المسجد الكبير في باريس: مئة عام من الذاكرة والإيمان والأخوة.
بقلم، محمد خوخشاني.
مقدمة.
في الخامس عشر من يوليو عام 1926، دشنت الجمهورية الفرنسية المسجد الكبير في باريس في حفل مهيب حضره الرئيس غاستون دومرغ وسلطان المغرب مولاي يوسف. وبعد مئة عام، يحتفل هذا الصرح الواقع في قلب الحي اللاتيني بذكرى تأسيسه، وهو لا يزال عند ملتقى التاريخ والروحانية والحوار الجمهوري. فالمسجد الكبير لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل صار رمزًا للذاكرة المشتركة بين فرنسا وعالم الإسلام، وشاهدًا على علاقة معقدة ومتشابكة.
ميلاد تحت علامة الاعتراف والإمبراطورية.
لم تكن فكرة بناء مسجد في العاصمة الفرنسية جديدة. فمنذ القرن التاسع عشر، كان العديد من المفكرين والسياسيين يروْن في إنشاء مسجد بباريس أداة نفوذ ووسيلة لتعزيز الإشعاع الفرنسي بين السكان المسلمين في مستعمراتها ومحمياتها. لكن الحرب العالمية الأولى هي التي أعطت المشروع شكله النهائي و حمّلته دلالة رمزية عميقة.
بين عامي 1914 و1918، سقط نحو 100 ألف جندي من شمال إفريقيا ومناطق أخرى وهم يقاتلون تحت العلم الفرنسي، لا سيما في معارك فردان. هذه الخسائر البشرية الفادحة، التي تحملها رجال جاؤوا من المغرب (الذي أصبح محمية فرنسية عام 1912)، ومن الجزائر (مستعمرة فرنسية منذ 1830)، ومن تونس، وضعت الجمهورية الفرنسية أمام ما يمكن وصفه بدين أخلاقي. وكان المارشال هوبير ليوطي، المقيم العام للمقيمية الفرنسية في المغرب، هو من حمل فكرة تكريم دائم لهؤلاء المقاتلين المسلمين.
مشروع سياسي وقانوني.
درس المشروع في لجنة وزارية مشتركة للشؤون الإسلامية عام 1916، ثم قدم إلى البرلمان. وفي يوليو 1920، صوّت مجلس النواب بالإجماع على قانون يفتح اعتمادًا ماليًا لبناء مسجد ومكتبة وقاعة للدراسات في باريس. وقد دافع إدوارد إيريو، رئيس البلدية والنائب عن ليون، عن الفكرة قائلاً إن الأخوة التي توثقت في ميادين القتال بين فرنسا وجنودها المسلمين تستدعي، بالمقابل، فعلاً رسميًا للامتنان.
لكن التمويل العام لمكان عبادة كان يشكل خرقًا لمبدأ فصل الكنائس عن الدولة الذي كرسه قانون 1905. وللتغلب على هذه العقبة القانونية، أُسندت إدارة المشروع إلى جمعية خاصة، هي « جمعية الأوقاف والأماكن المقدسة للإسلام »، والتي أُعلن عنها في الجزائر العاصمة – حيث لم يكن قانون 1905 يسري بنفس الطريقة. وكانت هذه الجمعية برئاسة الدبلوماسي الجزائري سي قدور بن غبريط، الذي أصبح أول مدير للمسجد وبقي على رأس إدارته لأكثر من ثلاثين عامًا.
تحفة فنية على الطراز الأندلسي المغربي.
استغرق البناء أربع سنوات، وشارك فيه مئات الحرفيين والفنانين القادمين من المغرب العربي، الذين كُلفوا بإعادة إنتاج التقنيات والزخارف التقليدية لكل من المغرب والجزائر وتونس – من فسيفساء ومنحوتات خشبية وحدائق داخلية. صمم المعماري موريس ترانشان دي لونيل، الخبير بالعمارة الإسلامية، بناء على الطراز الأندلسي المغربي بمساحة 7500 متر مربع، ومئذنة بارتفاع 33 مترًا مستوحاة من جامع الزيتونة بتونس. حدائقه وأفنيته وفسيفساؤه ومنحوتاته الخشبية تجعل منه « واحة » فريدة في قلب الحي اللاتيني. وفي عام 1983، أُدرج المسجد في قائمة الآثار التاريخية الإضافية.
كان لحفل التدشين في 15 يوليو 1926، الذي حضره الرئيس غاستون دومرغ، دلالات تجاوزت بكثير البعد الديني: فقد جسد، في نظر العالم الإسلامي والرأي العام الفرنسي على حد سواء، صورة فرنسا الحامية والكريمة تجاه الثقافات التي كانت تديرها في إمبراطوريتها الاستعمارية.
تاريخ من المقاومة والإنسانية.
أصبح المسجد الكبير بسرعة مركزًا رئيسيًا للحياة الدينية الإسلامية في العاصمة، وظل لفترة طويلة المسجد الوحيد في باريس. لكن دوره تجاوز الإطار العبادي البحت. ففي ثلاثينيات القرن العشرين، وتحت إشراف سي قدور بن غبريط، تأسس مستشفى فرنسي-مسلم ومقبرة إسلامية في بوبيني. وخلال فترة الاحتلال النازي، ساهم المسجد، وفق العديد من الشهادات، في إنقاذ مقاومين ويهود، خاصة من خلال منح شهادات إسلام مزورة. تشير الروايات إلى أن عشرات، بل ربما مئات الأشخاص، نُقذوا بفضل هذه المبادرة. ومن بين الذين وجدوا ملجأ بفضل هذه الحيلة، المغني سليم حلالي، اليهودي الجزائري. وفي عام 2011، كرم فيلم « الرجال الأحرار » للمخرج إسماعيل فروخي هذه الصفحة المنسية من التاريخ.
كما كان هذا الصرح مكانًا للحوار بين الأديان والانخراط الثقافي. ففي عام 1947، استقبل المسجد الفنانة الجزائرية الشابة باية محي الدين، وعُرضت أعمالها بعد نحو ثمانية عقود في أروقته.
بعد قرن: شهادة عمدة باريس.
بعد مئة عام، وبمناسبة حفل 26 يوليو 2026، أشاد عمدة باريس بالدور التاريخي والثقافي والروحي لهذه المؤسسة العريقة. وفي كلمة حملت نبرة اعتراف، ذكر أن المسجد الكبير وُلد من دين الأمة تجاه الجنود المسلمين الذين سقطوا في سبيل فرنسا، وأنه لا يزال حتى اليوم رمزًا قويًا للأخوة والوحدة.
وقال العمدة: « المسجد الكبير هو رمز رائع للعلاقة بين باريس والمسلمين ». واستعرض إشعاع هذا المعلم في التراث الباريسي، وانخراطه الثقافي والجمعوي والتضامني، وجذوره في الذاكرة الجماعية، مؤكدًا دعم مدينة باريس للمشاريع التي يحملها المسجد الكبير، ومبديًا رغبته في رؤية مساجد كبرى أخرى تظهر مستقبلًا على غرار مسجد باريس.
معلمة باريس لا تزال محل نقاش.
بعد قرن من الزمان، لا يزال المسجد الكبير في باريس ما أراده مؤسسوه: نصبًا تذكاريًا للجنود المسلمين الذين ماتوا من أجل فرنسا، ومكان التقاء بين الجمهورية ومواطنيها من المسلمين. لكن تاريخ ميلاده، المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياق الاستعماري بين الحربين، لا يزال يغذي النقاش. يرى فيه البعض قبل كل شيء عملاً بالاعتراف والاندماج الجمهوري، بينما يراه آخرون أداة، في وقته، للسياسة الإمبراطورية الفرنسية تجاه رعاياها المسلمين. وهذه القراءتان، بعيدًا عن التنافي، تعبّران عن تعقيد تاريخ مشترك بين فرنسا والإسلام – تاريخ يظل صرح الحي اللاتيني، بعد مئة عام، حجر ذاكرته.
وكما ذكر المدير شيخ الدين حفيظ، سيظل المسجد « بيت سلام وصلاة وحوار وكرم »، وصوتًا يؤكد أن المسلمين جزء من تاريخ فرنسا وحاضرها ومستقبلها.
