الشعر في زمن الموت

الشعر في زمن الموت
شارك

الشاعرة نرجس ريشة

 

« لا حياة للشعر في زمن الموت » ….

تنهدها القلم حسرة وقد راودتُهُ عن صمته الطويل.

 – هل لي بلحظية يغاث فيها البياض؟

– عذرا، فأنا لا أحسن إلا الكبرياء والعصر عصر هوان.

 – حدثني عن الهوان إذن؟ –

– بل أحدثك عن الكبرياء،

أرأيت الليث يكتم جرحه كي لا تَنظَرهُ الضباع، أرأيت النسر يؤثر الموت على القمة على أن ينتهي لقمة حية تلوكها الهوام … أرأيت الفارس يُشْهِر ابتسامته في وجه قاتليه على أن يكتب التاريخ أن الموتَ قدّ جسده من دُبر… ذاك أنا، أقصد، ذاك هو الكبرياء.

 – تقصد أنك أقوى من أن تبكي؟

– بل أنا أضعف من ألاّ أفعل، وأكبر من أن أفعل فوق أوراق تستبيحها عيون العابرين.

أنا البكاء عينه على صفحاتيَ العذراء، تلك التي لا تغادر جوارير ذاكرتي ولا أنتقي لأجلها استعارات تواري جنوني وغضبي ومُجوني.

 أنا لا أبكي سقوطي ولا أكتب له تاريخا يُذكّرني به، وما كان يوماً حبري ملك احتضاراتي.

ماذا عن الموت؟

سلام وصفاء، أول خطوة في طريق الأبد. ذقته أكثر مما ظننتُ أنّي أستطيع، وكنت بعدَهُ أصلبَ مما ظنت أني سأكون. أقسى ميتاتي تلك التي خذلتني فيها جوانحي وجفّ بها حبري فَفَزَعتُ عن كل القواميس وكل اللغات وتعطلت فيها كل المشاعر؛ عجزت فيها عن الحب والغضب والعتاب؛ عجزت حتى عن الشعور بلذة الرحيل الأكبر… رحيلي عني.

وأجمل ميتاتي آخرها، دعوتُ أن أُبعثَ بعدَها من جديد، كما أُريدُني، وهج كلمات وبريق شعر. داهمتني آخر السكرات على جرف سحيق، الأزرق اللاّزوردي يوشوشني ترانيم الخريف، شمس باردة تُخاتل جسدي الملتهب، الأمواج المتكسرة على الوَهْدِ تناديني، وصمت مهیب استولى على الأشياء من حولی … يا أ الله … ما أجمل صوت السقوط من قمة الشتات نحو رحم الأرض… سلام وصفاء.

وهل عدت بعدها؟

 لا تستعجلي الرجوع، أستعيدني الهُوَيْنى كي لا أكون بعض حاضرٍ من زمن ماضْ، فلستُ القلم الذي يكتب الجرح قصيدتين ولا النسر الذي يقبل الوقوف على ذات الجرف مرتين. ستعرفين حين أعود، حين أباغتك في اللاّمكان واللاّزمان، حين تجديني في كل حقائبك اليومية التي تحملين، في هلوساتك وعلى طاولة مطبخك، في بكائك وابتساماتك، ستعرفين حين أقض نومك كطفل صغير كي تكتبي حلما لم يكن شيئا، فصار.

ستعرفين حين أغضب كحبيب نرجسي عند انشغالك، سأغضب كي لاتري سواي ولاتكلمي سواي ولاتحبي وتصمتي فتهجري إلا من خلالي . ستعرفين حين تجديني في إشارات المرور وعلى كراريس الصغار وطاولة بائع العُلّيْقِ في الحي البعيد. لا تستعجلي… ستعرفين حين أعود.

تعرف أني أشتاقك!

تشتاقين نفسك.

أنانية منّي؟

 وإن يكن. ليس كفرا أن تَسْتَنْقِدي فسيلةً منك بعد كل هذه الحرائق، ولا جرما أن تحبّي أناك بقدر عطائك للآخرين. لن يموتوا لموتك ولن يحزنوا عليك أكثر مما قُدِّر للحزن أن يعيش. سيعتادون غيابك كما اعتادوا حضورك المُبالَغ فيه حتى صرتِ المكسَبَ اللاّمرئيَّ في تفاصيل وجودهم ، ثوري ،تَجَدّدي، أشهِري رفضك في وجه دكتاتورية أعينهم البريئة ، مشّطي جدائل الطريق إلى دواخلك، نقطي عطرك في جوف القناديل وامتطى صهوة جوادِ بأجنحةٍ من نور … كوني أنت ، بكِ ولكِ …

أ …

 دعيني الآن أغفو…

 مُرهقٌ أنا …

 ومُرهقةٌ أنتِ…

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *