حين تتسخ الأيدي: من وهم النقاء الأيديولوجي إلى حقيقة الدوافع الخفية — قراءة نقدية في “Les Mains sales” وربطها بتحولات الأحزاب المعاصرة

حين تتسخ الأيدي: من وهم النقاء الأيديولوجي إلى حقيقة الدوافع الخفية — قراءة نقدية في “Les Mains sales” وربطها بتحولات الأحزاب المعاصرة
شارك

محمد السميري:

في لحظات التحول التاريخي الكبرى، لا يعود الأدب مجرد انعكاس للواقع، بل يتحول إلى أداة تفكيك عميقة لبنياته الخفية. من هذا المنظور، تبرز مسرحية Les Mains sales (1948) بوصفها عملًا يتجاوز زمنه، إذ لا تكتفي بسرد حكاية سياسية، بل تغوص في طبقات الفعل الإنساني لتكشف التوتر القائم بين ما نعلنه من مبادئ وما تخفيه دواخلنا من دوافع. كتب سارتر هذا النص في سياق أوروبي مضطرب، حيث كانت القارة الخارجة من الحرب العالمية الثانية تعيد تشكيل نفسها على وقع صراع أيديولوجي حاد، خاصة مع صعود الماركسية كأفق نظري وعملي لكثير من الحركات السياسية. غير أن هذا الصعود، كما يلمح سارتر، لم يكن خاليًا من التناقضات، بل كان يحمل في داخله بذور أزماته.

تدور أحداث المسرحية في بلد خيالي يعيش حالة احتقان سياسي، حيث ينتمي “هوغو”، الشاب المثقف الطموح، إلى حزب ثوري يسعى إلى تغيير موازين القوى. في هذا السياق، يُكلَّف هوغو بمهمة تبدو، للوهلة الأولى، واضحة ومباشرة: اغتيال “هويديرير”، أحد قادة الحزب البارزين، بسبب تبنيه خطًا سياسيًا قائمًا على التفاوض مع الخصوم، وهو ما تعتبره قيادة الحزب خيانة للمبادئ الثورية. يدخل هوغو إلى بيت هويديرير تحت غطاء العمل السياسي، حاملاً سلاحه ووعيه المشبع بخطاب النقاء الأيديولوجي، مقتنعًا بأنه بصدد تنفيذ “حكم تاريخي” باسم القضية.

غير أن المسرحية لا تسير في اتجاه تنفيذ بسيط لهذه المهمة، بل تبدأ في تفكيكها من الداخل. فمع مرور الوقت، يجد هوغو نفسه في مواجهة شخصية هويديرير، التي لا تتطابق مع الصورة النمطية “للخائن”. على العكس، يظهر هويديرير كرجل واقعي، يدرك تعقيد الوضع السياسي، ويؤمن بأن تحقيق الأهداف الكبرى قد يقتضي تنازلات مؤلمة، بل “توسّخ اليدين”، إن صح التعبير. هذا الاحتكاك يولّد داخل هوغو ارتباكًا متزايدًا؛ إذ لم يعد الصراع بين “حق وباطل” كما كان يتصور، بل بين رؤيتين للفعل السياسي: واحدة مثالية تبحث عن النقاء، وأخرى براغماتية تنطلق من الممكن.

في خضم هذا التوتر، يتعقد الوضع أكثر حين تتداخل العوامل الشخصية مع السياسية. فوجود “جيسيكا”، زوجة هوغو، في نفس الفضاء، وتطور علاقتها مع هويديرير، يفتح بابًا للغيرة والشك داخل نفس هوغو. هنا، يصل الصراع إلى ذروته: لم يعد بإمكانه التمييز بين ما هو سياسي وما هو شخصي، بين ما يمليه عليه الحزب وما تمليه عليه ذاته. وفي لحظة انفجار، يقدم على قتل هويديرير، لكن هذه المرة، لا كمناضل ينفذ قرارًا سياسيًا خالصًا، بل كإنسان ممزق، مدفوع بمزيج من الغيرة، والرغبة في إثبات الذات، والخوف من فقدان المعنى. وهكذا، تتحول “العملية الثورية” إلى فعل ملتبس، يكشف هشاشة الادعاء بالنقاء.

من خلال هذا البناء الدرامي المتدرج، لا يقدم سارتر مجرد حكاية، بل يضعنا أمام إشكال فلسفي عميق: هل يمكن للفعل السياسي أن يكون نقيًا؟ أم أن كل ممارسة سياسية، مهما ادعت الطهر، تظل مشبعة بدوافع شخصية خفية؟ إن هوغو، الذي أراد أن يكون “يدًا نظيفة” في عالم متسخ، يكتشف متأخرًا أن يديه قد تلطختا، لا فقط لأنه قتل، بل لأنه لم يكن صادقًا تمامًا مع نفسه بشأن دوافعه. في المقابل، يبدو هويديرير، الذي يعترف منذ البداية بضرورة “توسّخ اليدين”، أكثر اتساقًا مع الواقع، حتى وإن كان ذلك على حساب المثال.

لا تتوقف قوة المسرحية عند هذا التفكيك للأيديولوجيا، بل تمتد إلى بعدها الفني، حيث يحول سارتر الخشبة إلى فضاء جدلي تتصارع فيه الأفكار عبر شخصيات حية. الحوار المكثف، والتوتر النفسي المتصاعد، والانتقال من الصراع الخارجي إلى الداخلي، كلها عناصر تجعل النص نابضًا بالحياة، وقادرًا على إشراك القارئ أو المشاهد في عملية التفكير نفسها، بدل الاكتفاء بتلقي نتائجها.

وإذا كان هذا التحليل قد صيغ في سياق أوروبي بعد الحرب، فإن راهنيته تتجلى بوضوح عند إسقاطه على واقع الأحزاب المعاصرة، سواء تلك التي تتبنى مرجعيات اشتراكية أو دينية. ففي الحالة الأولى، نلاحظ أن كثيرًا من الأحزاب التي رفعت شعارات العدالة الاجتماعية والمساواة، وجدت نفسها، مع مرور الوقت، منخرطة في ممارسات سياسية براغماتية، تقوم على التحالفات والتسويات، وأحيانًا التنازلات التي تتناقض مع خطابها الأصلي. هذا التحول لا يمكن فهمه فقط كخيانة للمبادئ، بل أيضًا كتعبير عن تعقيد الواقع، وعن حضور دوافع أخرى، تتراوح بين الرغبة في البقاء داخل السلطة، والحفاظ على الموقع، وإعادة إنتاج النخب.

أما الأحزاب ذات المرجعية الدينية، فإنها تطرح إشكالًا موازياً، وإن بصيغة مختلفة. فهي تنطلق من خطاب أخلاقي أو قيمي يمنحها، في نظر أتباعها، نوعًا من “النقاء” أو الشرعية الخاصة. غير أن الممارسة السياسية تكشف، بدورها، عن صراعات داخلية، وتنافس على القيادة، وتوظيف للخطاب الديني كأداة تعبئة، بل وأحيانًا كغطاء لرهانات دنيوية بحتة. وهنا، يتكرر منطق هوغو: الاعتقاد بالصفاء، مع الوقوع في تناقضات الواقع، دون وعي كامل بطبيعتها.

إن ما تكشفه هذه المقارنة ليس مجرد تشابه سطحي، بل بنية عميقة مشتركة: الأيديولوجيا، مهما كانت طبيعتها، لا تلغي الإنسان الذي يحملها، بما فيه من رغبات، ومخاوف، وطموحات. بل قد تتحول، في بعض الأحيان، إلى لغة تبرر بها هذه الدوافع، وتمنحها شكلًا مقبولًا أو حتى “نبيلًا”. وهنا تكمن خطورة الوهم، لا في “توسّخ اليدين” في حد ذاته، بل في إنكار هذا التوسّخ، أو تغليفه بخطاب يطمئن الضمير دون أن يواجه الحقيقة.

في المحصلة، لا تدعونا مسرحية “Les Mains sales” إلى تبني البراغماتية المطلقة، ولا إلى التمسك بالمثالية العمياء، بل إلى وعي التوتر القائم بينهما، وإدراك أن الفعل السياسي هو دائمًا نتاج تداخل معقد بين الفكرة والرغبة، بين المبدأ والمصلحة، بين ما نعلنه وما نعيشه فعليًا. وربما يكون الدرس الأعمق الذي يقدمه سارتر هو أن الصدق مع الذات، حتى في الاعتراف بـ”اتساخ الأيدي”، يظل أكثر قيمة من وهم النقاء الذي يخفي تحت سطحه كل ما لا نريد رؤيته.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *