نداء الوطن شارك أولاً… ثم قل كلمتك
ليس المطلوب منك أن تحب مرشحاً، ولا أن تثق في حزب، ولا أن توافق على كل ما يجري في الساحة السياسية. المطلوب منك أولاً أن تكون مواطناً حاضراً، وأن تقول كلمتك.
غداً، الأربعاء 23 شتنبر 2026، يفتح المغرب صفحة جديدة من صفحات ممارسته الديمقراطية. وستتجه ملايين المواطنات والمواطنين إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في مجلس النواب.
وقد يبدو الأمر، بالنسبة إلى البعض، مجرد يوم انتخابي آخر.
لكنه في الحقيقة أكبر من ذلك.
إنه امتحان للمواطنة.
فالوطن ليس بطاقة تعريف، ولا جواز سفر، ولا عنواناً للإقامة. الوطن علاقة ومسؤولية. والانتماء إليه لا ينبغي أن يظل مجرد إحساس عاطفي يظهر في المناسبات الوطنية، ثم يختفي عندما يتعلق الأمر بالمشاركة في الحياة العامة.
أن تكون مغربياً يعني، من بين ما يعنيه، أن تكون معنياً بمستقبل المغرب.
والذي يريد لوطنه أن يتقدم، لا يمكنه أن يكتفي بالشكوى من السياسة والسياسيين، ثم ينسحب من الساحة ويترك الآخرين يقررون نيابة عنه.
المغرب لنا جميعاً
هذا الوطن ليس لحزب دون حزب، ولا لفئة اجتماعية دون أخرى، ولا لجيل دون جيل.
هو للشاب كما هو للكهل، للمرأة كما هو للرجل، للعامل كما هو للموظف، للفلاح كما هو للتاجر، للفقير كما هو للغني، ولساكن القرية كما هو لساكن المدينة.
وإذا كنا جميعاً متساوين في الانتماء إلى الوطن، فمن الطبيعي أن نكون متساوين أيضاً في ممارسة حقنا في المشاركة السياسية.
فلا أحد يملك مغرباً أكثر من مغربي آخر.
ولا أحد ينبغي أن يشعر بأن صوته أقل قيمة من صوت غيره.
أمام صندوق الاقتراع، تسقط الامتيازات الاجتماعية، وتسقط الفوارق في المكانة والثروة، ويبقى المواطن وصوته.
لا تجعلوا العزوف يتحدث باسمكم
قد تكون لنا انتقادات كثيرة للعمل السياسي.
وقد تكون لدينا ملاحظات على الأحزاب والمرشحين، وعلى أداء المؤسسات المنتخبة، وعلى الوعود التي لم تتحول إلى واقع، وعلى ممارسات أضعفت ثقة المواطن في العملية السياسية.
كل ذلك مشروع للنقاش.
بل إن النقد ضروري، لأن الديمقراطية التي لا تسمح بالنقد تتحول إلى مجرد واجهة.
لكن هل يكون العلاج في الغياب؟
هل نعاقب السياسة بالابتعاد عنها؟
وهل نترك صندوق الاقتراع لمن سيذهب إليه، ثم نشكو بعد ذلك من النتائج التي أفرزها غيابنا؟
هنا تكمن المفارقة.
قد يكون لك الحق الكامل في أن ترفض مرشحاً، أو حزباً، أو طريقة في ممارسة السياسة؛ لكن ذلك لا يعني أن تتنازل عن حقك في التعبير عن هذا الرفض.
اذهب إلى صندوق الاقتراع.
ثم قل كلمتك.
المشاركة ليست تزكية
وهنا ينبغي أن نميز بين أمرين كثيراً ما يختلطان:
المشاركة لا تعني الرضا.
والتصويت لا يعني منح شيك على بياض.
يمكن للمواطن أن يشارك لأنه يريد أن يمارس حقه، دون أن يكون مقتنعاً بكل ما تعرضه عليه الساحة السياسية.
وقد يجد مرشحاً يراه جديراً بثقته، فيمنحه صوته.
وقد لا يجد مرشحاً يقتنع به تماماً، فيختار، وفق تقديره الشخصي، من يراه أقل ضرراً وأكثر قرباً من قناعاته أو من المصلحة العامة كما يراها.
وقد يصل مواطن آخر إلى قناعة مختلفة تماماً، فيرفض جميع الاختيارات المعروضة أمامه ويعبّر عن موقفه بالطريقة الانتخابية التي يتيحها القانون.
المهم أن يكون حاضراً.
أن لا يترك الآخرين يتحدثون باسمه.
أن لا يسمح للعزوف بأن يتحول إلى الممثل الوحيد لموقفه.
لا نريد مواطناً بالاسم فقط
المواطنة ليست شعوراً داخلياً فحسب.
إنها ممارسة.
أن تؤدي واجباتك.
أن تعرف حقوقك.
أن تراقب من يمثلونك.
أن تنتقد عندما ترى ما يستحق النقد.
أن تثمن عندما ترى ما يستحق التثمين.
وأن تشارك عندما يحين موعد المشاركة.
ولذلك، فإن المواطن الكامل ليس هو الذي يصفق دائماً، ولا هو الذي يعارض دائماً.
المواطن الكامل هو الذي يفكر، ويقارن، ويسأل، ويختار، ويحاسب.
وإذا لم يجد في الاختيارات المطروحة ما يقنعه، فإنه لا يتحول إلى مواطن غائب، بل يبحث عن الوسيلة المشروعة للتعبير عن موقفه.
غداً… لا تتركوا الوطن يتحدث وحده
غداً ليس يوم الأحزاب وحدها.
وليس يوم المرشحين وحدهم.
إنه يوم الناخب أيضاً.
فليذهب كل مواطن إلى صندوق الاقتراع وهو يحمل سؤالاً بسيطاً:
ماذا أريد لوطني؟
لا ماذا أريد لنفسي فقط.
ولا ماذا أعطاني هذا المرشح أو ذاك.
ولا ماذا وعدني به هذا الحزب أو ذاك.
بل: أي مستقبل أريده للمغرب ولأبنائه وبناته؟
وبعد ذلك، فليختر كل واحد وفق قناعته وضميره.
لا أحد يملك حق التفكير نيابة عنك.
ولا أحد يملك صوتك إلا أنت.
كلمة أخيرة
قد نختلف حول الأحزاب.
وقد نختلف حول المرشحين.
وقد نختلف حول البرامج والوعود والحصيلة.
لكن ينبغي ألا نختلف حول حقيقة واحدة:
المغرب وطننا جميعاً.
وإذا كان لنا أن ننتقده من أجل إصلاحه، وأن نطالب مؤسساته بمزيد من الحكامة والعدالة والفعالية، فإن علينا في المقابل أن نكون حاضرين عندما ينادينا الوطن إلى ممارسة إحدى أهم صور المواطنة السياسية.
لذلك، غداً:
اذهب إلى صندوق الاقتراع.
لا تصوت لأن أحداً أمرك بذلك.
ولا تمتنع لأن أحداً أقنعك بأن صوتك لا قيمة له.
اذهب.
استمع إلى ضميرك.
اقرأ الواقع كما تراه.
قارن.
فكّر.
ثم قل كلمتك.
إن وجدت من يستحق ثقتك، فامنحه صوتك.
وإن لم تجد، فاتخذ الموقف الذي يمليه عليك ضميرك، في حدود ما يسمح به القانون.
لكن لا تجعل غيابك هو الرسالة الوحيدة التي تُقرأ باسمك.
فربما لا تستطيع أن تغير المشهد كله بصوت واحد، لكن صوتك يظل شهادة على أنك كنت حاضراً في وطنك عندما طُلب منك أن تكون حاضراً.
هذا هو نداء الوطن:
شارك أولاً… ثم قل كلمتك.
لا تكن منتسباً إلى الوطن فقط.
كن مواطناً كامل أوصاف المواطنة.
محمد خوخشاني.
مكناس — 22 شتنبر 2026
