«ليكن صباحًا… الوجه الآخر للسلطة».
قراءة في رواية سيد قشوع
محمد السميري:
هناك روايات تنتهي بمجرد أن نطوي صفحتها الأخيرة، وهناك روايات لا تبدأ إلا بعد أن ننتهي منها. ليست لأنها معقدة، ولا لأنها تخفي ألغازًا يصعب فكها، بل لأنها تترك في ذهن القارئ سؤالًا يواصل العمل داخله طويلًا. رواية «ليكن صباحًا» للكاتب الفلسطيني سيد قشوع تنتمي إلى هذا النوع الثاني. فمن يقرأها لأول مرة قد يظن أنه أمام رواية عن حصار قرية عربية داخل إسرائيل، لكن ما إن يبتعد قليلًا عن الحدث حتى يكتشف أن الحصار ليس سوى القشرة الخارجية لنص أكثر عمقًا، نص لا يتحدث عن إغلاق الطرق بقدر ما يتحدث عن إغلاق المعنى، ولا عن الجنود الذين يقفون عند الحواجز بقدر ما يتحدث عن الخوف الذي يبدأ حين يعجز الإنسان عن فهم ما يحدث حوله.
هذه ليست رواية عن الحرب بالمعنى الذي ألفناه في الأدب الفلسطيني، وليست رواية عن البطولة أو المقاومة أو الهزيمة، بل هي رواية عن الحياة اليومية حين تصبح السياسة جزءًا من تفاصيلها الصغيرة، وحين يتحول الإنسان إلى أسير انتظار لا يعرف متى بدأ ولا متى سينتهي. وربما لهذا السبب تبدو الرواية، على الرغم من انغماسها في واقع فلسطيني شديد الخصوصية، قادرة على مخاطبة أي قارئ عاش يومًا تحت سلطة تجعل الغموض وسيلتها في إدارة الناس.
ولد سيد قشوع سنة 1975 في مدينة الطيرة داخل إسرائيل، وهو واحد من أبرز الأصوات الأدبية الفلسطينية التي اختارت الكتابة بالعبرية، وهو اختيار أثار كثيرًا من النقاش، حتى بدا أحيانًا أن الناس انشغلوا باللغة التي يكتب بها أكثر من انشغالهم بما يكتبه. غير أن قراءة أعماله تكشف سريعًا أن اللغة ليست موقفًا سياسيًا بقدر ما هي جزء من المأزق الذي يعيشه. فهو فلسطيني يكتب بلغة الدولة التي يعيش داخلها، ويتناول مجتمعًا يشعر بأنه موجود داخل المكان وخارجه في الوقت نفسه. ومن هنا جاءت معظم أعماله مشغولة بسؤال الهوية، لا بوصفها شعارًا سياسيًا، بل بوصفها تجربة معيشة يعيشها الإنسان في تفاصيل حياته اليومية.
تبدأ الرواية ببساطة تكاد تخدع القارئ. صحفي عربي يعيش في القدس يعود مع زوجته وابنه إلى قريته لحضور زفاف أحد أقاربه. كل شيء يبدو مألوفًا؛ الأقارب، والولائم، والأحاديث التي لا تنتهي، والوجوه التي يعرفها منذ الطفولة. لا شيء يوحي بأننا مقبلون على رواية سياسية. بل إن الصفحات الأولى تمنح القارئ شعورًا بأنه يقرأ عملًا اجتماعيًا عن العودة إلى الجذور وما تثيره من ذكريات ومقارنات بين حياة المدينة والقرية.
لكن سيد قشوع يعرف كيف يغير اتجاه الرواية من دون ضجيج.
في صباح اليوم التالي يستيقظ الناس ليكتشفوا أن جميع مداخل القرية أغلقت، وأن الجنود ينتشرون عند الحواجز، وأن أحدًا لا يستطيع المغادرة أو الدخول. لا بيان رسمي، ولا تفسير، ولا حتى إشاعة موثوقة. مجرد واقع جديد فرض نفسه بين ليلة وضحاها، وكأن القرية خرجت من الزمن ودخلت عالمًا آخر تحكمه قوانين لا يعرفها أحد.
هنا يعتقد القارئ أن السؤال الذي سيقود الرواية هو: لماذا وقع الحصار؟
لكن سيد قشوع، منذ الصفحات الأولى، يهمس لنا بأن هذا ليس السؤال المهم.
السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث للإنسان عندما يعيش داخل حدث لا يفهمه؟
وهنا تبدأ الرواية في كشف عبقريتها الهادئة.
كان بإمكان الكاتب أن يجعل الجنود يحتلون كل مشهد، وأن يحول الرواية إلى مواجهة مباشرة بين القوة العسكرية وسكان القرية، لكنه اختار طريقًا أكثر صعوبة وأكثر عمقًا. فالجنود يقفون عند أطراف المشهد، أما مركز الرواية فتحتله البيوت، والمقاهي، والحوارات، والوجوه القلقة. إن ما يهم سيد قشوع ليس الحاجز العسكري نفسه، بل ما يفعله الحاجز بالعقول قبل الأجساد.
كلما طال الصمت، ازداد الخوف.
وكلما ازداد الخوف، بدأت التفسيرات تتكاثر.
أحدهم يعتقد أن عملية وقعت في مكان قريب، وآخر يجزم بأن الأمر مجرد إجراء مؤقت، وثالث يؤكد أنه يعرف الحقيقة من قريب يعمل في الشرطة، لكن أحدًا لا يملك دليلًا. تتحول القرية إلى مصنع للشائعات، لا لأن سكانها يحبون اختلاق القصص، بل لأن الإنسان لا يحتمل الفراغ طويلًا. فإذا امتنعت السلطة عن تقديم التفسير، تولت المخيلة المهمة بدلًا منها.
وهنا تكمن أولى الأفكار الكبرى في الرواية.
فالسلطة لا تحكم الناس بما تقوله فقط، بل بما تمتنع عن قوله أيضًا.
هذه الفكرة هي التي تجعل «ليكن صباحًا» تتجاوز حدود الرواية السياسية. فالخوف هنا لا يولده الرصاص، بل يولده الجهل. والإنسان لا يرتعب لأنه يرى الجنود، بل لأنه لا يعرف لماذا هم هنا، ولا متى سيرحلون، ولا ماذا يريدون منه. إن سيد قشوع يكتشف، بحس روائي دقيق، أن احتكار المعرفة قد يكون أحيانًا أكثر فاعلية من احتكار القوة.
ولعل هذا ما يجعل القارئ يتذكر، من بعيد، عالم فرانز كافكا. ففي رواية «المحاكمة» يعيش جوزيف ك. مطاردًا بتهمة لا يعرفها، وتتحول جهالته بسبب محاكمته إلى جزء من العقوبة نفسها. وفي «ليكن صباحًا» يعيش أهل القرية داخل حصار لا يعرفون سببه، فيصبح البحث عن التفسير جزءًا من العذاب اليومي. غير أن التشابه يقف عند هذه النقطة. فكافكا يكتب عن عبث وجودي يبدو خارج التاريخ، أما سيد قشوع فيكتب عن عبث له جغرافيا وحدود وجنود وواقع سياسي يمكن الإشارة إليه على الخريطة.
ومع ذلك، فإن الرواية لا تكتفي بنقد السلطة. ولو فعلت ذلك لتحولت إلى بيان سياسي أكثر منها عملًا أدبيًا. فكلما طال الحصار، بدأ الكاتب يوجه نظره إلى الداخل، إلى المجتمع نفسه. شيئًا فشيئًا تنكشف التوترات القديمة، والخلافات العائلية، والغيرة، والحسابات الصغيرة التي كانت الحياة اليومية تخفيها. كأن الحصار لم يخلق هذه التشققات، بل أزال الغطاء عنها.
وهنا تظهر شجاعة سيد قشوع بوصفه روائيًا لا داعية. فهو يرفض أن يقدم مجتمعه في صورة الضحية المثالية التي لا تخطئ، ويرفض أيضًا أن يجعل الاحتلال تفسيرًا جاهزًا لكل شيء. إن المجتمع، في نظره، يحتفظ بإنسانيته كاملة، بما فيها من كرم وضيق أفق، ومن تضامن وأنانية، ومن شجاعة وخوف. وهذه النظرة هي التي تمنح الرواية صدقها، لأن الأدب العظيم لا ي لكن التحول الحقيقي في الرواية لا يبدأ مع الحصار، بل مع الشخصية التي نرى العالم من خلالها. والمفارقة أن سيد قشوع لا يمنح بطله اسمًا واضحًا. قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد اختيار شكلي، لكن الرواية سرعان ما تكشف أن هذا الغياب مقصود، وأنه يؤدي وظيفة لا يستطيع الاسم أن يؤديها.
في الرواية التقليدية يمنح الاسم الشخصية تاريخًا وهوية، ويجعلها فردًا متميزًا عن غيرها. أما هنا فإن البطل يكاد يكون بلا ملامح خاصة. نعرف أنه صحفي، وأنه يعيش في القدس، وأنه عاد إلى القرية مع زوجته وابنه، لكننا لا نعرفه بالاسم. وكأن سيد قشوع يريد أن يخفف من فردية الشخصية حتى تتحول إلى مرآة لجيل كامل من الفلسطينيين الذين يعيشون داخل إسرائيل. إنه ليس بطلًا استثنائيًا، ولا قائدًا، ولا ضحية بالمعنى البطولي للكلمة، بل إنسان عادي وجد نفسه في ظرف غير عادي. ومن هنا تكتسب الرواية قوتها؛ فهي لا تحكي قصة شخص واحد، بل قصة حالة إنسانية يمكن أن تتكرر.
غير أن غياب الاسم يقودنا إلى سؤال أعمق: من يكون الإنسان إذا أصبح اسمه أقل أهمية من موقعه داخل منظومة السلطة؟ هنا لا يعود الاسم هو ما يعرف الشخصية، بل موقعها الهش بين عالمين. فالراوي يعيش في القدس، ويعمل في المدينة، لكنه لا يشعر أنه ابن المدينة. وحين يعود إلى القرية، يكتشف أنها هي الأخرى لم تعد المكان الذي تركه. لقد تغير هو، وتغيرت القرية، وصارت العودة أشبه بلقاء بين غريبين يعرف كل منهما الآخر، لكنهما لم يعودا يتقاسمان الحياة نفسها.
وهذا من أكثر الجوانب إيلامًا في الرواية. فالاغتراب لا يولد من الابتعاد عن المكان فقط، بل قد يولد من العودة إليه. يعود الإنسان إلى بيته فيكتشف أن البيت ما يزال في مكانه، لكن الشخص الذي خرج منه قبل سنوات لم يعد هو الشخص الذي عاد إليه. وهنا تتحول القرية إلى أكثر من فضاء جغرافي؛ تصبح اختبارًا لذاكرة البطل، ولمعنى الانتماء ذاته.
ولذلك لا يبالغ سيد قشوع في وصف البيوت أو الأزقة أو الحقول، بل يركز على العلاقات الإنسانية. فالمكان، في النهاية، لا يصبح وطنًا بسبب الجدران، وإنما بسبب الشعور الذي يمنحه لسكانه. وعندما يبدأ هذا الشعور في التصدع، يفقد المكان شيئًا من معناه، حتى لو بقي كما هو.
ومن أجمل ما يفعله الكاتب أنه لا يقدم هذا القلق بلغة مأساوية متواصلة. ففي أكثر اللحظات توترًا يفسح المجال للسخرية، لكن سخرية سيد قشوع تختلف عن السخرية التي عرفناها في الأدب العربي. إنها ليست سخرية تهدف إلى إضحاك القارئ، بل إلى كشف المفارقة. يطلق أحدهم تعليقًا عابرًا، أو يتحول نقاش يومي إلى مشهد يكاد يكون كوميديًا، لكن القارئ يدرك سريعًا أن الضحك هنا ليس إلا قناعًا للخوف.
ولذلك يصعب ألا نتذكر إميل حبيبي. غير أن المقارنة بين الكاتبين تكشف اختلافًا لا يقل أهمية عن التشابه بينهما. ففي «المتشائل» تتحول السخرية إلى أداة لمواجهة الواقع، حتى تبدو المأساة أحيانًا وكأنها ملهاة سوداء. أما عند سيد قشوع فإن السخرية أكثر خفوتًا، تكاد تأتي على استحياء، لأنها لا تنبع من الرغبة في الضحك، بل من التعب. إنها ابتسامة يطلقها الإنسان حين يدرك أنه لم يعد قادرًا على تفسير ما يحدث حوله.
وهذا الاختلاف يكشف تطورًا في الكتابة الفلسطينية نفسها. فجيل إميل حبيبي كان ما يزال يملك قدرًا من اليقين، حتى وهو يسخر من الواقع. أما جيل سيد قشوع فيعيش داخل واقع أكثر التباسًا، ولذلك أصبحت السخرية عنده أقل صخبًا وأكثر مرارة.
وليس من المصادفة أن يختار الكاتب صحفيًا بطلًا لروايته. فالصحفي، بحكم مهنته، يبحث عن الأخبار، ويطارد الحقيقة، ويحاول أن يفهم ما يجري. لكن المفارقة أن هذا الصحفي يجد نفسه عاجزًا عن الوصول إلى أبسط معلومة. كل ما يملكه هو ما يملكه الآخرون: التخمين، والإشاعة، والانتظار.
إنها مفارقة بليغة، لأن الشخصية التي يفترض أن تكون الأقرب إلى الحقيقة تصبح مساوية للجميع في جهلها. وهنا يوجه سيد قشوع نقدًا غير مباشر إلى فكرة المعرفة نفسها. فما قيمة القدرة على التحليل إذا كانت الوقائع الأساسية محجوبة؟ وما قيمة الثقافة إذا كانت السلطة تحتكر المعلومة وتمنحها لمن تشاء وتحجبها عمن تشاء؟
هذه الفكرة تجعل الرواية تتجاوز السياق الفلسطيني، لتلامس سؤالًا إنسانيًا أوسع: ليست السلطة هي التي تملك السلاح فقط، بل هي أيضًا التي تحدد ما يعرفه الناس، ومتى يعرفونه، وكيف يعرفونه. ومن هنا تصبح المعرفة نفسها جزءًا من ميزان القوة.
كل هذه الخيوط تقود القارئ، من دون أن يشعر، إلى إعادة النظر في معنى الحصار. ففي البداية يبدو الحصار حدثًا سياسيًا واضحًا، ثم يتحول تدريجيًا إلى تجربة نفسية، ثم إلى سؤال فلسفي. وعندما يبلغ القارئ هذه المرحلة يكتشف أن الحواجز الحقيقية لم تعد تلك التي أقامها الجنود عند مداخل القرية، بل تلك التي بدأت ترتفع داخل النفوس. فالخوف، إذا طال أمده، لا يعود بحاجة إلى من يفرضه من الخارج؛ إذ يتولى الإنسان بنفسه إعادة إنتاجه في داخله.
وهنا تبلغ الرواية ذروة نضجها. فهي لا تقول إن أخطر ما في السلطة أنها تمنع الناس من الحركة، بل إنها قد تجعلهم، بعد زمن، يحملون الحاجز معهم أينما ذهبوا. وعندئذ لا يعود القيد خارجيًا، بل يتحول إلى جزء من طريقة النظر إلى العالم.
إن هذه الفكرة هي التي تجعل «ليكن صباحًا» أكثر من رواية عن الاحتلال، وتجعلها، في الوقت نفسه، أقل مباشرة من كثير من الروايات السياسية. فسيد قشوع لا يكتب ليقنعنا بموقف سياسي معين، بل ليجعلنا نرى كيف يتسلل الخوف إلى الحياة اليومية، وكيف يمكن لحدث يبدو مؤقتًا أن يغير علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين وبالزمن.
صنع قديسين، بل يصنع بشرًا.
إن العنوان هو آخر ما ينبغي أن نتوقف عنده، لأنه في الحقيقة أول ما فكر فيه سيد قشوع. فالعناوين في الروايات الكبرى ليست لافتات تعريف، بل مفاتيح تأويل، وعبارة «ليكن صباحًا» ليست استثناءً. فمنذ اللحظة الأولى يتولد لدى القارئ إحساس بأن الكاتب يعده بانبلاج جديد، أو بخروج من الظلام، أو ببداية مختلفة. لكن الرواية، كلما تقدمت، أخذت تؤجل هذا الوعد. تشرق الشمس كل يوم، ويبدأ نهار جديد، لكن شيئًا لا يتغير. الطرق ما تزال مغلقة، والأسئلة معلقة، والناس يعيشون في انتظار لا يعرفون متى ينتهي. عندئذ يكتشف القارئ أن الصباح الذي يقصده الكاتب ليس زمنًا، بل معنى.
إن الصباح، في هذه الرواية، هو اللحظة التي يستعيد فيها العالم قابليته للفهم. ولذلك فإن الحصار الحقيقي ليس إغلاق القرية، بل إغلاق المعنى. فالإنسان يستطيع أن يتحمل الجوع، وأن يتكيف مع الخوف، وأن يصبر على الألم، لكنه ينهار حين يفقد القدرة على تفسير ما يجري حوله. ولهذا لا يكتب سيد قشوع عن الاحتلال باعتباره قوة عسكرية فحسب، بل باعتباره قوة تنتج الغموض، وتجعل الناس يعيشون داخل فراغ معرفي يملؤونه بالشائعات والاحتمالات والخوف.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تتقاطع الرواية، من بعيد، مع مسرحية «في انتظار غودو» لصموئيل بيكيت. فليس بين العملين تشابه في الأحداث ولا في الشخصيات، وإنما في البنية العميقة التي تحكمهما. في مسرحية بيكيت ينتظر فلاديمير وإستراغون شخصًا لا يأتي، ومع مرور الوقت يصبح الانتظار أهم من الشخص المنتظر نفسه. أما في «ليكن صباحًا»، فإن أهل القرية لا ينتظرون رجلًا، بل ينتظرون تفسيرًا، أو قرارًا، أو كلمة تعيد للعالم نظامه. غير أن الأيام تمضي، ويصبح الانتظار هو النظام الجديد. هنا تتحول السلطة إلى ساعة معلقة، لا تتحكم في المكان وحده، بل في الزمن أيضًا، لأن الناس لم يعودوا يخططون لحياتهم، بل يخططون لانتظارهم.
غير أن سيد قشوع يختلف عن بيكيت في نقطة جوهرية. فانتظار بيكيت يولد من عبث الوجود، أما انتظار قشوع فيولد من واقع سياسي ملموس. ومع ذلك، فإن العملين يلتقيان عند حقيقة إنسانية واحدة: حين يصبح الإنسان عاجزًا عن التأثير في مجرى الأحداث، يبدأ الزمن بالتحرك من حوله، بينما يبقى هو ثابتًا في مكانه، كأن حياته دخلت في حالة تعليق لا نهاية لها.
ولو عدنا إلى الأدب الفلسطيني لوجدنا أن سيد قشوع يشق طريقًا مختلفًا عن معظم من سبقوه. فقد كتب غسان كنفاني عن الفلسطيني الذي أُخرج من وطنه، وحمل ذاكرته معه في المنفى، بينما كتب إميل حبيبي عن الفلسطيني الذي بقي في وطنه، لكنه واجه مفارقات وجوده بالسخرية السوداء. أما سيد قشوع فإنه يذهب خطوة أخرى؛ فهو لا يسأل أين يعيش الفلسطيني، بل كيف يعيش وهو يشعر بأن المكان الذي يسكنه لم يعد يمنحه اليقين الذي يحتاج إليه. لم تعد القضية قضية حدود فقط، بل قضية شعور بالانتماء يتعرض للاهتزاز كل يوم.
ولعل أجمل ما في هذه الرواية أنها ترفض الحلول الجاهزة. فهي لا تمنح القارئ نهاية مريحة، ولا تقدم خطابًا سياسيًا يختصر العالم في ثنائية الضحية والجلاد، ولا تحول شخصياتها إلى رموز مجردة. إنها تكتفي بأن تضعنا أمام بشر عاديين، يريدون أن يذهبوا إلى أعمالهم، وأن يزوروا أقاربهم، وأن يربوا أبناءهم، ثم يكتشفون أن أكثر الأشياء عادية يمكن أن تصبح مستحيلة حين يفقد الإنسان حريته في الحركة، ثم حريته في الفهم.
لهذا السبب لا أعتقد أن القيمة الحقيقية لـ«ليكن صباحًا» تكمن في موضوعها السياسي، على أهميته، بل في الطريقة التي حول بها سيد قشوع السياسة إلى تجربة إنسانية. لقد كتب كثيرون عن الاحتلال، لكن قلة من الروائيين استطاعوا أن يصفوا أثره النفسي بهذه الدقة. فالحواجز التي يقيمها الجنود يمكن أن تزال يومًا ما، أما الحواجز التي تستقر داخل الإنسان فتحتاج إلى زمن أطول بكثير حتى تنهار.
وربما هنا تكمن الرسالة الأعمق للرواية. فالسلطة لا تبلغ ذروة قوتها عندما تجعل الناس يخافون منها، بل عندما تجعلهم يعيدون إنتاج هذا الخوف داخل أنفسهم، وعندما يصبح الغموض جزءًا من حياتهم اليومية، فلا يعودون يسألون لماذا حدث ما حدث، بل يكتفون بالتكيف معه. عندئذ يتحول الاستثناء إلى عادة، والانتظار إلى أسلوب حياة، ويصبح الصباح الذي وعد به العنوان أمنية أكثر منه واقعًا.
إن سيد قشوع لا يطلب من قارئه أن يتبنى موقفًا سياسيًا معينًا، ولا يسعى إلى إصدار حكم أخلاقي على شخصياته. كل ما يفعله أنه يدعونا إلى تأمل سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يزداد صعوبة كلما فكرنا فيه: كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته عندما يعيش في عالم لم يعد مفهومًا؟
هذا السؤال هو الذي يبقى معنا بعد إغلاق الرواية، وهو أيضًا ما يجعل «ليكن صباحًا» عملًا يتجاوز حدود القضية الفلسطينية، ليصبح رواية عن الإنسان كلما وجد نفسه في مواجهة سلطة لا تكتفي بالسيطرة على الأرض، بل تمتد إلى الزمن، واللغة، والذاكرة، وحتى القدرة على فهم العالم.
