مجتمع المشهد بوصفه بنية سياسية: من الفعل إلى التفرّج قراءة في فكر غي ديبور على ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة

مجتمع المشهد بوصفه بنية سياسية: من الفعل إلى التفرّج قراءة في فكر غي ديبور على ضوء الفلسفة النقدية المعاصرة
شارك

محمد السميري

مقدّمة

لم يعد ممكنًا فهم السياسة المعاصرة انطلاقًا من المفاهيم الكلاسيكية للسلطة، مثل الدولة أو الحاكم أو القانون وحده. فمع التحولات العميقة التي شهدها النظام الرأسمالي العالمي منذ منتصف القرن العشرين، ظهرت أنماط جديدة من السيطرة لا تمارس سلطتها بالقوة المباشرة، بل من خلال إنتاج الصور والرغبات وأنماط الإدراك. في هذا السياق، قدّم الفيلسوف الفرنسي غي ديبور مفهوم «مجتمع المشهد» بوصفه تشخيصًا جذريًا لشكل السلطة الحديثة¹.

تهدف هذه الورقة إلى تحليل مفهوم مجتمع المشهد باعتباره نظامًا سياسيًا متكاملًا، لا مجرد ظاهرة إعلامية، مع ربطه بإسهامات مفكرين آخرين في الفلسفة النقدية، وتدعيم كل فكرة بأمثلة واقعية من الحياة المعاصرة.

______________

أولًا: المشهد ليس إعلامًا بل سياسة

يبدأ ديبور كتابه مجتمع العرض بالتأكيد على أن:

«المشهد ليس مجموعة من الصور، بل علاقة اجتماعية بين أشخاص، تتوسّطها الصور»².

بهذا التعريف، يخرج المشهد من كونه مسألة تقنية أو إعلامية، ليصبح بنية سياسية تنظم العلاقات الاجتماعية. فكما كان الإقطاع ينظّم المجتمع عبر الأرض، والدولة الحديثة عبر القانون، ينظّم مجتمع المشهد الحياة عبر الصورة.

مثال توضيحي:

نشرات الأخبار العالمية لا تنقل الأحداث كما هي، بل تعيد تركيبها وفق سرديات محددة: صورة حرب، أو أزمة لاجئين، أو احتجاج اجتماعي، تُقدّم للمشاهد جاهزة للتلقي. هكذا يتحوّل المواطن إلى «مُشاهِد سياسي» بدل أن يكون فاعلًا سياسيًا.

______________

ثانيًا: من السلطة السياسية إلى السلطة الاقتصادية

يشير ديبور إلى أن الرأسمالية لم تعد بحاجة إلى السيطرة المباشرة عبر الدولة، بل أصبح الاقتصاد هو الحاكم الفعلي، بينما تحوّلت الأنظمة السياسية إلى واجهات شكلية³.

هذه الفكرة تتقاطع مع تحليل كارل ماركس لمفهوم السلعة، حيث تتحوّل العلاقات بين البشر إلى علاقات بين أشياء⁴. غير أن ديبور يذهب أبعد من ماركس، معتبرًا أن السلعة لم تعد مجرد شيء مادي، بل صورة ونمط حياة.

مثال توضيحي:

قد تختلف الأنظمة السياسية بين دولة ليبرالية وأخرى سلطوية، لكن نمط الاستهلاك متشابه: الهواتف الذكية نفسها، المنصات نفسها، الإعلانات نفسها. لم يصوّت أحد على هذه الخيارات، ومع ذلك فُرضت على الجميع باعتبارها «طبيعية» و«ضرورية».

______________

ثالثًا: موت الفعل السياسي وولادة المتفرّج

في مجتمع المشهد، لا يمارس الفرد السياسة، بل يراقبها. وهنا يلتقي ديبور مع حنّة آرنت التي ميّزت بين الفعل والعمل والشغل، معتبرة أن الفعل السياسي هو أعلى أشكال الوجود الإنساني⁵. غير أن هذا الفعل، في زمن المشهد، يتآكل لصالح التلقي السلبي.

مثال توضيحي:

الانتخابات في كثير من الدول تُختزل في متابعة المناظرات، والإعلانات السياسية، واستطلاعات الرأي، بينما يشعر المواطن أن صوته لا يغيّر شيئًا جوهريًا. السياسة هنا تُشاهَد أكثر مما تُمارَس.

______________

رابعًا: الاحتجاج بوصفه مشهدًا

من أكثر أطروحات ديبور إثارة للجدل قوله إن حتى الاحتجاج يمكن استيعابه داخل منطق المشهد⁶. فالتظاهر، بدل أن يكون كسرًا للنظام، يتحوّل إلى حدث إعلامي قابل للاستهلاك.

مثال توضيحي:

احتجاجات جيل Z في المغرب، كما في كثير من السياقات العالمية، انتشرت عبر الفيديوهات القصيرة والوسوم (hashtags). شاهدها المؤيد والمعارض على حد سواء، وتحوّلت إلى محتوى رقمي يُتداوَل، من دون أن يؤدي بالضرورة إلى تغيير بنيوي في علاقات السلطة. الاحتجاج هنا يُشاهَد أكثر مما يُعاش.

يتقاطع هذا التحليل مع هربرت ماركوز الذي رأى أن الأنظمة الحديثة قادرة على احتواء المعارضة وتحويلها إلى جزء من النظام نفسه⁷.

______________

خامسًا: الانفصال وتحطيم التجربة المشتركة

المفهوم المركزي الذي يفسّر به ديبور هيمنة المشهد هو الانفصال. فالإنسان المعاصر منفصل عن الآخرين، عن الواقع، وحتى عن ذاته. لم نعد نعيش التجربة مباشرة، بل من خلال تمثيلها.

مثال توضيحي:

زيارة مكان سياحي لم تعد تجربة حسية مباشرة، بل نشاطًا فوتوغرافيًا: التقاط الصور، نشرها، انتظار التفاعل. اللحظة لا تُعاش لذاتها، بل بوصفها مادة للعرض.

يتقاطع هذا التحليل مع رؤية جان بودريار حول عالم «المحاكاة»، حيث تحل الصور محل الواقع نفسه⁸.

______________

سادسًا: الصورة بوصفها أداة سلطة

في مجتمع المشهد، لا تُستخدم الصورة للتعبير، بل للفرض. فهي تحدّد ما هو جميل، وما هو ناجح، وما هو مرغوب.

مثال توضيحي:

نماذج الجسد المثالي التي تروّجها الإعلانات ومنصات التواصل تخلق معايير موحّدة للجمال، تدفع الأفراد إلى استهلاك منتجات وخدمات، بل وإلى كراهية ذواتهم إن لم يطابقوا الصورة.

هنا يمكن استحضار ميشيل فوكو، الذي بيّن كيف تُمارَس السلطة عبر تشكيل الأجساد والرغبات، لا عبر القمع فقط⁹.

______________

سابعًا: استيعاب الفن والنقد داخل المشهد

حتى الفن «البديل» والنقدي لا ينجو من منطق المشهد. فحين يتحوّل إلى منتج نخبوّي يُستهلك، يفقد قدرته على إحداث قطيعة حقيقية.

مثال توضيحي:

الأفلام «الفنية» التي تنتقد الرأسمالية قد تُعرض في مهرجانات عالمية برعاية شركات كبرى، فتتحوّل إلى سلعة ثقافية، ويصبح المشاهد ناقدًا سلبيًا بدل أن يكون فاعلًا مبدعًا.

______________

خاتمة

يكشف مفهوم «مجتمع المشهد» عن تحوّل عميق في طبيعة السلطة والسياسة. فالمشكلة لم تعد في غياب الحرية الشكلية، بل في فقدان القدرة على التخيّل والفعل. أخطر ما في المشهد ليس ما يُظهره، بل ما يمنعه: إمكانية عيش واقع مشترك، وصناعة تاريخ جماعي.

إن استعادة الفعل السياسي، وفق ديبور ومفكري النقد المعاصر، لا تبدأ بإنتاج صور بديلة، بل بكسر منطق المشاهدة ذاته، والعودة إلى التجربة الحيّة، والمشاركة، والخلق الجماعي للمعنى.

______________

المراجع

  1. غي ديبور، مجتمع العرض، 1967.
  2. المرجع نفسه، الرسالة رقم 4.
  3. المرجع نفسه، الرسائل رقم 24–34.
  4. كارل ماركس، رأس المال، المجلد الأول، 1867.
  5. حنّة آرنت، الحالة الإنسانية، 1958.
  6. غي ديبور، تعليقات على مجتمع العرض، 1988.
  7. هربرت ماركوز، الرجل أحادي البعد، 1964.
  8. جان بودريار، المحاكاة والمحاكيات، 1981.

9.    ميشيل فوكو، المراقبة والعقاب، 1975

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *