إلى الرفاق الذين لم يحالفهم الفوز.
حين يصبح الفشل فوزًا، والقرح فرحًا، والهزيمة انتصارًا.
أيها الرفاق،
شاركتُم في الانتخابات التشريعية، وخضتُم غمار المنافسة، وبذلتُم من الجهد والوقت والطاقة ما يكفي لأن تجعلوا من مشاركتكم فعلًا من أفعال الوفاء للوطن. ثم جاءت النتائج، ولم تحمل لكم ما كنتم تتمنون من أصوات ومقاعد.
فهل هذا فشل؟
لا. وألف لا.
إن الخسارة في صناديق الاقتراع لا تعني بالضرورة الفشل، كما أن الفوز بمقعد لا يعني بالضرورة الانتصار. فقد يفوز المرء بالمقعد، لكنه يخسر نفسه؛ وقد يخسر المقعد، لكنه يخرج من المعركة مرفوع الرأس، نقيّ الضمير، منتصرًا على كل الإغراءات التي قد تجعل من السياسة طريقًا إلى المنفعة الخاصة.
الفشل الحقيقي ليس أن تحصلوا على القليل من الأصوات، وإنما أن تفوزوا بالكثير منها بالمال، حلالًا كان أو حرامًا، وأن يصبح الكرسي غايةً في ذاته، وأن تُختزل المشاركة السياسية في حسابات الربح والمصلحة والنفوذ.
أما أنتم، فقد لبيتم نداء الوطن.
حين نادى الوطن، قلتم: لبيك يا وطني!
لم تتخاذلوا، ولم تتواروا خلف الأعذار، ولم تفضلوا مصالحكم الخاصة على واجب المشاركة. تقدمتم إلى الميدان، وترشحتم، وطرقتم أبواب الناس، وخاطبتم ضمائرهم، وطلبتم أصواتهم، لا لقضاء مآربكم الخاصة، وإنما لأنكم آمنتم، كلٌّ من موقعه، بأن الشأن العام يستحق أن يُخدم وأن الوطن يستحق أن يُدافع عنه.
ثم جاءت النتيجة.
وكانت خيبة الأمل.
لكن، أيها الرفاق، لا تجعلوا من خيبة النتيجة خيبةً من الوطن.
فالقرح الحقيقي ليس أن نخسر الانتخابات؛ القرح الحقيقي أن ينادينا الوطن فلا نجيبه. أن يستدعينا الواجب فنختار الابتعاد. أن نُفضّل السفر إلى خارج الوطن حين يكون الوطن في حاجة إلى حضورنا، وأن نغلق آذاننا عن نداءه ثم نتساءل، بعد ذلك، لماذا لا يتغير شيء.
أما أنتم فقد حضرتم.
لبيتم النداء.
وهرولتم إلى ساحة المنافسة، وأنتم تعرفون أن الطريق قد لا يقود بالضرورة إلى البرلمان.
فافرَحوا إذن.
نتم، بمعنى آخر وأعمق، من الفائزين.
لقد انتصرتم على إغراء المنصة، وعلى فتنة الكرسي، وعلى المال حين يتحول من وسيلة إلى غاية، وعلى ذلك الوهم الذي يجعل المقعد البرلماني مقياسًا وحيدًا للنجاح.
قد لا تكون الصناديق قد منحتكم ما كنتم تطمحون إليه، لكنها منحتكم شيئًا آخر لا يُشترى ولا يُمنح بالأصوات: أن تعرفوا أنكم قمتم بواجبكم.
وليس كل انتصار يُعلن بالأرقام.
هناك انتصارات صامتة لا تُسجلها محاضر الفرز، ولا تظهر في جداول النتائج، ولا تحتفل بها المنابر. انتصار الإنسان على إغراء المال، وعلى الخوف، وعلى التردد، وعلى الأنانية، وعلى إغراء الكرسي، هو انتصار لا يحتاج إلى شهادة انتخابية.
فلا تنظروا اليوم إلى ما خسرتموه فقط.
انظروا أيضًا إلى ما ربحتموه.
ربحتم تجربة.
وربحتم معرفة الناس.
وربحتم احترام من رأى فيكم مناضلين حملوا مسؤولية المشاركة.
وربحتم، قبل هذا وذاك، حقكم في أن ترفعوا رؤوسكم دون خجل.
وها أنتم اليوم ترفعون الرأس والكأس، لا احتفالًا بمقعد لم تحصلوا عليه، وإنما احتفالًا بانتصار أعمق: انتصاركم على بؤس الانتخابات حين تتحول إلى سوق، وعلى إغراءات السياسة حين تبتعد عن معناها النبيل.
عيشوا فرحكم.
ابتعدوا عن الأقراح، وتمسكوا بالأفراح.
كونوا قريبين من الفوز على الفشل، لا أسرى لفكرة الفشل بسبب نتيجة انتخابية عابرة.
فما أزكى أن يعيش الإنسان مرتاح الضمير، وما أطيب أن ينام مطمئنًا إلى أنه لم يشترِ مكانه، ولم يبع مواقفه، ولم يجعل من الكرسي غاية حياته.
وربما كان هذا، في النهاية، أطيب وأحلى من الإغماء على كرسي تحت قبة البرلمان.
فماذا لو لم ندخل القبة، وقد خرجنا من المعركة ونحن أكثر إيمانًا بأنفسنا، وأكثر وفاءً لوطننا، وأكثر اعتزازًا بكرامتنا؟
أليس هذا هو أحسن فوز، وأغلى فرح، وألذ انتصار؟
أن نخسر مقعدًا ولا نخسر أنفسنا.
أن نخسر أصواتًا ولا نخسر كرامتنا.
ألا ندخل البرلمان، ولكن ندخل قلوب من عرفوا لماذا ترشحنا، وكيف ترشحنا، ولماذا بقينا واقفين حتى النهاية.
هنيئًا لكم، أيها الرفاق، هذا الفوز الذي لم تعلنه صناديق الاقتراع، لكنه أعلنته ضمائركم.
وهنيئًا للوطن بكم، يوم قلتم له، دون تردد:
لبيك يا وطني.
محمد خوخشاني.
مكناس بتاريخ 27 شتنبر 2026.
