المغرب عشية الانتخابات: بين ديمقراطية الاقتراع وحدود السلطة السياسية
محمد السميري
مع انطلاق الحملة الانتخابية في المغرب، تعود إلى الواجهة الأسئلة المعتادة حول الأحزاب والمرشحين والبرامج ونسب المشاركة. غير أن التركيز على هذه العناصر وحدها قد يحجب سؤالاً أكثر عمقاً: *ما طبيعة الديمقراطية التي تمارس داخلها هذه الانتخابات؟ وما حدود قدرة المواطن على تحويل صوته الانتخابي إلى تأثير فعلي في القرار السياسي؟*
فالانتخابات، في حد ذاتها، ليست مرادفاً للديمقراطية. يمكن أن توجد الانتخابات والأحزاب والبرلمانات والحكومات في أنظمة سياسية تختلف جذرياً في درجة ديمقراطيتها. ولذلك فإن تقييم التجربة المغربية يحتاج إلى النظر إلى عناصر أخرى: طبيعة التنافس السياسي، فعالية المؤسسات المنتخبة، حرية التعبير والصحافة، المشاركة السياسية، والثقة التي يضعها المواطن في المؤسسات.
وتساعدنا المؤشرات الدولية واستطلاعات الرأي على الانتقال من الانطباعات العامة إلى معطيات قابلة للنقاش.
المغرب في مرآة المؤشرات الدولية
يصنف *مؤشر الديمقراطية الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجموعة «ذي إيكونوميست»* الدول وفق خمسة أبعاد رئيسية: العملية الانتخابية والتعددية، عمل الحكومة، المشاركة السياسية، الثقافة السياسية، والحريات المدنية.
وقد حصل المغرب في مؤشر 2024 على *4.97 نقطة من أصل 10، وصُنّف ضمن فئة **الأنظمة الهجينة*.
ولا تعني عبارة «نظام هجين» أن الانتخابات غير موجودة أو أن الحياة السياسية منعدمة، بل تعني أن هناك مؤسسات وانتخابات وتعدداً حزبياً، لكن إلى جانب ذلك توجد قيود تجعل النظام بعيداً عن مستوى الديمقراطيات المكتملة.
شبكة رقمية: أين يقع المغرب؟
| المؤشر | المغرب |
| —————————————— | ————: |
| مؤشر الديمقراطية | *4.97 / 10* |
| تصنيف الديمقراطية | *نظام هجين* |
| حرية الصحافة 2026 | *105 / 180* |
| الحقوق السياسية والحريات المدنية 2026 | *37 / 100* |
| الثقة في الحكومة | *33%* |
| الثقة في البرلمان | *38%* |
| الثقة في رئيس الحكومة | *30%* |
| من يرون الديمقراطية أفضل من الأنظمة الأخرى | *73%* |
| من يؤيدون نظاماً برلمانياً متعدد الأحزاب | *68%* |
المصادر: مؤشر الديمقراطية لوحدة الاستخبارات الاقتصادية؛ منظمة «مراسلون بلا حدود»؛ منظمة «فريدوم هاوس»؛ الباروميتر العربي.
هذه الأرقام لا ينبغي قراءتها كترتيب ميكانيكي للدول، وإنما باعتبارها مؤشرات مختلفة تقيس جوانب مختلفة من الحياة السياسية.
—
الديمقراطية لا تبدأ وتنتهي بصندوق الاقتراع
تكمن أهمية هذه المعطيات في أنها تدفعنا إلى التمييز بين مفهومين غالباً ما يجري الخلط بينهما: *ديمقراطية الاقتراع وديمقراطية السلطة*.
في الديمقراطية الانتخابية، يستطيع المواطن اختيار ممثليه في الانتخابات.
أما في الديمقراطية السياسية المكتملة، فالمسألة تتجاوز عملية التصويت إلى قدرة المؤسسات المنتخبة على ممارسة السلطة، وقدرة المعارضة والإعلام والمجتمع المدني على مراقبة الحاكم، وقدرة المواطن على تغيير السياسات والحكومات من خلال آليات دستورية ومؤسساتية فعالة.
وبعبارة أخرى، لا يكفي أن نسأل:
*هل توجد انتخابات؟*
بل يجب أن نسأل:
*ماذا تستطيع الانتخابات أن تغيّر؟*
فوجود صناديق الاقتراع لا يخبرنا وحده عن حجم السلطة التي يستطيع الناخب التأثير فيها.
وهنا تكمن إحدى القضايا المركزية في فهم الحالة المغربية.
—
حرية التعبير: الشرط السابق على الاختيار
لا يمكن للمواطن أن يمارس اختياراً سياسياً واعياً إذا لم يكن قادراً على الوصول إلى معلومات متعددة، ومناقشة السياسات، وانتقاد الأحزاب والحكومة، والاستماع إلى مواقف مختلفة.
ولهذا فإن حرية التعبير والصحافة ليست قضية منفصلة عن الانتخابات، وإنما هي *شرط سابق على الاختيار الانتخابي نفسه*.
في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 الصادر عن منظمة «مراسلون بلا حدود»، احتل المغرب المرتبة *105 من أصل 180 دولة، بدرجة **50.55 من 100*.
كما صنفت منظمة «فريدوم هاوس» المغرب في تقريرها لعام 2026 ضمن فئة *«حر جزئياً»، بدرجة **37 من 100؛ منها **13 من 40 في الحقوق السياسية* و*24 من 60 في الحريات المدنية*.
هذه المؤشرات لا تعني أن المجال العام المغربي خالٍ من النقاش أو النقد، وإنما تشير إلى أن *الهامش الذي تتحرك داخله الحريات السياسية والإعلامية ما زال أضيق من الهامش الموجود في الديمقراطيات الليبرالية المستقرة*.
وهذه نقطة أساسية: فالانتخابات لا تقاس فقط بما يحدث في يوم الاقتراع، بل أيضاً بما يحدث *قبل الاقتراع*: هل يستطيع المواطن أن يسمع الآراء المختلفة؟ وهل تستطيع المعارضة أن تقدم نفسها بحرية؟ وهل يستطيع الصحفي أن يبحث وينتقد؟ وهل يستطيع المواطن أن يناقش السياسات دون خوف؟
—
المواطن المغربي: أقل عزوفاً عن الديمقراطية مما قد نعتقد
ربما كان الجانب الأكثر إثارة في هذه الصورة هو موقف المواطن نفسه.
فقد يبدو أحياناً أن ضعف المشاركة السياسية أو ضعف الثقة في الأحزاب دليل على أن المواطن المغربي غير مهتم بالديمقراطية.
لكن نتائج *الباروميتر العربي* ترسم صورة أكثر تعقيداً.
في استطلاع أُجري في المغرب خلال 2023 و2024، قال *73%* من المستجوبين إن الديمقراطية، رغم مشاكلها، تظل أفضل من الأنظمة الأخرى.
وقال *68%* إنهم يؤيدون نظاماً برلمانياً متعدد الأحزاب.
لكن في الوقت نفسه لم تتجاوز الثقة في الحكومة *33%، وفي البرلمان **38%، وفي رئيس الحكومة **30%*.
هذه المفارقة تستحق التأمل.
فإذا كان أغلب المواطنين يفضلون الديمقراطية، فلماذا لا يثقون في المؤسسات السياسية التي يفترض أن تجسدها؟
قد يكون أحد التفسيرات أن المشكلة ليست في *الديمقراطية كمبدأ، وإنما في **الأداء الفعلي للمؤسسات التي تحمل اسم الديمقراطية*.
وهذا فرق بالغ الأهمية.
فالمواطن يمكن أن يؤمن بالديمقراطية، لكنه في الوقت نفسه لا يعتقد أن البرلمان قادر على التأثير الحقيقي، أو أن الحكومة قادرة على تنفيذ ما وعدت به، أو أن الانتخابات تؤدي بالضرورة إلى تغيير جوهري في السياسات.
—
من أزمة الديمقراطية إلى أزمة الثقة
هنا يمكن فهم جانب من ظاهرة العزوف السياسي بطريقة مختلفة.
غالباً ما يُفسَّر العزوف عن الانتخابات بضعف الوعي السياسي أو عدم اهتمام المواطن بالشأن العام.
لكن هذا التفسير يبقى ناقصاً.
فالعزوف يمكن أن يكون أيضاً نتيجة *لفقدان الثقة في فعالية المشاركة*.
هناك فرق بين المواطن الذي لا يهتم بالسياسة، والمواطن الذي يهتم بها لكنه لا يعتقد أن مشاركته ستغير شيئاً.
الأول يعاني من اللامبالاة.
أما الثاني فيعاني من *أزمة ثقة سياسية*.
ولا تسمح لنا الأرقام وحدها بإثبات أن كل من يعزف عن التصويت يفعل ذلك لهذا السبب، لكنها تجعل من الصعب اختزال الظاهرة كلها في «غياب الوعي».
وهذا مهم لأن تحميل المواطن وحده مسؤولية ضعف المشاركة يمكن أن يحجب السؤال المتعلق بأداء المؤسسات نفسها.
—
هل المشكلة في المواطن أم في بنية النظام؟
من الخطأ، في المقابل، أن ننتقل إلى الطرف الآخر ونحمل النظام السياسي وحده كل المسؤولية.
فالديمقراطية تحتاج أيضاً إلى ثقافة سياسية ديمقراطية.
المواطن الذي يصوت بناء على المال أو القرابة أو الزبونية أو الوعد الشخصي يساهم في إضعاف المؤسسات التي يشكو منها.
والحزب الذي لا يظهر إلا في موسم الانتخابات يساهم في إضعاف السياسة.
والإعلام الذي يحول النقاش السياسي إلى صراع شخصي بين المرشحين يساهم في إضعاف الوعي السياسي.
والمدرسة التي لا تعلم التلميذ كيف يناقش ويقارن ويشكك في الأفكار تتركه أقل استعداداً للممارسة الديمقراطية.
لذلك فإن الديمقراطية ليست مجرد مسألة دستورية أو انتخابية، وإنما هي أيضاً *ثقافة وممارسة اجتماعية*.
لكن هذا لا يلغي سؤالاً أكثر عمقاً:
*إلى أي حد يستطيع المواطن والمؤسسات المنتخبة تغيير قواعد اللعبة السياسية نفسها؟*
—
بين تغيير الحكومة وتغيير السلطة
هنا نصل إلى جوهر الإشكال.
قد تؤدي الانتخابات إلى تغيير الحكومة، وقد تتغير الأحزاب المشاركة فيها، وقد تتغير الأغلبية البرلمانية.
لكن الديمقراطية تصبح أكثر عمقاً عندما يكون تغيير الحكومة جزءاً من آلية أوسع تسمح بتغيير *السياسات والاختيارات العامة*، وتتيح للمؤسسات المنتخبة ممارسة سلطتها فعلاً، وتضع مختلف مراكز القرار العمومي تحت آليات واضحة للمساءلة.
وهذا هو الفرق بين *تداول الحكومات* و*تداول السلطة السياسية*.
الأول يمكن أن يحدث في نظام انتخابي محدود.
أما الثاني فيفترض وجود مؤسسات قوية، وتوازن حقيقي للسلطات، وحرية سياسية وإعلامية واسعة، ومجال عمومي يسمح للمواطنين بالمشاركة في تحديد الخيارات الكبرى.
ومن هنا تصبح الانتخابات أكثر من مجرد منافسة بين الأشخاص والأحزاب.
تصبح وسيلة لتحويل الإرادة الشعبية إلى سلطة سياسية قابلة للمحاسبة.
—
المفارقة المغربية
تكشف الأرقام عن مفارقة تستحق اهتماماً أكبر من مجرد الحديث عن «نجاح» أو «فشل» الانتخابات.
من جهة، هناك *73%* من المواطنين الذين يرون الديمقراطية أفضل من الأنظمة الأخرى، و*68%* يؤيدون النظام البرلماني المتعدد الأحزاب.
ومن جهة أخرى، الثقة في الحكومة لا تتجاوز *33%، وفي البرلمان **38%*.
وهكذا يبدو أن هناك مسافة بين *الرغبة في الديمقراطية* و*الثقة في المؤسسات القائمة*.
وهذه المسافة هي، ربما، إحدى أهم القضايا التي ينبغي أن ينشغل بها النقاش السياسي المغربي.
فإذا كان المواطن يريد الديمقراطية لكنه لا يثق في المؤسسات التي تمارسها، فإن المشكلة لا يمكن حلها بمجرد مطالبة المواطن بالمشاركة أكثر.
بل ينبغي أيضاً أن نسأل:
*لماذا فقد المواطن ثقته؟*
وهل تستطيع المؤسسات أن تستعيدها من خلال أدائها؟
—
الانتخابات كسؤال عن طبيعة السلطة
لهذا فإن النقاش الجدي حول الانتخابات المغربية لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال:
*من سيفوز؟*
بل ينبغي أن ينتقل إلى سؤال:
*ماذا يستطيع الفائز أن يفعل؟*
وإذا كانت الانتخابات تمنح المواطن القدرة على تغيير الحكومة، لكن قدرتها على تغيير السياسات الكبرى ومراكز القرار محدودة، فإننا نكون أمام *ديمقراطية انتخابية محدودة* وليست أمام ديمقراطية مكتملة.
أما الديمقراطية في معناها الأعمق، فهي ليست مجرد حق المواطن في اختيار ممثليه، وإنما قدرته على التأثير في السلطة التي تحكمه، ومحاسبة من يمارسها، وتغيير السياسات التي لا يوافق عليها.
ومن هنا يمكن فهم وضع المغرب بصورة أكثر دقة:
*المغرب ليس نظاماً بلا انتخابات، وليس ديمقراطية مكتملة.*
إنه نظام توجد فيه انتخابات وتعددية حزبية ومؤسسات تمثيلية ومجال للمشاركة السياسية، لكن هذه العناصر تعمل داخل بنية سياسية ما زالت تعرف حدوداً في مجال الحريات وفعالية المؤسسات وتوزيع السلطة.
والمفارقة الأكثر أهمية أن *التطلع الشعبي إلى الديمقراطية يبدو، في بعض الجوانب، أوسع من مستوى الثقة في المؤسسات التي تجسدها.*
لذلك ربما يكون السؤال الأهم في هذه الانتخابات ليس:
*من سيحصل على أكبر عدد من المقاعد؟*
بل:
*إلى أي حد يستطيع المواطن المغربي، من خلال صوته، أن يغيّر اتجاه السلطة والسياسات العامة؟*
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد الصناديق، ولا بعدد الأحزاب، ولا بنسبة المشاركة.
*الديمقراطية تُقاس أيضاً بحجم السلطة التي يستطيع المواطن أن يؤثر فيها.*
