الوعود الاجتماعية في البرامج الانتخابية وموقع الطبقة العاملة في سؤال التنمية الموعودة

الوعود الاجتماعية في البرامج الانتخابية وموقع الطبقة العاملة في سؤال التنمية الموعودة
شارك

ع جلال بالمامي

فاعل نقابي

تجري الانتخابات التشريعية الوطنية لـ 23 شتنبر 2026 في ظرف اجتماعي يجعل من الصعب التعامل مع المسألة الاجتماعية باعتبارها مجرد جزء من البرامج الانتخابية ، أو مجموعة من الوعود التي تضاف إلى الوعود الاقتصادية والسياسية، فالمجتمع يعيش تحولات وضغوطا متراكمة، وسوق الشغل يعرف توسعا في أشكال الهشاشة وعدم الاستقرار، والقدرة الشرائية ما تزال تحت ضغط كلفة المعيشة، بينما أصبحت قضايا الصحة والتعليم والسكن والنقل والحماية الاجتماعية مرتبطة بشكل مباشر بالحياة اليومية للأسر، لذلك فإن قراءة البرامج الانتخابية من زاوية اجتماعية لا ينبغي أن تتوقف عند ما إذا كانت هذه القضايا حاضرة فيها أم غائبة، لأن حضورها أصبح أمرا بديهيا، وإنما عند طبيعة الحلول المقترحة، وما إذا كانت تعكس رؤية متماسكة للمجتمع ولعالم الشغل ولتوزيع الثروة، أم أنها تكتفي بتدبير نتائج اختلالات اجتماعية أعمق من دون الاقتراب من أسبابها،

فحين نتحدث عن التشغيل مثلا، لا يكفي أن نعرف عدد مناصب الشغل التي يعد بها هذا البرنامج أو ذاك، لأن السؤال الحقيقي يتعلق بنوعية هذه المناصب وبمستوى الأجر والاستقرار والحماية التي توفرها، لا معنى لخلق فرص شغل جديدة إذا كان جزء منها يقوم على العقود الهشة أو العمل المؤقت أو المناولة المتسيبة، أو يضع العامل في وضعية دائمة من عدم اليقين، فالعامل لا يحتاج فقط إلى فرصة للعمل، وإنما يحتاج إلى عمل يحفظ كرامته ويضمن له دخلا مستقرا وحقوقا واضحة وإمكانية بناء حياته على أساس من الاستقرار و الأمان، ولهذا فإن قضية الشغل لا يمكن فصلها عن قضية الأجور، حيث لا يمكن الحديث عن تحسين القدرة الشرائية بمعزل عن واقع الأجراء الذين يعتمدون في حياتهم اليومية على دخلهم من العمل، فارتفاع الأسعار لا يقاس فقط بالأرقام الاقتصادية العامة المجردة، بل بما يبقى في جيب الأسرة بعد أداء كلفة السكن والنقل والغذاء والعلاج والتعليم، وبمدى قدرة الأجر على مواكبة هذه الكلفة، ومن هنا يصبح تحسين الأجور والدفاع عن القدرة الشرائية جزءا من صميم السياسة الاقتصادية، وليس مجرد مطلب اجتماعي منفصل عنها.

لكن الأجر وحده لا يفسر كل شيء، فخلف النقاش حول القدرة الشرائية توجد مسألة أعمق تتعلق بكيفية توزيع الثروة والنتائج التي يحققها النمو الاقتصادي. عندما يرتفع الناتج والاستثمار والإنتاجية، يصبح من المشروع أن يسأل العامل ماذا تغير في وضعه؟ وهل انعكس هذا التحسن على أجره وظروف عمله، أم أن جزءا كبيرا من ثماره ذهب في اتجاه آخر؟ لذلك فإن الحديث عن التنمية لا يستقيم إذا ظل منفصلا عن العدالة في توزيع ثمارها، كما أن الدولة الاجتماعية لا يمكن أن تختزل في تقديم المساعدات أو توسيع برامج الدعم، لأن جزءا أساسيا من وظيفتها يتمثل في ضمان توزيع أكثر إنصافا للدخل والثروة، وفي توفير خدمات عمومية جيدة، وفي حماية من يوجد في موقع أضعف داخل سوق الشغل،

وهذا يقود بشكل طبيعي إلى علاقة الشغل نفسها، وهي مسألة غالبا ما تحضر في الخطاب الانتخابي بأقل مما تستحقه من اهتمام. فالعامل ليس طرفا متساويا دائما في مواجهة رب العمل، خصوصا عندما يكون مهددا بفقدان عمله أو عندما يكون مرتبطا بعقد مؤقت أو يشتغل في ظروف لا تتيح له الاستقرار. لذلك فإن الحريات النقابية والحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية واحترام الاتفاقات المهنية ليست تفاصيل تقنية تهم فئة محدودة من الأجراء، بل هي جزء من التوازن الاجتماعي ومن شروط الديمقراطية داخل عالم الشغل. وكل سياسة تتحدث عن تحسين أوضاع العمال من دون أن تعطي مكانا واضحا للحوار الاجتماعي وللتفاوض الجماعي ولحماية الحقوق النقابية، تظل ناقصة مهما بلغ عدد الإجراءات التي تقترحها.

لكن الملاحظة نفسها يمكن توسيعها لتشمل البرامج الانتخابية في علاقتها بالديمقراطية والحقوق والحريات، فالمسألة الاجتماعية لا يمكن فصلها عن طبيعة المجال السياسي والمؤسساتي الذي تجري داخله، ومن اللافت أن الحديث عن التشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية يحتل مساحة واسعة في الخطاب الانتخابي، بينما يتراجع في كثير من الأحيان النقاش حول الديمقراطية، والحريات العامة، وحقوق الإنسان، وحرية التعبير والتنظيم والتجمع، واستقلالية العمل النقابي، وضمان ممارسة الحقوق السياسية والمدنية. والحال أن هذه القضايا ليست ترفا سياسيا يمكن تأجيله إلى ما بعد معالجة الملفات الاجتماعية، لأن المواطن الذي لا يملك كامل حريته في التعبير والتنظيم والدفاع عن مصالحه يجد نفسه أضعف في مواجهة الاختلالات التي تمس حياته اليومية.

فالديمقراطية ليست فقط انتظام الانتخابات أو وجود مؤسسات منتخبة، وإنما هي مدى قدرة المواطن على التأثير في القرار العمومي، وعلى مساءلة من يتولى المسؤولية، وعلى ممارسة حقوقه من دون خوف أو تضييق أو مساومة، كما أن الديمقراطية الاجتماعية لا تستقيم إذا كانت الفئات المنتجة، وفي مقدمتها الأجراء، محرومة من شروط ممارسة طبيعية لحقها في التنظيم والتفاوض والدفاع الجماعي عن مصالحها. لذلك فإن تغييب سؤال الحقوق والحريات من البرامج الانتخابية يحرم النقاش العمومي من جزء أساسي من معناه، ويجعل المسألة الاجتماعية تبدو وكأنها مجرد مجموعة من الخدمات والتدابير التي تقدمها الدولة للمواطنين، بدل أن تكون جزءا من علاقة سياسية ومؤسساتية تقوم على الحقوق والمشاركة والمساءلة.

وتزداد أهمية هذا السؤال عندما نربطه بالسياسات العمومية نفسها، فمن يقرر الأولويات؟ ومن يراقب تنفيذ الوعود؟ وما هي آليات محاسبة المسؤولين عندما لا تنفذ الالتزامات؟ وكيف يمكن للمجتمع المدني والنقابات والمنظمات المهنية والمواطنين أن يشاركوا في صياغة السياسات التي تمسهم مباشرة؟ هذه الأسئلة لا تظهر دائما في البرامج بالقدر الذي تستحقه، مع أنها تمس جوهر الديمقراطية. فالسياسة الاجتماعية لا تنجح فقط لأنها تتوفر على ميزانية، وإنما لأنها تقوم على اختيارات واضحة، وعلى مؤسسات خاضعة للمساءلة، وعلى فضاء عمومي يسمح بالنقاش والاحتجاج والتفاوض، وعلى مواطنين قادرين على الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم.

وتصبح هذه المسألة أكثر إلحاحا مع التغير السريع في طبيعة العمل نفسه، فالعامل الذي يشتغل عبر منصة رقمية أو تطبيق، والعامل عن بعد، ومن تتغير وظيفته بفعل الأتمتة والذكاء الاصطناعي، يواجه واقعا مهنيا مختلفا، لكنه لا يفقد بسبب ذلك حقه في الأجر العادل والحماية الاجتماعية والاستقرار والتنظيم، فالتكنولوجيا يمكن أن تفتح مجالات جديدة للعمل والإنتاج، لكنها يمكن أيضا أن تصبح وسيلة لتوسيع الهشاشة إذا استعملت لتمرير مخاطر العمل إلى العامل نفسه أو لإضعاف علاقته بالمشغل. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس فقط كيف نواكب الاقتصاد الرقمي، وإنما كيف نضمن أن تكون هذه المواكبة في مصلحة العامل أيضا، وألا يتحول التطور التكنولوجي إلى ذريعة للتراجع عن الحقوق التي راكمتها الحركة العمالية عبر عقود.

ومن الصعب الحديث عن حماية العامل من دون التوقف عند الحماية من البطالة، لأن فقدان العمل ما يزال بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر لحظة قد تقود بسرعة إلى الهشاشة، فالحماية الاجتماعية الحقيقية لا ينبغي أن تبدأ فقط عند المرض أو التقاعد، بل ينبغي أن تشمل أيضا مراحل الانتقال المهني وفقدان العمل وإعادة الإدماج. العامل الذي يفقد وظيفته يحتاج إلى دخل مؤقت يحفظ كرامته، وإلى تكوين وإعادة تأهيل، وإلى خدمات عمومية تساعده على العودة إلى سوق الشغل، وهذا يستوجب أن ينظر إلى الحماية الاجتماعية باعتبارها حقا مرتبطا بالمسار المهني للإنسان، وليس مجرد شبكة للمساعدة عند وقوع الأزمات.

غير أن توسيع الحماية لا يمكن أن يظل محصورا في العمال الموجودين داخل القطاع المنظم، لأن جزءا كبيرا من اليد العاملة يوجد خارج هذا الإطار أو في وضعيات لا توفر الحد الأدنى من الاستقرار والحقوق كالعمال الزراعيين، والعمال الموسميين، والعاملين في الاقتصاد غير المنظم، وفئات أخرى تشتغل في ظروف صعبة، كلها فئات ينبغي أن تكون حاضرة في أي تصور جدي للعدالة الاجتماعية. لان المطلوب ليس فقط إدماجهم إحصائيا في برامج الحماية، وإنما معالجة الأسباب التي تجعلهم عالقين في الهشاشة، وتوفير شروط الانتقال إلى عمل منظم يحفظ لهم حقوقهم ويضمن لهم التغطية الاجتماعية.

ولا يمكن في الوقت نفسه تجاهل وضع النساء، لأن ضعف وتراجع مشاركتهن في سوق الشغل لا يرتبط فقط بنقص فرص العمل، وإنما أيضا بثقل مسؤوليات الرعاية والعمل المنزلي غير المؤدى عنه، وبصعوبات الولوج إلى بعض القطاعات والمهن، وباستمرار مظاهر التمييز. ولذلك فإن الاستثمار في خدمات الرعاية والحضانات والنقل العمومي والحماية الاجتماعية ليس ترفا اجتماعيا، بل جزء من سياسة اقتصادية قادرة على تحرير طاقات إنتاجية واجتماعية كبيرة.

والشباب بدوره لا يمكن اختزال مشكلته في رقم معدلات البطالة، لأن ما يعيشه كثير من الشباب يرتبط بسؤال أوسع حول الاستقلال الاقتصادي والقدرة على بناء مشروع للحياة، شاب يقضي سنوات في انتظار وظيفة، أو ينتقل من عقد مؤقت إلى آخر، أو يجد نفسه مضطرا إلى قبول شروط عمل لا توفر له الاستقرار، لا يواجه مشكلة مهنية فقط، بل يواجه شعورا بأن المستقبل نفسه أصبح مؤجلا. لذلك فإن معالجة أوضاع الشباب تتطلب أكثر من برامج ظرفية للإدماج، إنها تحتاج إلى اقتصاد يخلق وظائف لائقة ومستقرة، وإلى تعليم وتكوين يفتحان فرصا حقيقية، وإلى سياسات للسكن والنقل والخدمات العمومية، وإلى فضاء يسمح للشباب بالمشاركة في صياغة القرارات التي تحدد مستقبله.

اكيد ان مستقبل العمل مرتبط بهذه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، ولكنه مرتبط أيضا بالتحول البيئي والمناخي الذي سيعيد تشكيل عدد من القطاعات والمهن. فالانتقال إلى اقتصاد أكثر احتراما للبيئة يمكن أن يخلق فرصا جديدة، لكنه قد يفرض في المقابل تحولات صعبة على عمال وقطاعات ومناطق بأكملها. لذلك لا ينبغي أن تكون العدالة المناخية منفصلة عن العدالة الاجتماعية، فالانتقال العادل يفترض حماية العمال المتضررين، وتوفير التكوين وإعادة التأهيل، وخلق بدائل مهنية حقيقية، حتى لا يتحمل الأجراء وحدهم كلفة التحول الاقتصادي والبيئي.

وفي كل ذلك تظل مسألة التمويل حاسمة، لأن الحديث عن دولة اجتماعية قوية وخدمات عمومية جيدة وحماية اجتماعية شاملة وشغل لائق لا يمكن أن يبقى منفصلا عن سؤال من يمول هذه السياسات؟ العدالة الاجتماعية تقتضي أيضا عدالة جبائية تجعل المساهمة في تمويل الدولة مرتبطة بالقدرة الحقيقية على الأداء، وتحد من التهرب والغش والامتيازات والاعفاءات غير المبررة والمضاربات، بدل أن يستمر الضغط بشكل أكبر على الأجراء والمستهلكين، فاختيارات الضريبة ليست مسألة تقنية تخص المالية العمومية وحدها، وإنما هي في جوهرها اختيار اجتماعي وسياسي يحدد من يتحمل كلفة الدولة ومن يستفيد من مواردها.

لهذا كله، فإن تقييم البرامج الانتخابية لا ينبغي أن ينحصر في عدد الوعود الاجتماعية التي تتضمنها أو في حجم الأرقام المعلنة، بل في طبيعة الاختيارات التي تقف خلفها، وفي الصورة التي تقدمها للمجتمع والدولة والمواطن. المطلوب أن نعرف هل هناك تصور فعلي للحد من الهشاشة في سوق الشغل، وهل هناك استعداد لتحسين الأجور والقدرة الشرائية، وتقوية المفاوضة الجماعية والحريات النقابية، وتوسيع الحماية الاجتماعية لتشمل مختلف فئات العاملين، وضمان خدمات عمومية ذات جودة، وربط النمو الاقتصادي بعدالة أكبر في توزيع ثماره. وبالموازاة مع ذلك، هل توجد إرادة واضحة لترسيخ الحقوق والحريات، وتوسيع المشاركة والمساءلة، وحماية الحق في التنظيم والتعبير والاحتجاج السلمي، وتقوية المؤسسات المنتخبة وآليات الرقابة عليها؟ فهذه ليست قضايا منفصلة عن البرنامج الاجتماعي، بل هي الشروط التي تجعل المواطن قادرا على الدفاع عن مصالحه ومراقبة السياسات التي تؤثر في حياته.

ولا يكتمل هذا التقييم من دون طرح سؤال قابلية الوعود الانتخابية للتحول إلى برامج حكومية فعلية قابلة للتنفيذ. فالبرنامج الانتخابي لا تكون له قيمة سياسية واجتماعية حقيقية بمجرد أن يتضمن أهدافا طموحة أو أرقاما جذابة، وإنما عندما يوضح، ولو في خطوطه الكبرى، كيف ستتحول هذه الوعود إلى سياسات عمومية، وما هي الموارد المالية والمؤسسات والآليات والآجال الضرورية لتنفيذها، ومن سيتحمل مسؤولية تنزيلها وكيف يمكن تقييم نتائجها ومساءلة المسؤولين عنها. فالناخب لا يحتاج فقط إلى معرفة ما الذي تعد به الأحزاب، بل يحتاج أيضا إلى معرفة ما إذا كانت هذه الوعود منسجمة مع الإمكانات المالية للدولة، ومع الأولويات الاجتماعية والاقتصادية، ومع القدرة الفعلية للإدارة والمؤسسات على تنفيذها. والتزامات من قبيل خلق مناصب شغل لائقة، وتحسين الأجور، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتقوية الخدمات العمومية، وتطوير الصحة والتعليم والسكن والنقل، لا يمكن أن تظل عناوين انتخابية منفصلة عن خيارات الميزانية والجباية والاستثمار العمومي وسياسة الدولة تجاه عالم الشغل. وهنا تحديدا يظهر الفرق بين برنامج يقدم وعودا لاستمالة الناخب، وبرنامج يمتلك شروط التحول إلى تعاقد سياسي واجتماعي قابل للقياس والمحاسبة. فالوعود التي لا تحدد كلفتها، ولا مصادر تمويلها، ولا شروط تنفيذها، ولا آجالها، ولا مؤشرات قياس نتائجها، تظل أقرب إلى خطاب انتخابي منها إلى مشروع حكومي. ومن حق المواطن، بل من واجبه، أن يسأل قبل التصويت: ماذا سيُنفذ فعلا، وبأي موارد، وفي أي مدة، ومن سيحاسب إذا لم يتحقق ما تم الالتزام به؟

ومن هذه الزاوية يصبح الاختبار الحقيقي للبرامج الانتخابية هو مدى استعدادها لتغيير الشروط التي تنتج التفاوت والهشاشة والتهميش، لا مجرد قدرتها على وصفها أو تقديم حلول مؤقتة للتخفيف من آثارها، فالعدالة الاجتماعية لا تنفصل عن الديمقراطية، والحق في العمل اللائق لا ينفصل عن الحق في التنظيم، والحق في الحماية الاجتماعية لا ينفصل عن الحق في المشاركة والمساءلة، والدولة الاجتماعية لا يمكن أن تكون قوية من دون دولة حقوق ومؤسسات وحريات.

المسألة في النهاية ليست أن البرامج الانتخابية لا تتحدث عن المجتمع أو عن الفئات الشعبية، فهي تتحدث عنها كثيرا، وإنما كون الحديث عن المعاناة الاجتماعية شيء، والذهاب إلى أسبابها شيء آخر. والحديث عن الديمقراطية شيء، وتحويلها إلى ممارسة يومية تحمي الحقوق والحريات وتضمن المشاركة والمساءلة شيء آخر. لذلك فإن المجتمع لا يحتاج فقط إلى برامج تعده بتدبير مشاكله، بل إلى اختيارات سياسية تجعل من الكرامة والعمل والحرية والعدالة الاجتماعية ركائز متكاملة للحياة العامة، وإلى حكومات تجعل من هذه الاختيارات التزامات قابلة للتنفيذ لا وعودا مؤجلة إلى ما بعد الانتخابات. وفي هذا تحديدا يكمن معنى المسؤولية السياسية، أي أن يعرف المواطن قبل أن يصوت ماذا سينجز، وكيف سينجز، ومن سيدفع كلفته، ومن سيستفيد منه، ومن سيتحمل مسؤولية عدم إنجازه،

فالمواطن لا يحتاج إلى من يصف له مشاكله التي يعرفها جيدا، وإنما إلى من يقدم اختيارات واضحة لمعالجتها، ويملك الشجاعة السياسية لتحمل مسؤولية تنفيذها، هنا يكون معنى الانتخابات أوسع من مجرد التنافس على المقاعد، إنها لحظة مساءلة واختيار حول أي مجتمع نريد، وأي دولة نريد، مجتمع الدولة ام دولة المجتمع؟ لكن في الزمن المنقضى من عمر الحملة الانتخابية الجارية، يلاحظ أن جزءا من الخطاب الحزبي ينصرف أكثر إلى مهاجمة الخصوم والتراشق والتجريح وتبادل الاتهامات حتى صار الخطاب الانتخابي أقرب الى تصفية الحسابات، وأحيانا بلغة لا تليق بحجم المسؤولية السياسية ولا بالناخبين، وفي خضم هذا السجال، تضيع القضايا التي تهم الناس فعلا، ويصبح النقاش حول من قال ماذا، ومن هاجم من، أقوى من النقاش حول ماذا ستفعل الأحزاب حين تصل إلى الحكومة.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *