لماذا كلما ضاق الشعب ذرعًا يستنجد بملك البلاد دون الحكومة والبرلمان أو الأحزاب والنقابات؟
بقلم: محمد خوخشاني
ثقة عمياء في الملك… وفقدان ثقة شبه تام في المؤسسات
كلما اشتدت الأزمات الاجتماعية أو تصاعد الاحتقان في الشارع المغربي، نسمع أصوات المواطنين تتوجه مباشرة إلى الملك، مطالبة بتدخله لحل الأوضاع، متجاوزة بذلك الحكومة والبرلمان والأحزاب والنقابات. فلماذا تتكرر هذه الظاهرة؟ ولماذا يختار الشعب “الملاذ الملكي” بدل اللجوء إلى المؤسسات المنتخبة التي من المفترض أن تمثله وتدافع عن مصالحه؟
أولًا: إرث تاريخي عميق الجذور
الملكية في المغرب ليست مجرد نظام سياسي حديث، بل هي مؤسسة تاريخية ودينية تشكلت عبر قرون طويلة من خلال عقد البيعة الذي يربط الملك بالشعب على أساس الولاء مقابل العدل والرعاية. هذه الشرعية الروحية والسياسية جعلت من الملك رمزًا جامعًا فوق كل الخلافات، وملاذًا طبيعيًا في الأزمات.
ثانيًا: فشل المؤسسات الوسيطة في كسب الثقة
منذ سنوات، يعيش المواطن المغربي خيبة أمل متكررة في الأداء السياسي:
– أحزاب فقدت قدرتها على التأطير والتعبئة.
– حكومة تتهرب من مسؤولياتها أو تختبئ وراء التوجيهات العليا.
– وبرلمان يشتغل كغرفة تسجيل أكثر من كونه فضاءً للمحاسبة.
نتيجة لذلك، تآكلت الثقة الشعبية في هذه المؤسسات، وصار المواطن يرى أن الطريق الأسرع لحل مشكلاته هو التوجه مباشرة إلى الملك.
ثالثًا: الملكية في صميم التوازن الدستوري
دستور 2011 رسّخ دور الملك باعتباره رئيس الدولة وضامن استقلالها ووحدتها، والحَكَم بين المؤسسات. هذه المكانة تجعل المواطن، حين يشعر بالظلم أو الإقصاء، يرى في الملك المرجع الأعلى للعدل والإنصاف، لا سيما عندما تفشل المؤسسات الأخرى في القيام بدورها.
رابعًا: بعد نفسي واجتماعي
يتجذر في الوعي الجماعي المغربي تصور الملك كـ ‘أب للأمة’، يسمع ويستجيب حين يُنادى عليه. هذه العلاقة الوجدانية تُترجم في شعارات متجذرة مثل: ‘الله، الوطن، الملك’. لذلك، حين يشعر المواطن بالعجز أمام البيروقراطية أو الفساد، يجد في التوجه إلى الملك مخرجًا وجدانيًا قبل أن يكون سياسيًا.
خامسًا: الإعلام يعزز الصورة الرأسية
من خلال تغطيته اليومية، ساهم الإعلام في ترسيخ فكرة أن الحلول تأتي من القمة. نادراً ما تُبرز وسائل الإعلام أدوار البرلمان أو النقابات في معالجة الملفات الاجتماعية، في حين يُقدَّم تدخل الملك كحَسم وإنقاذ. هذا التمثّل عزز ذهنية ‘الدولة الأبوية’ في المخيال الشعبي.
سادسًا: انعكاسات هذا النمط
من جهة، يعزز هذا الارتباط الاستقرار والالتفاف حول المؤسسة الملكية، باعتبارها الضامن لوحدة البلاد. لكن من جهة أخرى، يُضعف ثقافة المسؤولية لدى باقي الفاعلين السياسيين ويجعل الإصلاح رهينًا بالتدخل الملكي المستمر، بدل أن يكون نابعًا من إرادة مؤسساتية جماعية.
خاتمة
استنجاد الشعب بالملك كلما ضاق ذرعًا ليس ضعفًا في الولاء، بل قوة في الإيمان بدوره كحكم وضامن. غير أن تكرار هذا السلوك يكشف عن أزمة ثقة مزمنة في الوسائط السياسية التي فشلت في تمثيل المواطن وتأطيره. إن بناء مغرب جديد، كما دعا إليه الملك في أكثر من خطاب، يمر عبر إعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة والنقابية حتى لا يبقى المواطن محتاجًا في كل مرة إلى التدخل الملكي كحلٍّ وحيد للأزمات.
