الصحافة… حراس الحقيقة في زمن المخاطر.

الصحافة… حراس الحقيقة في زمن المخاطر.
شارك

بقلم: محمد خوخشاني.

ليست الصحافة مجرد مهنة لكسب العيش، بل هي رسالة أخلاقية ومسؤولية تاريخية. فالصحفي الذي يلتزم بقواعد المهنة لا يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل يتحول إلى شاهد على العصر، يبحث عن الحقيقة، وينير الرأي العام، ويمنح صوتًا لمن لا صوت لهم. وفي عالم تتصارع فيه الحقائق مع الشائعات، وتتسارع فيه الأحداث، يصبح وجود الصحفي النزيه ضرورة قصوى.

غير أن طريق الحقيقة لم يكن يومًا آمنًا. فكم من صحفي دفع حياته ثمنًا لتمسكه بنقل الوقائع دون تزوير. وتشير تقارير لجنة حماية الصحفيين إلى أن عام 2024 شهد مقتل 124 صحفيًا على الأقل في العالم، وهو رقم قياسي منذ ثلاثة عقود. ولم يكن العام التالي أقل مأساوية، إذ استمر سقوط الصحفيين في مناطق النزاع.

أما الحرب على غزة، منذ خريف 2023، فتحولت إلى واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ الصحافة المعاصرة. فوفق تقارير حقوقية وصحفية، قُتل أكثر من 140 صحفيًا وعاملًا في الإعلام منذ بدايتها. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، بل حكايات إنسانية لمراسلين ظلوا يرسلون التقارير من تحت القصف، ومصورين وثقوا الدمار وهم يعلمون أن العدسة قد تجعلهم هدفًا. بعضهم قتل وهو يرتدي سترة الصحافة، وبعضهم مع أفراد عائلته بعد استهداف منازلهم.

إن استهداف الصحفيين ليس اعتداءً على أفراد فقط، بل هو محاولة لدفن الحقيقة وإسكات الشهود عليها. فالتاريخ يعلمنا أن أول ما يخشاه الظلم هو الضوء، وأول من يستعجل إسكاتهم هم من يكتبون الحقيقة. ولذلك تؤكد المواثيق الدولية ضرورة حماية الصحفيين، خاصة في مناطق النزاع، بوصفهم مدنيين يؤدون مهمة إعلامية للمجتمع الدولي.

الصحافة الحرة ليست امتيازًا، بل ركيزة من ركائز الديمقراطية. ولا يمكن لمجتمع أن يدّعي احترام الحرية دون ضمان سلامة الصحفيين واستقلالية الإعلام. ومع ذلك، يواجه الصحفيون في أنحاء العالم اعتقالات تعسفية، وحملات تشويه، وتهديدات بالقتل. تشير تقارير دولية إلى أن أكثر من خمسمائة صحفي كانوا خلف القضبان في السنوات الأخيرة فقط بسبب عملهم.

ورغم كل هذه الضغوط، تظل أقلام ترفض الصمت. إنهم حراس الحقيقة في زمن الاضطراب، يدركون أن الكلمة الصادقة قد تكون أقوى من الرصاص، وأن كشف الحقيقة يزعج النافذين لكنه يخدم الإنسانية.

فالمجتمعات التي تحمي صحافييها تحمي حقها في المعرفة، وتلك التي تسمح بإسكاتهم تفتح الباب أمام الظلام. الدفاع عن الصحفيين ليس دفاعًا عن مهنة فقط، بل دفاع عن الحقيقة نفسها. لأن الحقيقة، مهما طُمست، تجد دائمًا من يكتبها. لكن حين يُقتل الصحفيون، فإن الحقيقة هي التي يُراد دفنها.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *