سقوط الإمبراطورية الأمريكية: هل يدير دونالد ترامب أفول الهيمنة العالمية؟ في تحقيق خاص استناداً إلى حوار مع إيمانويل تود
محمد السميري
مقدمة
هل تقود الولايات المتحدة العالم… أم تدير انسحابها الكبير؟
بعد عام على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تتكاثر المؤشرات على تراجع القوة الأمريكية عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً. في هذا التحقيق الخاص، نستند إلى قراءة المفكر الفرنسي إيمانويل تود، أحد أبرز منظّري سقوط الإمبراطوريات، لتفكيك مشهد أفول الهيمنة الأمريكية: من أوكرانيا إلى الاقتصاد، ومن الانقسام الداخلي إلى مستقبل أوروبا. قراءة في عالم يتغير… وقوة كبرى لم تعد كما كانت.
______________
في لحظة تاريخية تتسارع فيها التحولات الجيوسياسية، يبرز دونالد ترامب مجدداً في واجهة المشهد العالمي، لا بوصفه منقذاً للإمبراطورية الأمريكية، بل – وفق قراءة المفكر الفرنسي إيمانويل تود – كمديرٍ لمرحلة أفولها. وإيمانويل تود هو مؤرخ وعالم اجتماع وأنثروبولوجيا فرنسي، يُعد من أبرز منظّري التحولات الجيوسياسية، واشتهر عالمياً بتنبؤه المبكر بسقوط الاتحاد السوفياتي في سبعينيات القرن الماضي، وبأعماله النقدية حول بنية الإمبراطوريات الغربية. بعد عام على عودته إلى البيت الأبيض، لم تعد الولايات المتحدة، في نظر تود، القوة العظمى التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب الباردة، بل دولة مأزومة تحاول إخفاء تراجعها بسلوك عدواني متقطع وخطاب صاخب.
هذا التحقيق يستند إلى حوار معمّق مع إيمانويل تود، المؤرخ وعالم الاجتماع المعروف، مدعَّم ببيانات اقتصادية وصناعية وعسكرية، ليقدّم قراءة شاملة لمظاهر التراجع الأمريكي، داخلياً وخارجياً، في ظل ما يمكن تسميته بـ«الترامبية المتأخرة».
أوكرانيا: الهزيمة التي لا يُراد الاعتراف بها
يضع تود الحرب في أوكرانيا في قلب تشخيصه للضعف الأمريكي. من وجهة نظره، لم تعد المسألة تتعلق بصراع مفتوح، بل بهزيمة استراتيجية تمّت إدارتها بصمت. «ترامب جاء ليحكم الهزيمة الأمريكية، لا ليمنعها»، يقول تود بوضوح.
الواقع الميداني – كما يراه – كشف تفوقاً صناعياً روسياً مدعوماً بعمق صيني، في مقابل عجز أمريكي متزايد عن تزويد أوكرانيا بالذخيرة والسلاح. إنتاج روسيا من القذائف يفوق بكثير القدرة الغربية، بينما اصطدمت الولايات المتحدة بحدود طاقتها الصناعية. قرار ترامب وقف الإمدادات العسكرية لم يكن توجهاً سلمياً بقدر ما كان محاولة لتجميد خسارة لم يعد بالإمكان قلب موازينها.
في المقابل، حاولت الإدارة الأمريكية الحفاظ على صورة القوة عبر عمليات استخباراتية سرية، استهدفت منشآت طاقة روسية، دون تغيير جوهري في مسار الحرب. النتيجة، كما يشير تود، أن روسيا تقترب من تحقيق أهدافها الاستراتيجية، بينما تنسحب واشنطن خطوة خطوة، دون شجاعة الاعتراف بالهزيمة.
عجز صناعي بنيوي: أمريكا خارج زمن الحروب الكبرى
لا يرى تود في هذا الفشل مجرد ظرف عابر، بل نتيجة مسار طويل من التفكك الصناعي. الولايات المتحدة، وفق بيانات حديثة، لا تنتج سوى أقل من 0.1% من السفن عالمياً، ونحو 5% فقط من الرقائق الإلكترونية، مقابل هيمنة آسيوية واضحة: الصين بنسبة 37%، وتايوان 16%.
بهذا المعنى، لم تعد أمريكا قادرة على خوض حرب تقليدية طويلة. ما تبقى لها هو ما يسميه تود «مسرح النانو-عسكرية»: ضربات محدودة، استعراضات قوة ضد دول ضعيفة، تهدف أساساً إلى إقناع الداخل الأمريكي بأن الإمبراطورية ما زالت حية.
اقتصاد مأزوم: فشل النيوليبرالية والترامبية معاً
اقتصادياً، لا تقل الصورة قتامة. العجز التجاري الأمريكي بلغ نحو 60 مليار دولار شهرياً في 2023، فيما تجاوز الدين العام سقف 40 تريليون دولار. حاول ترامب معالجة الاختلالات عبر تصعيد حمائي غير مسبوق، بفرض رسوم جمركية وصلت إلى 145% على الصين، لكن الرد الصيني كان حاسماً: تقييد تصدير المعادن النادرة، ما كشف هشاشة الصناعة الأمريكية وأجبر واشنطن على التراجع.
الأخطر، كما يلفت تود، أن الميزان الزراعي الأمريكي أصبح سلبياً لأول مرة في تاريخه الحديث. دولة كانت تطعم العالم، باتت عاجزة عن تأمين اكتفائها الغذائي. هنا، لا تعود الأزمة ظرفية، بل تمس جوهر النموذج الاقتصادي الأمريكي.
إمبراطورية بلا مركز: الحلفاء يتجهون شرقاً
تعتمد الولايات المتحدة، عملياً، على أطراف إمبراطوريتها الصناعية: تايوان واليابان في مجال الرقائق، وأوروبا في الاستهلاك والدعم السياسي. غير أن هذه الأطراف، بحسب تود، بدأت تعيد تموضعها بهدوء، متجهة أكثر نحو الصين، التي أصبحت الشريك التجاري الأول لمعظم دول العالم.
أما الرسوم التي فرضها ترامب على أوروبا، فيراها تود تعبيراً عن ارتباك لا عن قوة. فاعتماد أوروبا على السوق الأمريكية لا يتجاوز 8% من صادراتها، لكن النخب الأوروبية – وفق وصفه – تضخم الخطر لتبرير استمرار التبعية.
التفكك الاجتماعي: حين يسقط الداخل قبل الخارج
يرى تود أن جوهر السقوط أمريكي داخلي بالدرجة الأولى. المجتمع الأمريكي يعيش حالة تفكك عميق: تراجع في متوسط العمر، ارتفاع وفيات الرضع، وانقسام ثقافي حاد. القاعدة الاجتماعية لترامب تنتمي أساساً إلى طبقات أقل تعليماً، تعيش شعوراً بالاستبعاد الثقافي أكثر من الفقر الاقتصادي.
هذا الغضب يتجلى في سياسات قمعية: تشديد قوانين الهجرة، طرد مئات الآلاف، التضييق على الإعلام، والهجوم على برامج التنوع. لكن تود لا يراها سياسات قوة، بل أعراض قلق وجودي.
«أمريكا فقدت بنيتها الأخلاقية القديمة، دون أن تبني بديلاً جامعاً»، يقول تود. الفردانية المتطرفة، بلا رابط اجتماعي أو ديني، أنتجت مجتمعاً عنيفاً، خائفاً، وسريع الانقسام.
أوروبا بين الوهم والخطر
عداء ترامب لأوروبا، في نظر تود، ليس سياسياً فقط، بل ثقافي. أوروبا تمثل ما يرفضه جزء من المجتمع الأمريكي: التعليم، الدولة الاجتماعية، والذاكرة التاريخية. لكن الخطر الحقيقي، كما يحذر، يكمن في عجز القادة الأوروبيين عن قراءة التحول.
الاستمرار في دعم أوكرانيا، بينما تنسحب واشنطن عملياً، يضع أوروبا في موقع هش. «أوروبا ليست ضعيفة كما تعتقد، لكنها تتصرف كقاصر سياسي»، يقول تود، داعياً إلى تحرر استراتيجي حقيقي.
خاتمة: درس الإمبراطوريات المتعبة
في المحصلة، لا يقدم إيمانويل تود صورة انتقامية عن الولايات المتحدة، بل تشخيصاً بارداً لانهيار إمبراطوري مألوف في التاريخ. ترامب، في هذا السياق، ليس سبب السقوط، بل مدير مرحلته الأخيرة.
«الرحمة مطلوبة للمهزومين»، يختم تود، «لكن الغفران لا يكون بالإنكار».
أما نحن، في أوروبا والعالم العربي، فالسؤال ليس في سقوط أمريكا، بل في قدرتنا على التعلم من أخطائها، قبل أن نجد أنفسنا نكرر المسار ذاته.
