، أما الثانية فهي تعاقد تاريخي بين مختلف القوى الحية في المجتمع، يستمد استمراره من وحدة المقصد لا من وحدة التنظيم، ومن الاتفاق على القواعد المؤسسة للدولة الديمقراطية لا من التطابق الإيديولوجي. ولذلك فإن القيمة الحقيقية لمفهوم الكتلة التاريخية لا تكمن في استعادة تحالفات الماضي، وإنما في قدرته على إلهام صيغ جديدة للتعاون الوطني، تستجيب لتحولات المجتمع المغربي، وتفتح أفقاً لإصلاح يقوم على التوافق لا على الإقصاء، وعلى الشراكة لا على المغالبة.

هل يحتاج المغرب اليوم إلى كتلة تاريخية جديدة؟

إذا كانت تجربة الكتلة الديمقراطية قد كشفت أن التقارب بين القوى الوطنية ممكن عندما تفرضه ضرورات المرحلة، فإن التحولات التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة تطرح سؤالاً مختلفاً: هل ما تزال شروط العمل السياسي اليوم تسمح بإعادة إنتاج التجربة نفسها، أم أن المرحلة الجديدة تقتضي تصوراً مغايراً، أوسع أفقاً وأعمق مضموناً؟

الراجح أن التاريخ لا يعيد نفسه، وأن المجتمعات لا تعود إلى الوراء لتستنسخ تجاربها السابقة. فالمغرب الذي عرف ميلاد الكتلة الديمقراطية في بداية تسعينيات القرن الماضي لم يعد هو المغرب نفسه بعد دستور 2011، وبعد التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي مست بنيته العميقة، كما أن الأحزاب التي صنعت تلك التجربة لم تعد تحتل المواقع نفسها داخل المجتمع، ولا تضطلع بالدور نفسه في التأطير والتعبئة وصناعة المبادرة. ولهذا فإن استحضار تلك التجربة ينبغي أن يكون استحضاراً للعبرة، لا محاولة لاستنساخ الصورة.

لقد كشفت التحولات التي عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين أن الأزمة تجاوزت حدود الأحزاب السياسية لتشمل مجمل الوسائط التي كانت تؤدي وظيفة التأطير والتمثيل. فالنقابات فقدت جزءاً مهماً من قدرتها التعبوية، والجمعيات المدنية تعيش درجات متفاوتة من التشتت، كما تراجع الدور التاريخي للجامعة بوصفها فضاءً لإنتاج النخب وصياغة الأفكار. فقد كانت الجامعة المغربية، خلال مراحل طويلة، مدرسة للتكوين السياسي والفكري، ولعب الاتحاد الوطني لطلبة المغرب دوراً بارزاً في تأطير أجيال من الطلبة، وإشاعة ثقافة النقاش العمومي، وتخريج عدد كبير من القيادات السياسية والنقابية والحقوقية التي طبعت الحياة العامة لعقود. غير أن تراجع هذا الدور، بفعل عوامل متعددة، أفقد المجال العمومي إحدى أهم مؤسساته الوسيطة في صناعة النخب وتداول الأفكار. ولعل الجامع بين هذه التحولات جميعها هو ما يمكن تسميته بأزمة الوسائط السياسية والاجتماعية. فالسياسة في المجتمعات الحديثة لا تقوم على العلاقة المباشرة بين الدولة والمجتمع، وإنما تنهض على شبكة من المؤسسات الوسيطة التي تتولى التأطير، والتمثيل، والتعبئة، وصياغة المطالب، وتحويلها إلى برامج وسياسات عمومية. وحين تضعف هذه الوسائط، أو تفقد استقلاليتها ومصداقيتها، تتجه المطالب الاجتماعية إلى البحث عن قنوات أخرى للتعبير، تكون غالباً أقل استقراراً وأكثر عرضة للتوتر. ومن ثم، فإن ما عرفه المغرب خلال السنوات الأخيرة لا يعكس تراجع الاهتمام بالشأن العام، بقدر ما يكشف عن أزمة عميقة في المؤسسات التي كانت تؤدي وظيفة الوساطة بين الدولة والمجتمع

وفي المقابل، أخذت تتشكل أنماط جديدة من الفعل العمومي خارج الأطر التقليدية، كان أبرز تجلياتها الحضور القوي لشباب حركة 20 فبراير، ثم التعبيرات الاحتجاجية التي عرفها حراك الريف وحراك جرادة، وغيرها من المبادرات المدنية التي نشأت خارج البنيات الحزبية الكلاسيكية. كما برز جيل جديد، هو جيل الشباب الرقمي (جيل Z)، وجد في الفضاءات الرقمية مجالاً للتعبير والتأثير وصناعة الرأي العام، أكثر مما وجده داخل المؤسسات الحزبية والنقابية التقليدية. ولا تعني هذه التحولات عزوف الشباب عن الشأن العام، بقدر ما تكشف عن انتقاله إلى أشكال جديدة من المشاركة، تختلف في أدواتها وآلياتها عن تلك التي عرفتها الأجيال السابقة، وهو ما يفرض إعادة التفكير في مفهوم الوساطة السياسية ذاته، وفي قدرة المؤسسات القائمة على استيعاب التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي.

ولذلك فإن الكتلة التاريخية، إذا كان لها أن ترى النور في المغرب، لا يمكن أن تقتصر على الأحزاب السياسية، مهما بلغت أهميتها، لأن المجتمع أصبح أكثر تنوعاً وتعقيداً من أن تختصره التنظيمات الحزبية وحدها. إنها تقتضي انخراط مختلف القوى الحية؛ من نقابات، وهيئات حقوقية، وجمعيات مدنية، وفعاليات ثقافية، ونخب أكاديمية، ومبادرات شبابية، وكل الفاعلين المؤمنين بأن الإصلاح الديمقراطي ليس مشروع فئة بعينها، بل مشروع مجتمع بأسره.

غير أن مثل هذا المشروع لا يمكن أن يقوم على مجرد تجميع القوى المختلفة داخل إطار واحد، لأن التجميع في ذاته لا يصنع وحدة، كما أن التعدد لا يتحول تلقائياً إلى قوة. فالشرط الأول لأي كتلة تاريخية هو بناء الثقة، والثقة لا تولد من البيانات المشتركة، ولا من اللقاءات الموسمية، وإنما تنشأ من ثقافة سياسية جديدة، تعترف بشرعية الاختلاف، وتفصل بين التنافس حول البرامج، والتعاون حول المبادئ المؤسسة للدولة الديمقراطية.

ولعل أكبر ما تحتاج إليه النخب السياسية والفكرية اليوم هو الانتقال من منطق امتلاك الحقيقة إلى منطق البحث عنها بصورة جماعية. فكل تجربة إصلاحية كبرى في التاريخ نجحت لأنها استطاعت أن تجعل من التعدد رصيداً وطنياً، لا سبباً دائماً للتنازع. أما حين تتحول المرجعيات الفكرية إلى هويات مغلقة، فإنها تفقد قدرتها على الإسهام في بناء المستقبل، وتتحول إلى جدران تعزل أصحابها أكثر مما تحميهم.

ولا يتعلق الأمر هنا بإلغاء التمايزات الفكرية أو الدعوة إلى ذوبان الجميع في مشروع واحد، فذلك يتعارض مع جوهر الديمقراطية نفسها. المقصود هو الاتفاق على الحد الأدنى الذي يجعل الاختلاف ممكناً، ويضمن استمرار التنافس داخل فضاء سياسي مشترك تحكمه قواعد واضحة، وتحتكم إليه جميع الأطراف على قدم المساواة. فالديمقراطية لا تُبنى بتوحيد الأفكار، وإنما ببناء المؤسسات التي تنظم اختلاف الأفكار.

ولذلك، يغدو السؤال الجوهري: كيف نبني ثقافة ديمقراطية تجعل قيام أي كتلة وطنية أمراً ممكناً ومستداماً؟ أما مسألة القيادة، فتظل نتيجة طبيعية عندما تنضج شروط المشروع.

فالمشروعات التاريخية تنضج حين تتحول الأفكار إلى وعي جماعي، وحين تلتقي الإرادات المجتمعية حول أفق مشترك يتجاوز الخلافات الظرفية. عندئذٍ يبرز دور الزعماء بوصفهم معبّرين عن هذا الوعي وقادرين على توجيهه، لا باعتبارهم صُنّاع التاريخ وحدهم.

إن التحدي الذي يواجه المغرب اليوم يتمثل في إعادة بناء المجال السياسي على أسس جديدة؛ فهناك يكمن مفتاح الإصلاح الحقيقي. أما إعادة ترتيب المواقع، فلن تتجاوز إعادة توزيع الأدوار ما لم تتغير القواعد التي تحكم المجال السياسي. لذلك تقتضي المرحلة استعادة السياسة بوصفها فضاءً للتعاقد والإنتاج، وقوةً موجهة للتحول المجتمعي. وعندما تنضج هذه الشروط، تنبثق الكتلة التاريخية الوطنية بوصفها حصيلة تراكم طويل في الوعي والثقة والعمل المشترك، لا ثمرة قرار تنظيمي أو تفاهم ظرفي بين قيادات حزبية.

وهنا يكتمل السؤال الذي انطلق منه هذا الفصل: فإذا كانت تشوهات النسق السياسي قد أعادت إنتاج كثير من أعطابه داخل السلطة والمعارضة معاً، فإن تجاوز هذه التشوهات لن يتحقق بمجرد تبديل المواقع أو تداول الوجوه، وإنما يقتضي إعادة تأسيس المجال السياسي كله على قواعد جديدة، يكون فيها التعاقد بديلاً عن الاحتواء، والثقة بديلاً عن الارتياب، والشراكة بديلاً عن الاصطفاف العقيم.

ومن هنا يبدأ السؤال التالي، وهو السؤال الذي يقودنا إلى الفصل الأخير من هذه الدراسة:

إذا كان التشخيص قد كشف مواطن الخلل، وإذا كان التاريخ قد قدم دروسه، فما الشروط التي يمكن أن تستعيد بها السياسة معناها النبيل، وتتحول من مجال لإدارة الأزمة إلى أفق لبناء الإصلاح؟

هنا يتحول المستقبل من فكرة مؤجلة إلى مشروع قابل للتحقق، متى وجدت الإرادة، وتوافقت حوله الدولة والمجتمع، والقوى السياسية الحية، في إطار رؤية وطنية مشتركة.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *