إسرائيل: هل يحق للمواطنين العرب التصويت دون أن يكون لهم الحق الكامل في المشاركة في الحكومة؟
ديمقراطية أمام اختبار تناقضاتها: 19 مقعداً في الكنيست، ومشاركة في السلطة التنفيذية ما تزال موضع جدل سياسي.
بقلم، محمد خوخشاني.
أفرزت الانتخابات التشريعية الإسرائيلية التي جرت يوم 27 أكتوبر 2026 واقعاً سياسياً يستحق الوقوف عنده وتحليله. فقد حصلت الأحزاب ذات القيادة العربية على 19 مقعداً من أصل 120 مقعداً في الكنيست، محققة بذلك أعلى تمثيلية برلمانية لها منذ قيام دولة إسرائيل سنة 1948.
ولم يكن هذا التقدم مجرد نتيجة انتخابية عادية، بل جاء ثمرة تعبئة واسعة للمواطنين العرب الفلسطينيين داخل إسرائيل، وأعاد تشكيل التوازنات البرلمانية، وجعل ممثليهم طرفاً أساسياً في الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة.
غير أن هذه النتيجة تطرح مفارقة سياسية ومؤسساتية لافتة: فبينما يُعترف للمواطنين العرب بحق المشاركة في الانتخابات والوصول إلى المؤسسة التشريعية، لا يزال إشراك الأحزاب التي تمثلهم في السلطة التنفيذية يثير اعتراضات وتحفظات داخل الطبقة السياسية الإسرائيلية.
وقد شهدت تل أبيب والقدس تجمعات احتجاجية طالبت بفتح المجال أمام شراكة سياسية حقيقية بين ممثلي المواطنين اليهود والعرب في الحكومة المرتقبة.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون المواطن العربي مؤهلاً للمساهمة في انتخاب من يحكمون البلاد، دون أن يكون له الحق نفسه في المشاركة في تدبير شؤونها وتحديد سياساتها؟
أولاً: انتخابات 2026… تحول في موازين القوى البرلمانية.
أسفرت النتائج النهائية لعملية فرز الأصوات، المنشورة يوم 30 أكتوبر 2026، مع انتظار استكمال التصديق الرسمي عليها، عن التوزيع التالي:
● معسكر بنيامين نتنياهو: 53 مقعداً.
● معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت: 48 مقعداً.
● الأحزاب ذات القيادة العربية: 19 مقعداً.
وتتوزع المقاعد العربية بين:
● القائمة المشتركة: 11 مقعداً.
● القائمة العربية الموحدة «رعم»: 8 مقاعد.
وقد بلغت نسبة المشاركة الانتخابية حوالي 77.97%، وشهد التصويت العربي تعبئة مهمة رفعت التمثيلية العربية إلى مستوى غير مسبوق.
وبما أن الأغلبية المطلقة المطلوبة لتشكيل الحكومة هي 61 مقعداً، فإن أياً من المعسكرين الرئيسيين لا يستطيع تشكيل حكومة بمفرده.
أما جمع مقاعد المعارضة اليهودية، وعددها 48، بمقاعد الأحزاب العربية، وعددها 19، فيوفر إمكانية حسابية للحصول على 67 مقعداً.
لكن الإمكانية الحسابية لا تعني بالضرورة إمكانية سياسية، لأن عدداً من قيادات المعارضة لا يزال يتحفظ على التعاون مع الأحزاب العربية أو يرفضه بصورة صريحة.
وهكذا لم يعد السؤال مقتصراً على معرفة الفائز في الانتخابات، بل أصبح يتعلق بمدى استعداد القوى السياسية للاعتراف بالنتائج الانتخابية باعتبارها أساساً لتقاسم المسؤوليات الحكومية.
ثانياً: الحالة الإسرائيلية… استثناء لافت في الممارسة الديمقراطية الدولية.
إن ما يجري في إسرائيل يستحق المقارنة مع التجارب الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم.
ففي عدد من الديمقراطيات المعاصرة، تشارك الأحزاب التي تمثل الأقليات القومية واللغوية والإثنية والمناطقية في الائتلافات الحكومية، بل تتولى أحياناً مسؤوليات وزارية وقطاعات أساسية في تدبير الشأن العام.
ففي بلجيكا، تشارك الأحزاب الممثلة للمكونات اللغوية المختلفة في تشكيل الحكومات الاتحادية وتوزيع المسؤوليات الوزارية.
وفي نيوزيلندا، شارك الحزب الماوري في ائتلافات حكومية، وتولى ممثلوه مسؤوليات وزارية.
وفي فنلندا، شارك حزب الشعب السويدي، الذي يدافع عن مصالح المواطنين الناطقين باللغة السويدية، في حكومات ائتلافية متعددة.
أما في كندا، فتشكل التعددية اللغوية والإقليمية جزءاً من الحياة السياسية، وتشارك الأحزاب المختلفة في آليات التعاون البرلماني والحكومي.
ولا يعني ذلك أن هذه التجارب متطابقة مع الحالة الإسرائيلية، فلكل دولة تاريخها ونظامها الدستوري وطبيعة علاقاتها بين الأغلبية والأقليات.
لكنها تؤكد مبدأ أساسياً: إن الانتماء إلى أقلية قومية أو لغوية لا يشكل في حد ذاته مانعاً من تولي المسؤوليات الحكومية في الديمقراطيات التعددية.
ومن هنا تبرز خصوصية الحالة الإسرائيلية.
فالمشكلة لا تتعلق فقط بوجود أقلية عربية داخل البرلمان، وإنما بالعلاقة المعقدة بين تعريف إسرائيل لنفسها باعتبارها دولة يهودية، ومواطنة الفلسطينيين العرب داخلها، واستمرار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
وهذه العناصر مجتمعة تمنح مسألة مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة أبعاداً قومية وتاريخية وجيوسياسية تتجاوز الحسابات العادية لتشكيل الائتلافات الحكومية.
ثالثاً: من التمثيلية البرلمانية إلى المشاركة في السلطة التنفيذية.
منذ قيام إسرائيل سنة 1948، يتمتع المواطنون العرب بحق التصويت والترشح للانتخابات التشريعية، وقد تمكن ممثلوهم من الوصول إلى الكنيست.
لكن ينبغي التمييز بين التمثيلية داخل المؤسسة التشريعية والمشاركة في السلطة التنفيذية.
فالكنيست مؤسسة للتشريع والرقابة والتمثيل السياسي، بينما تتولى الحكومة تحديد التوجهات العامة للبلاد في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والدبلوماسية.
وعلى امتداد عقود، ظلت الأحزاب العربية بعيدة إلى حد كبير عن الائتلافات الحكومية.
ولا يتعلق الأمر بوجود منع قانوني عام يحظر عليها المشاركة في الحكومة بسبب هويتها العربية، وإنما بتراكم مجموعة من العوامل السياسية والأيديولوجية والهوياتية، فضلاً عن الخلافات المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
كما أن بعض الأحزاب العربية نفسها تتحفظ على المشاركة الحكومية إذا لم تكن مصحوبة بالتزامات ملموسة وضمانات سياسية واجتماعية تستجيب لانتظارات ناخبيها.
وبذلك تتجلى المفارقة في الممارسة السياسية: فالمواطنة تتيح المشاركة في الانتخابات والتمثيل البرلماني، لكن الوصول إلى مراكز القرار التنفيذي يظل محاطاً بعوائق وتحفظات خاصة.
رابعاً: تجربة 2021… سابقة تاريخية لم تنه الاستبعاد التقليدي.
من الناحية التاريخية، ليس صحيحاً أن الأحزاب العربية لم تشارك مطلقاً في تشكيل الحكومات الإسرائيلية.
فقد شهد شهر يونيو 2021 سابقة مهمة عندما انضم حزب القائمة العربية الموحدة «رعم»، بقيادة منصور عباس، إلى الائتلاف الحكومي الذي تشكل حول نفتالي بينيت ويائير لابيد.
وكان ذلك أول انضمام لحزب عربي مستقل إلى ائتلاف حكومي إسرائيلي في التاريخ السياسي الحديث للدولة.
وقد استند هذا الاختيار إلى مقاربة براغماتية تقوم على الانتقال من المعارضة الخارجية إلى التأثير من داخل المؤسسات، مقابل الحصول على التزامات تتعلق بتحسين أوضاع المواطنين العرب، خصوصاً في مجالات التنمية والتعليم والسكن والخدمات العمومية.
وقد أثبتت تلك التجربة أن التعاون السياسي بين أحزاب يهودية وعربية ممكن من الناحية العملية.
غير أن سقوط حكومة بينيت ولابيد سنة 2022 لم يسمح بتحويل تلك السابقة إلى تقليد سياسي مستقر.
وتعيد انتخابات 2026 القضية إلى الواجهة، ولكن في ظروف مختلفة، بالنظر إلى ارتفاع عدد المقاعد العربية إلى 19، وما يترتب عن ذلك من وزن سياسي وبرلماني.
خامساً: القضية الفلسطينية… العامل الذي يعقد المشاركة الحكومية.
لا يمكن فهم صعوبة مشاركة الأحزاب العربية في الحكومات الإسرائيلية دون استحضار القضية الفلسطينية.
فالمواطنون العرب في إسرائيل يحملون الجنسية الإسرائيلية، لكن قطاعاً واسعاً منهم يحتفظ أيضاً بهوية وطنية فلسطينية.
وتختلف مواقف الأحزاب التي تمثلهم بشأن العلاقة بالسلطة الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية، والاحتلال والاستيطان، والعمليات العسكرية الإسرائيلية.
وتستعمل بعض الأحزاب اليهودية هذه الاختلافات مبرراً لرفض التعاون الحكومي مع الأحزاب العربية.
لكن من الضروري التمييز بين المواطنة الإسرائيلية والهوية الوطنية الفلسطينية والانتماء السياسي.
فلا يمكن اعتبار المواطن العربي أقل أهلية من المواطن اليهودي للمشاركة في تدبير مؤسسات بلاده بسبب أصله أو هويته الوطنية.
إن المعيار الديمقراطي ينبغي أن يرتبط بالبرامج السياسية والالتزامات الحكومية واحترام القواعد الدستورية والقانونية، لا بالأصل القومي للمواطنين.
سادساً: تسعة عشر مقعداً… قوة انتخابية أم شريك في اتخاذ القرار؟
لقد وضعت نتائج انتخابات 2026 أحزاب المعارضة اليهودية أمام معادلة سياسية واضحة.
فهي لا تستطيع تجاهل المقاعد التسعة عشر التي حصلت عليها الأحزاب العربية إذا كانت تطمح إلى تشكيل أغلبية برلمانية.
لكن التعاون السياسي يمكن أن يتخذ أشكالاً مختلفة:
1. المشاركة المباشرة في الائتلاف الحكومي وتولي مسؤوليات تنفيذية.
2. تقديم دعم برلماني من الخارج وفق اتفاق سياسي واضح.
3. إبرام تفاهمات بشأن مشاريع القوانين والأولويات الاجتماعية والاقتصادية.
4. التنسيق لإسقاط الحكومة القائمة دون إقامة شراكة مؤسساتية حقيقية.
وهذه الصيغ ليست متساوية من حيث التأثير.
فالمشاركة في الحكومة تتيح الوصول المباشر إلى مراكز القرار، بينما يظل الدعم الخارجي محدوداً نسبياً في التأثير على التوجهات التنفيذية.
ومن حق الأحزاب العربية تحديد الشروط السياسية والاجتماعية التي تراها ضرورية لأي تعاون، كما يقع على الأحزاب اليهودية أن توضح ما إذا كانت مستعدة فعلاً للاعتراف بها كشريك في تدبير شؤون الدولة.
فلا ينبغي اختزال أصوات المواطنين العرب في مجرد رصيد انتخابي يُستعمل لتغيير موازين القوى، ثم يُستبعد أصحابه عندما يتعلق الأمر بتوزيع المسؤوليات الحكومية.
سابعاً: الاختبار الحقيقي… الانتقال من الاعتراف الانتخابي إلى الاعتراف السياسي.
إن القضية التي أعادتها انتخابات 2026 إلى الواجهة تتجاوز مسألة تشكيل الحكومة المقبلة.
إنها تمس مفهوم المساواة السياسية داخل مجتمع تتداخل فيه التوترات القومية والهوياتية والتاريخية.
ففي الديمقراطيات التعددية، تستمد شرعية المشاركة في السلطة من المواطنة والاقتراع العام والنتائج الانتخابية والقدرة على إبرام التفاهمات السياسية.
أما الحالة الإسرائيلية فتطرح صعوبة خاصة: فالمواطنون العرب يستطيعون المشاركة في الانتخابات وإيصال ممثليهم إلى البرلمان، لكن تحويل هذه التمثيلية إلى شراكة حكومية فعلية يظل موضع خلاف سياسي عميق.
ولا يعني ذلك أن الديمقراطيات الأخرى تجاوزت جميع أشكال التمييز أو الإقصاء التي قد تتعرض لها الأقليات.
لكن استمرار الفصل السياسي بين التمثيلية العربية والمشاركة في السلطة التنفيذية داخل إسرائيل يشكل خصوصية تستحق التحليل والنقاش.
خاتمة: الديمقراطية تُقاس أيضاً بمكانة الأقليات داخل مؤسسات الحكم.
إن حصول الأحزاب العربية على 19 مقعداً في انتخابات أكتوبر 2026 يمثل حدثاً سياسياً مهماً.
فهو يعكس تعبئة انتخابية واسعة ويمنح ممثلي المواطنين العرب قدرة على التأثير في التوازنات البرلمانية لا يمكن تجاهلها.
لكن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد النواب المنتخبين وحده، بل في إمكانية تحويل هذه التمثيلية إلى مشاركة فعلية في تدبير الشأن العام واتخاذ القرارات.
فالديمقراطية لا تقاس فقط بانتظام الانتخابات، وتعدد الأحزاب، وحرية التنافس، وتنوع التمثيلية داخل البرلمان.
إنها تقاس أيضاً بمدى قدرتها على ضمان مشاركة المواطنين المنتمين إلى الأقليات في تحديد السياسات العمومية وتولي المسؤوليات الحكومية على قدم المساواة.
فهل يمكن أن يكون المواطن العربي في إسرائيل مؤهلاً للمساهمة في انتخاب الحكام، دون أن يكون مؤهلاً بالقدر نفسه للمشاركة في الحكومة؟
ذلك هو جوهر المفارقة التي أعادت انتخابات 2026 طرحها بقوة داخل المشهد السياسي الإسرائيلي.
