الزراعة المكثفة والصحة العمومية والانتقال نحو الزراعة البيولوجية بالمغرب.
بقلم، محمد خوخشاني.
على مدى عقود، قُدِّمت الزراعة المكثفة باعتبارها مكسباً حداثياً كبيراً. إنتاج أكثر، وبسرعة أكبر، وبتكلفة أقل؛ ذلك كان شعار نموذج إنتاجي هدفه الأساسي تغذية سلاسل صناعية لتحويل المنتجات الفلاحية إلى مواد غذائية موجهة لمختلف فئات المستهلكين. وقد مكّن الاستخدام الواسع للأسمدة الكيماوية والمبيدات والبذور المحسّنة من رفع المردودية بشكل ملحوظ وتوفير وفرة غير مسبوقة في الأسواق.
غير أن لهذه الوفرة ثمناً.
فمع امتلاء رفوف المتاجر بالمنتجات المصنّعة والمعلّبة والمُسوَّق لها عبر حملات إشهارية مكثفة، بدأت الدراسات العلمية تدق ناقوس الخطر. فقد ارتبطت الزيادة المضطردة في الأمراض المزمنة – كالسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسمنة – بالاستهلاك المفرط للسكريات والدهون المشبعة والمواد المضافة، إضافة إلى بقايا المبيدات في السلسلة الغذائية. النموذج الذي رآكم الأرباح لفائدة الصناعات الغذائية أصبح يثقل كاهل المنظومات الصحية العمومية.
والمغرب ليس بمنأى عن هذه التحولات.
أنماط استهلاك متغيرة… ومخاطر قائمة.
شهدت المدن المغربية خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً في استهلاك المنتجات الغذائية الصناعية، بفعل التحضر المتسارع، وتغير نمط العيش، ودخول المرأة سوق الشغل، وضيق الوقت، ما عزز الإقبال على الأطعمة الجاهزة وسريعة التحضير. وفي المقابل، تسجل الأمراض غير المعدية نسباً مقلقة في الارتفاع، خاصة داء السكري وأمراض القلب والشرايين.
ولا يعني ذلك شيطنة الصناعة الغذائية الوطنية التي تؤدي دوراً اقتصادياً مهماً، ولكن من غير المقبول تجاهل المخاطر المرتبطة بالإفراط في استهلاك الأغذية فائقة التصنيع.
التحول نحو الزراعة البيولوجية: خيار استراتيجي أم توجه محدود؟
في هذا السياق، اتجهت عدة دول إلى دعم الزراعة البيولوجية كبديل أكثر احتراماً للصحة والبيئة. أما في المغرب، فقد تم إدماج هذا التوجه ضمن الاستراتيجيات الفلاحية الوطنية.
مخطط المغرب الأخضر.
أطلق مخطط المغرب الأخضر سنة 2008، وكان محطة أساسية في تحديث القطاع الفلاحي. ورغم تركيزه على الإنتاجية والتنافسية، فقد مهّد الطريق للاعتراف بالزراعة البيولوجية كأحد المكونات المستقبلية للقطاع.
استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030.
عززت استراتيجية « جيل أخضر » 2020-2030 هذا التوجه، من خلال التركيز على الاستدامة، وتثمين المنتجات المحلية، ودعم سلاسل الإنتاج ذات القيمة المضافة، ومن ضمنها الزراعة البيولوجية.
وقد حدد المغرب أهدافاً لتوسيع المساحات المزروعة بيولوجياً وتنظيم هذه السلسلة الإنتاجية. غير أن نسبة استهلاك المنتجات البيولوجية داخل السوق الوطنية ما تزال محدودة، إذ يظل جزء مهم من الإنتاج موجهاً نحو التصدير بسبب ضعف القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين.
إطار قانوني منظم.
سنّ المغرب القانون رقم 39-12 المتعلق بالإنتاج البيولوجي للمنتجات الفلاحية والبحرية، إضافة إلى نصوص تنظيمية تحدد شروط الاعتماد والمراقبة ووضع علامة “Bio Maroc”. ويهدف هذا الإطار القانوني إلى حماية المستهلك وضمان الشفافية والجودة.
غير أن فعالية هذه الترسانة التشريعية تبقى رهينة بمدى صرامة المراقبة الميدانية ووعي المستهلكين بأهمية الاختيار الغذائي السليم.
دعم الفلاحين الراغبين في التحول.
يستفيد الفلاحون الراغبون في اعتماد النمط البيولوجي من:
- مواكبة تقنية،
- دعم لعمليات الاعتماد والمصادقة،
- تشجيع على التصدير،
- مبادرات جهوية لتثمين المنتوج.
لكن عملية التحول تبقى مكلفة وتتطلب فترة انتقالية قد تنخفض خلالها المردودية قبل الحصول على شهادة “بيولوجي”، ما يفرض الحاجة إلى آليات دعم أكثر تحفيزاً، وسوق داخلية قادرة على استيعاب هذه المنتجات بأسعار معقولة.
نحو سيادة غذائية صحية ومستدامة.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين الزراعة التقليدية والبيولوجية، بل في بناء نموذج فلاحي متوازن يجمع بين الإنتاجية واحترام البيئة وحماية صحة المواطن.
ويتطلب ذلك:
- تشجيع الممارسات الفلاحية الإيكولوجية،
- إدماج التربية الغذائية في المناهج الدراسية،
- تقنين الإشهار المتعلق بالمنتجات فائقة التصنيع،
- دعم التعاونيات والمسالك القصيرة،
- جعل المنتجات البيولوجية في متناول الطبقة المتوسطة.
يمتلك المغرب مؤهلات طبيعية وبشرية ومؤسساتية تؤهله لقيادة هذا التحول. غير أن نجاحه رهين بإرادة سياسية تضع صحة المواطن في صلب السياسات الفلاحية والصناعية.
فالزراعة في المستقبل لا ينبغي أن تكون مربحة فحسب، بل مسؤولة أيضاً.
لم يعد المطلوب أن ننتج أكثر، بل أن ننتج أفضل.
