كيف خسر رفاعة الطهطاوي معركته الأولى في باريس؟

كيف خسر رفاعة الطهطاوي معركته الأولى في باريس؟
شارك

قصة قصير

محمد السميري:

حين وطئت قدما رفاعة الطهطاوي شوارع باريس، كان يرتدي جلبابه، وبلغته الجلدية، ويعتمر عمامة بيضاء، ويتوكأ على عكاز خشبي. كان المارة يلتفتون إليه باستغراب، وكأن رجلًا خرج للتو من كتاب قديم وقرر أن يتجول في مدينة لا تشبه شيئًا مما عرفه من قبل. سار ببطء، بينما كانت باريس تجري من حوله؛ مصانع لا تتوقف، وورش تعج بالعمال، وشوارع تضج بالحركة، ووجوه تلاحق الوقت كأن اليوم لا يتسع لأحلامها.

جلس في أحد المقاهي ليستريح من دهشته، وما هي إلا لحظات حتى جلست أمامه شابة فرنسية فاتنة. نظرت إليه مبتسمة وقالت:

ـ سيدي… من أي كوكب جئت؟

ابتسم في حياء، وأجابها بأنه جاء من مصر.

قالت وهي تتأمل جلبابه وعمامته:

ـ وهل ترتدون هذا اللباس كل يوم؟

دار بينهما حديث طويل عن الشرق والغرب، وعن العادات والناس، ثم قالت له وهي تضحك:

ـ إذا أردت أن تعرف باريس حقًا، فلا يكفي أن تنظر إليها… يجب أن تصبح واحدًا منها.

لم يقاوم الفضول طويلًا. رافقها إلى متجر للألبسة، فخرج بعد ساعة يرتدي بذلة أوروبية أنيقة، وقميصًا أبيض، وربطة عنق، وحذاءً يلمع حتى كاد يرى وجهه فيه. صفقت الشابة إعجابًا، ثم قالت:

ـ بقي شيء واحد فقط…

دخل الحلاق. سقطت العمامة، واختفت اللحية، وصفف شعره بعناية، ثم أدار إليه المرآة.

حدق في صورته طويلًا…

كاد لا يعرف الرجل الذي ينظر إليه.

وفي المساء دعته إلى منزلها. وضعت أمامه كأسًا من النبيذ.

قال مترددًا:

ـ لا أشرب الخمر.

ابتسمت وقالت:

ـ كأس صغيرة… من أجل الصداقة.

شربها.

ثم شرب ثانية.

ثم ترك بقية الليل للذاكرة، التي قررت في تلك الليلة أن تأخذ إجازة.

استيقظ في الصباح مثقل الرأس، لا يرتدي إلا ملابسه الداخلية. كانت ثيابه الجديدة مطوية على الكرسي، وعلى الطاولة فنجان قهوة وصحن صغير من الفطر، بينما ما زالت رائحة عطر الشابة تملأ الغرفة. جلس يشرب قهوته بصمت، يحاول أن يجمع ما تبقى من أحداث الليلة الماضية، لكن ذاكرته كانت أكثر كرمًا في النسيان منها في التذكر.

وقبل أن يغادر، وقف أمام المرآة. لم يجد العمامة، ولا اللحية، ولا الشيخ الذي وصل إلى باريس قبل أيام. وجد رجلًا آخر؛ ببذلة أوروبية، وربطة عنق، وحذاء لامع، ووجه يحمل آثار ليلة لن ينساها، حتى لو عجز عن تذكر تفاصيلها.

عاد إلى الفندق، وأخرج دفتـره، وغمس قلمه في الحبر، وكتب في أعلى الصفحة بخط عريض:

«أَصْبَحُوا كُفَّارًا.»

قرأ الجملة مرة… ثم رفع رأسه، ونظر إلى صورته في المرآة.

ساد صمت قصير.

ابتسم ابتسامة خفيفة، وشطب كلمةً واحدة، ثم همس:

«لا… لقد أخطأتُ في الفاعل… كان يجب أن أكتب: أَصْبَحْتُ كَافِرًا.»

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *