تاريخ مدينة الرباط في القرن التاسع عشر للأستاذ عبد العزيز الخمليشي

تاريخ مدينة الرباط في القرن التاسع عشر للأستاذ عبد العزيز الخمليشي
شارك

علال بنور

   يبدو أن كل تقديم لقراءة أي منتوج في المعرفة التاريخية، هو محاولة استكشافية لمنعطفات الكتاب، وبالتالي تقتضي القراءة المتأنية، طرح تساؤلات وملاحظات حول المدينة التاريخية المغربية. هل هي وليدة تفاعل عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية من داخل المجتمع المغربي، أم هي منتوج استعماري؟ وهل يحق لنا الحديث عن مفهوم المدينة المغربية قبل الاستعمار؟ علما أن المؤرخ مدعو إلى الحفاظ على استعمال المفاهيم والمفردات في زمنها الحاضر والماضي، دون خلط في الأزمنة ودون اسقاط زمن على زمن آخر على حد قول المؤرخ « وجيه كوثراني ». وهل يجوز القول إن المدينة التاريخية المغربية قبل الاستعمار شكلت نقطة انطلاق وتحول للمدينة العصرية الآنية؟

  يمكن اعتبار، أن المدينة الاستعمارية عند انشائها وتنظيمها لم تنبثق من تطور طبيعي للقوى الاجتماعية ونمط الإنتاج الاقتصادي داخل المجتمع المغربي ما قبل الاستعمار، بل هي منتوج أجنبي مستورد، تجاور مع المدينة النواة / المسورة. بذلك حافظت المدينة المغربية على ازدواجية العمران والأنشطة الاقتصادية بين المدينة النواة والمدينة الأوربية التي شيدها الاستعمار على محيط النواة، فأصبح يؤثثها عمرانيا نموذجين، النموذج المغربي والنموذج الغربي.

  سنحاول التعرف على نشأة وتطور المدينة المغربية من خلال دراسة الأستاذ عبد العزيز الخمليشي في كتابه  » مدينة الرباط في القرن التاسع عشر( 1818 – 1912): جوانب من الحياة الاجتماعية والاقتصادية « ، هو في الأصل أطروحة جامعية لنيل دكتوراه الدولة في التاريخ، قدمت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط يوم 11 يوليوز 2007 .دراسة تتكون من 564 صفحة تحتوي مقدمة وستة فصول ،غطت الدراسة في الزمان والمكان مراحل التطور العمراني من دلالة الاسم والموقع إلى مرحلة التدهور مرورا بمرحلة التأسيس ثم  دراسة مرافق المدينة، كاشفة علاقات الترابط بمنهج يجمع بين الوصف والتفسير والتحليل، غاصة في المنهج السوسيولوجي لترصيص البنية التاريخية للمدينة، مفسرة العلاقات الاجتماعية في تعددها الإثني، ثم انتقلت الدراسة إلى أنماط الإنتاج الفلاحي بمحيط المدينة ، وتعدد الصناعات بداخلها، فربطت علاقات الإنتاج بالتجارة في بعدها التنظيمي واتجاهاتها الخارجية والداخلية .

  نبه الأستاذ الخمليشي في مقدمة كتابه، أن الاخباريين والدارسين الأجانب لتاريخ المغرب على الأقل خلال القرن التاسع عشر، أهملوا تاريخ البادية مركزين اهتمامهم على تاريخ المدن. غير أن الأستاذ الخمليشي استثنى من هذا القول مدينة الرباط. فأشار إن الإخباريين الرباطيون انصب اهتمامهم على جانب واحد هو التعريف فقط بأعيان المدينة، ولم يعروا اهتماما لمكونات ومرافق مدينة الرباط شأنهم شأن من كتبوا عن باقي المدن المغربية، بمعنى أن المدينة المغربية لم تحظ باهتمام الإخباريين إلى أن جاء الدارسون الأجانب.

  تعددت مصادر الكتاب مع مواقعها الارشيفية بين المدن المغربية وفرنسا واسبانيا. وفي هذا الصدد، كان للأستاذ الخمليشي السبق من بين المؤرخين في اقتحام ارشيفات نظارة الأوقاف ووثائق المحافظة العقارية بالرباط. كما تطرقت الدراسة إلى موضوع مراحل تطور المدينة مع الموحدين حيث لعبت وظيفة جهادية، وفي عهدي المرينيين والسعديين، دخلت المدينة إلى مرحلة الإهمال، فتحولت إلى قلعة شبه مهجورة. ومع القرن 19م سنجدها استعادت رونقها ووظيفتها الجهادية، خاصة مع الوفود الأندلسية، فاستقلت في إطار نظام  » دولة المدينة »- التي عرفتها أوربا خلال القرن 16م – إلى أن توحدت مع باقي المدن المغربية في زمن العلويين، فأصبحت عاصمة ثانوية للمخزن العلوي بدءا مع حكم السلطان محمد بن عبد الله.

 بقيت الرباط إلى حدود فترة الحماية – وهو الزمن التاريخي الذي توقفت عنده الدراسة- قليلة العمران، لم تتجاوز في عدد أحيائها 11 حيا (حومة) إضافة إلى قصبة لوداية، وفي نفس الزمن تواجدت المساجد والاضرحة والزوايا، توحي لزائرها أنها مدينة استشفائية روحانية.

 كما أكدت الدراسة، إن عدد السكان ظل على امتداد القرن 19م ثابتا لم يتجاوز 25 ألف نسمة، وفي إطار المقارنة، نجد الدار البيضاء في نفس القرن وصل عدد سكانها إلى حوالي 300.000 نسمة. تنطبق عليها جغرافيا نظرية  » التوازن التقليدي »، وفي نفس الوقت عرفت الرباط ظاهرة الهجرة نحو الدار البيضاء وأمريكا اللاتينية، غير أن الأستاذ الخمليشي لم يعطينا سببا مقنعا لعملية الطرد، خاصة نحو أمريكا اللاتينية، فهل هذه الهجرة مست المغاربة فقط أم الأجانب أم هما معا. أما بالنسبة لاستقرار الأجانب بمدينة الرباط، كان في أغلبيتهم من الفرنسيين والإسبان، لم يتجاوز عددهم حوالي 108 أوربي سنة 1911.

 توضح الدراسة وبشكل مفصل، أن مدينة الرباط، كان بها العديد من البساتين والحقول الفلاحية، منها مجموعة داخل السور وأخرى من خارج السور، تشكل محيطا فلاحيا للمدينة. كانت المشاهد الفلاحية تنقسم من حيث الملكية إلى أقسام: ملكيات المخزن وملكيات الأحباس ثم ملكيات أعيان المدينة، وأخرى ملكيات الأجانب. ومن هنا نطرح سؤالا: هل كان منذ هذه الفترة، الحق للأجانب تملك العقارات؟ تقر الدراسة أن المخزن، كانت له حيازات فلاحية أكثر من باقي الملاك، فكان السلطان العلوي المولى عبد العزيز يملك أجود البساتين.

  بالرغم من تعدد ملكية الحيازات وما تنتجه من خيرات، فإن انتاجها لم يكن كافيا لتغذية المدينة عكس القاعدة التي تقول: إن المدن تتغذى من محيطها الفلاحي، الشيء الذي لم يتوافر لمدينة الرباط. هل كانت خيراتها الفلاحية تصدر إلى خارج المغرب أم كانت تصدر إلى باقي المدن المغربية أم الإنتاج الفلاحي بمحيط المدينة كان يمثل اقتصاد القلة؟؟؟

  اعتبرت الدراسة، أن مدينة الرباط من أهم المدن الصناعية بالمغرب خلال القرن 19م، نلاحظ هناك نوع من المبالغة في إعطاء هذه القيمة لمدينة الرباط مقارنة مع مراكش وفاس وتارودانت، هذه المدن الثلاث كان لها صيت في الصناعة الحرفية أسبق من الرباط، كما نسجل في نفس السياق، أن الدراسة لم تستعمل مفهوم » الحرف » إلا لماما، الشيء الذي خلق لنا ارتباكا عند القراءة. هل القصد من الصناعة هي الحرف أم هناك ازدواجية في النوع؟ على كل حال، إن الدراسة تؤكد، أن الإنتاج الصناعي الرباطي كان ينافس صناعة فاس ومراكش خاصة صناعة النسيج والجلود. ومن عوامل أزمة الصناعة، التقلبات المناخية المؤدية إلى الجفاف، بمعنى أن الصناعة، كان لها ارتباط قوي بالمنتجات الفلاحية. ولم يقف الأستاذ الخمليشي عند هذا العامل بل أعطى عوامل أخرى مساهمة في أزمة الصناعة، تمثلت في احتكار الأجانب للمواد الفلاحية لتصديرها إلى الخارج إضافة إلى ثقل الضرائب والهدايا للأعيان، كما ساهمت هذه العوامل في اضعاف قدرات الحرفيين.

  أما على مستوى التجارة، فإنها كانت رهينة الإنتاج بين مد وجزر في تطورها، خاصة أن المحلات التجارية كانت في ملكية الاحباس، يستغلها التاجر الصغير الذي كان يعاني من ثقل الضرائب، أما التجار الكبار على قلتهم في العدد وكثرتهم في الممتلكات العقارية، كانت لهم تجارة رابحة، سواء داخل المدينة أو خارجها بالدار البيضاء ومراكش، أما التجار الأجانب، كانت لهم امتيازات مخزنية، يملكون العقارات ويشرفون على عملية التصدير ويقومون بالاحتكار والمضاربة والسمسرة والامتناع عن أداء الضرائب.

 عموما، قدمت الدراسة تاريخا شاملا للمدينة، تحديدا من بنيات دقيقة في معطياتها من مرافق المدينة ومجتمعها المكون من عناصر مختلفة وصناعتها وتجارتها وفلاحتها. جعلت القارئ يلم بتاريخ القرن 19م لمدينة الرباط.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *