كيف رأى إميل حبيبي ما لم يره غيره؟ قراءة في « المتشائل »… الرواية التي أعادت تعريف البطولة والهزيمة
محمد السميري:
لو سألنا مائة قارئ: كيف تتخيل بطل رواية فلسطينية؟ فغالباً ستكون الإجابات متشابهة؛ شاب يحمل بندقية، يقاوم الاحتلال، يضحي بنفسه، ويواجه عدواً واضحاً. فهذه هي الصورة التي صنعتها عقود طويلة من الأدب الوطني، وهي صورة لها مشروعيتها التاريخية والأخلاقية. لكن ماذا لو جاء روائي فلسطيني عاش النكبة بنفسه، وقرر أن يهدم هذه الصورة كلها؟ ماذا لو جعل بطل روايته رجلاً يخاف أكثر مما يواجه، ويتكيف أكثر مما يثور، ويثير الضحك أكثر مما يثير الإعجاب؟ هل يكون قد أساء إلى القضية الفلسطينية، أم أنه رأى فيها ما لم يره الآخرون؟
هذا هو السؤال الذي يجعل « المتشائل » واحدة من أكثر الروايات العربية جرأة، لأن إميل حبيبي لم يكتب ضد البطولة، بل كتب عن الجانب الذي كانت البطولة تخفيه. لقد أدرك أن الاحتلال لا يصنع المقاومين فقط، بل يصنع أيضاً بشراً عاديين، يذهبون إلى أعمالهم، ويربون أبناءهم، ويحاولون أن يعيشوا، وهم يدفعون كل يوم ثمن وجودهم في وطن لم يغادروه، لكنه تغير من حولهم حتى أصبحوا يشعرون بالغربة فيه.
ولكي نفهم لماذا كتب إميل حبيبي هذه الرواية، علينا أن نعود إلى حياته، لا بوصفها سيرة ذاتية، بل بوصفها مفتاحاً لفهم رؤيته للعالم. فقد وُلد سنة 1922 في مدينة حيفا، وعاش النكبة بكل تفاصيلها. لكنه، على خلاف كثير من المثقفين الفلسطينيين، لم يغادر وطنه بعد قيام دولة إسرائيل سنة 1948، بل بقي في الداخل،وانتمى للحزب الشيوعي الإسرائيلي، وعاش التجربة التي لم تكن معروفة في الأدب العربي آنذاك: تجربة الفلسطيني الذي أصبح أقلية في وطنه، يحمل جنسية الدولة التي قامت على أنقاض مجتمعه، ويتعامل مع مؤسساتها، بينما يحتفظ في داخله بذاكرة شعب هُزم ولم يختف.
هذه التجربة ليست تفصيلاً في حياة الكاتب، بل هي أصل الرواية كلها. فغسان كنفاني كتب عن اللاجئ، ومحمود درويش كتب عن المنفى والهوية، أما إميل حبيبي فكتب عن سؤال مختلف تماماً: كيف يعيش الإنسان إذا لم يغادر وطنه، لكنه لم يعد يشعر أنه الوطن الذي عرفه؟
لم يكن اختيار إميل حبيبي لهذا السؤال صدفة، ولم يكن أيضاً مجرد انعكاس لتجربته الشخصية، بل كان نتيجة لحظة تاريخية عاشها الفلسطينيون بعد سنة 1948، وهي لحظة كثيراً ما يُختزل الحديث عنها في كلمة واحدة هي « النكبة »، مع أن النكبة لم تكن تجربة واحدة، بل تجارب متعددة. فهناك من تحول إلى لاجئ في لبنان أو سوريا أو الأردن، وهناك من حمل السلاح لاحقاً، وهناك من بقي داخل فلسطين، وهو الفريق الذي ينتمي إليه إميل حبيبي، والذي ظل لسنوات طويلة شبه غائب عن الأدب العربي.
لقد وجد هؤلاء أنفسهم في وضع يكاد يكون مستحيلاً من الناحية الإنسانية. فهم لم يغادروا أرضهم، لكن الأرض غادرتهم سياسياً. بقوا في بيوتهم، لكنهم استيقظوا ذات صباح ليكتشفوا أن السلطة التي تحكمهم لم تعد سلطتهم، وأن أسماء المدن والقرى والخرائط والقوانين تتغير من حولهم، وأن عليهم أن يتعلموا كيف يعيشون داخل واقع جديد لم يختاروه. لقد أصبحوا، بتعبير كثير من الباحثين، « أقلية في وطنها »، وهي حالة تختلف جذرياً عن تجربة المنفى التي عرفها الفلسطينيون خارج البلاد.
هذه التجربة المعقدة لم تكن تجد مكانها في الخطاب السياسي، لأن السياسة تبحث غالباً عن الوضوح، وعن الشعارات، وعن تقسيم العالم إلى معسكرين متقابلين. أما الأدب فيستطيع أن يدخل إلى تلك المناطق الرمادية التي تعجز السياسة عن وصفها. ولهذا كان إميل حبيبي بحاجة إلى الرواية، لا إلى البيان السياسي، لأن البيان يعلن المواقف، بينما الرواية تكشف التناقضات.
ومن هنا نفهم لماذا لم يكتب رواية عن المعارك، بل عن الحياة اليومية. لقد أدرك أن الاحتلال لا يظهر فقط في الدبابات والحواجز والسجون، بل يظهر أيضاً في التفاصيل الصغيرة: في الوظيفة، وفي المدرسة، وفي اللغة، وفي الخوف من كلمة قد تُفسَّر على غير معناها، وفي محاولات الإنسان الدائمة للتوفيق بين كرامته وحاجته إلى الاستمرار في العيش. كان يريد أن يقول إن التاريخ لا يُصنع في ساحات القتال وحدها، بل يُصنع أيضاً في المطابخ، وفي المكاتب، وفي الطرقات، وفي تلك القرارات الصغيرة التي يتخذها الإنسان كل يوم دون أن يشعر أنه يغيّر شيئاً في نفسه.
ولهذا جاءت شخصية سعيد أبي النحس.
ولو تعاملنا معه كما نتعامل مع شخصيات الروايات التقليدية، فسوف نفشل في فهمه. فهو ليس بطلاً بالمعنى المعروف، وليس شخصية شريرة، ولا حتى شخصية نفسية معقدة على طريقة دوستويفسكي. إن سعيد، في الحقيقة، فكرة أكثر منه شخصاً. إنه تجسيد لحالة إنسانية. إنه الإنسان الذي أصبح همه الأول أن ينجو، حتى لو اضطر إلى التكيف مع واقع يرفضه في أعماقه.
ولعل أول ما يلفت النظر هو الاسم نفسه. ففي الأدب العظيم لا تكون الأسماء اعتباطية. « سعيد » يوحي بالتفاؤل، بينما « أبو النحس » يوحي بالشقاء، وكأن الكاتب يعلن منذ الصفحة الأولى أن بطله يعيش انقساماً داخلياً لا يمكن حسمه. ثم يضيف كلمة « المتشائل »، وهي كلمة اخترعها بنفسه، ليقول إن اللغة العربية القديمة، بكل غناها، لم تعد تكفي لوصف هذه الحالة الجديدة. فلا الرجل متفائل، لأن الواقع لا يسمح بذلك، ولا هو متشائم تماماً، لأنه ما زال يتمسك بخيط رفيع من الأمل. إنه معلق بين الضدين، يعيشهما معاً، ولذلك احتاج إلى كلمة جديدة تصف إنساناً جديداً ولدته ظروف جديدة.
وهنا، في رأيي، يكمن أول ابتكار حقيقي في الرواية. فإميل حبيبي لم يأتِ بفكرة جديدة فقط، بل ابتكر لغة جديدة. وكل كاتب عظيم يترك وراءه كلمة أو صورة أو طريقة في التعبير تصبح جزءاً من الثقافة. كما نقول اليوم « الكافكاوية » لنصف عالماً بيروقراطياً عبثياً، أصبحت كلمة « المتشائل » تدخل إلى اللغة العربية لوصف إنسان يعيش بين الأمل واليأس.
لكن العبقرية الحقيقية للرواية لا تظهر في الاسم، بل في الطريقة التي جعل بها الكاتب القارئ يتعامل مع سعيد. فمنذ الصفحات الأولى نكاد نغضب منه. لماذا ينافق؟ لماذا يخاف؟ لماذا يتراجع؟ لماذا يحاول دائماً إرضاء السلطة؟ غير أن هذا الغضب لا يلبث أن يتحول إلى حيرة. فكلما أصدرنا عليه حكماً أخلاقياً، أعادتنا الرواية إلى الظروف التي يعيشها، فنكتشف أن الأحكام السريعة لا تكفي لفهم الإنسان.
وهنا، في تقديري، وصل إميل حبيبي إلى ما لم يصل إليه كثير من الروائيين. لقد حرر الرواية من فكرة البطل النموذجي. ففي التراث العربي كما في كثير من الروايات الحديثة، يكون البطل غالباً أفضل من القارئ أو أشجع منه. أما سعيد، فهو يشبه الناس العاديين. يخاف كما يخافون، ويتردد كما يترددون، ويحاول أن يجد مخرجاً وسط عالم لا يقدم له خيارات جيدة. ولذلك فإن القارئ، مهما حاول أن يحتقره، يجد نفسه مضطراً إلى الاعتراف بأنه يعرف أشخاصاً يشبهونه، وربما وجد في لحظة ما شيئاً منه في نفسه.
وهنا أعتقد أن إميل حبيبي لم يكن يسأل: كيف يكون الإنسان بطلاً؟ بل كان يسأل سؤالاً أكثر إزعاجاً: كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته عندما لا يستطيع أن يكون بطلاً؟
وهذا هو السؤال الذي لم يكن الأدب الفلسطيني قد طرحه بهذه الجرأة من قبل.
______________
لكن يبقى سؤال لا يمكن فهم « المتشائل » من دونه: لماذا اختار إميل حبيبي السخرية؟ لماذا لم يكتب رواية حزينة تبكي القارئ، كما فعل كثير من الأدباء الفلسطينيين؟ لماذا جعلنا نبتسم، بل نضحك أحياناً، ونحن نقرأ واحدة من أكثر التجارب الإنسانية قسوة؟
للوهلة الأولى يبدو الأمر متناقضاً. كيف يمكن أن يجتمع الضحك مع النكبة؟ وكيف يمكن أن تتحول المأساة إلى مادة للسخرية؟ غير أن هذا التناقض هو سر الرواية نفسها. فإميل حبيبي كان يدرك أن هناك لحظات في التاريخ يصبح فيها الواقع أكثر غرابة من الخيال، وأكثر عبثية من أن تصفه اللغة المباشرة. وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، لا يعود البكاء كافياً، لأن البكاء يفترض أن العالم ما زال يحتفظ بشيء من المنطق، بينما العبث لا يواجه إلا بالسخرية.
في المغرب نقول: « كثرة الهم كاتضحك. » ويقول المثل العربي القديم: « شرُّ البلية ما يُضحك. » وهذان المثلان، في رأيي، ليسا مجرد حكمتين شعبيتين، بل هما المفتاح الذي يفتح عالم « المتشائل ». فالضحك هنا لا يأتي لأن ما يحدث مضحك، بل لأن ما يحدث تجاوز حدود المعقول. لقد بلغ الألم درجة يصبح معها الضحك آخر وسيلة للدفاع عن النفس.
وهذا ما يجعلنا نضحك مع سعيد أبي النحس ثم نشعر، بعد لحظات، بأن الضحكة كانت تخفي شيئاً يشبه البكاء. إننا لا نضحك منه، بل نضحك معه، ثم نكتشف أننا في الحقيقة نضحك على واقع فقد منطقه.
ولذلك فإن السخرية عند إميل حبيبي ليست زينة لغوية، ولا وسيلة للتسلية، بل هي موقف فلسفي من العالم. إنها إعلان بأن الواقع أصبح من العبث بحيث لم تعد اللغة الجادة قادرة على احتوائه. وهنا يلتقي مع كبار الساخرين في الأدب العالمي، لكنه يمنح السخرية معنى فلسطينياً خاصاً. فالسخرية عنده ليست احتجاجاً على السلطة وحدها، بل احتجاج على التاريخ نفسه، وعلى المفارقة التي جعلت الإنسان غريباً في المكان الذي وُلد فيه.
لكن عبقرية الرواية لا تتوقف عند السخرية، بل تمتد إلى شكلها الفني، وهو جانب لا يحظى بما يستحقه من اهتمام عند كثير من القراء.
فلو تأملنا بناء الرواية، لوجدنا أننا لا نقرأ رواية تقليدية تبدأ من نقطة وتنتهي عند أخرى، بل نقرأ نصاً يتحرك بحرية بين الأزمنة والأصوات والأنواع الأدبية. أحياناً نشعر أننا أمام سيرة ذاتية، ثم نكتشف أننا داخل رسالة، ثم نجد أنفسنا في حكاية شعبية، ثم في مقامة، ثم في مشهد يكاد يكون أسطورياً. وكأن الكاتب جمع أجزاء من التراث العربي القديم، وأجزاء من الرواية الحديثة، وصهرها في عمل واحد.
وهنا تظهر خصوصية إميل حبيبي مقارنة بكثير من الروائيين العرب في جيله. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان عدد كبير من الروائيين العرب ينظرون إلى أوروبا بوصفها النموذج الأعلى للرواية الحديثة. تأثروا ببلزاك، وفلوبير، وتولستوي، ثم بجويس وفوكنر وكافكا. أما إميل حبيبي فقد اختار طريقاً آخر. لقد استفاد من الرواية الغربية بلا شك، لكنه عاد في الوقت نفسه إلى التراث العربي، لا ليقلده، بل ليعيد اكتشافه.
ففي « المتشائل » نجد روح المقامة في اللعب باللغة والسخرية، ونجد أثر ألف ليلة وليلة في الحكايات المتداخلة، ونجد صدى الجاحظ في المفارقات، ولمحات من أبي العلاء المعري في النظرة الساخرة إلى العالم. لكنه لا يعيد إنتاج هذه الأشكال كما هي، بل يستخدمها ليكتب رواية حديثة جداً. وكأنه يقول إن الحداثة لا تعني قطع الصلة بالتراث، بل إعادة استخدامه بطريقة جديدة.
وهذا ما يجعل لغة الرواية نفسها جزءاً من معناها. فاللغة عند إميل حبيبي ليست مجرد أداة لنقل الأحداث، بل هي بطل خفي في الرواية. إنها تتحرك بين الفصحى العالية والعبارة اليومية، وبين الاقتباس التراثي والسخرية الشعبية، فتخلق موسيقى خاصة لا تشبه أحداً. ولهذا السبب يصعب ترجمة « المتشائل » ترجمة كاملة، لأن كثيراً من جمالها قائم على اللعب باللغة العربية نفسها.
لكن، في رأيي، هناك ابتكار أهم من كل ما سبق، وربما لم يُلتفت إليه بما يكفي.
لقد اعتدنا أن تكون الشخصية الروائية هي مركز الأحداث، وأن تتحرك الأحداث حولها. أما في « المتشائل »، فإن الشخصية ليست هي البطل الحقيقي. البطل الحقيقي هو الواقع نفسه.
إن سعيد أبا النحس لا يصنع الأحداث، بل الأحداث هي التي تصنعه. إنه لا يغير العالم، بل العالم هو الذي يعيد تشكيله باستمرار. ولذلك نشعر، ونحن نقرأ الرواية، أن الشخصية تتحرك داخل شبكة من القوى أكبر منها: التاريخ، والسلطة، والخوف، والذاكرة، والهوية. وكلما حاولت أن تختار بحرية، اكتشفت أن خياراتها محدودة سلفاً.
وهنا، في رأيي، تكمن أعظم إضافة قدمها إميل حبيبي للرواية العربية. لقد نقل مركز الاهتمام من البطل إلى البنية التي تصنع البطل.
وهذه الفكرة تجد معادلها في الفكر السياسي، ففهم المجتمع لا يبدأ من الأشخاص، بل من الآليات والبنى التي تجعل الناس يتصرفون كما يتصرفون. أشعر أن إميل حبيبي فعل الشيء نفسه في الأدب. فهو لا يسأل: لماذا كان سعيد جباناً؟ بل يسأل: أي واقع يصنع هذا النوع من البشر؟
وهنا خرج من الأخلاق إلى علم الاجتماع، ومن الحكاية إلى تحليل البنية.
ولهذا، كلما قرأت « المتشائل »، ازددت اقتناعاً بأنها ليست رواية عن رجل اسمه سعيد أبو النحس، بل رواية عن كيفية صناعة الإنسان المقهور، وعن الثمن الذي يدفعه وهو يحاول أن يظل إنساناً.
______________
الخاتمة
لم يكتب إميل حبيبي رواية عن الهزيمة، بل عن الحياة بعد الهزيمة؛ عن الإنسان الذي لا يملك ترف البطولة، لكنه لا يريد أن يفقد إنسانيته. ولهذا لم يختر البكاء، بل السخرية، لأن هناك مآسي لا تستطيع اللغة الجادة أن تقولها. وفي المغرب نقول: « كثرة الهم كاتضحك »، ويقول المثل العربي: « شرُّ البلية ما يُضحك. » ولعل « المتشائل » هي التجسيد الأدبي الأبلغ لهذين المثلين. إنها رواية تعلمنا أن الضحك قد يكون آخر ما يتبقى للإنسان حين يصبح الواقع أشد غرابة من الخيال، وأن الروائي العظيم لا يغيّر الأحداث، بل يغيّر الطريقة التي نراها بها.
