من رحاب القداسة إلى خشبة الإبداع: مكناس وعيساوة بين موسم الشيخ الكامل ومهرجان الإيقاعات العالمية.
بقلم، محمد خوخشاني.
تتقاطع في مدينة مكناس خيوط الزمن، لتنسج لوحة ثقافية وروحية فريدة، عنوانها الأبرز « عيساوة ». هذه الكلمة التي تعني في عمقها التاريخي طريقة صوفية وجذوراً ضاربة في الإيمان، تحولت اليوم إلى رمز للإبداع الفني والتنوع الثقافي. فبين « موسم الشيخ الكامل » الذي كان يقصده المريدون من كل فج عميق، و »مهرجان عيساوة: مقامات وإيقاعات عالمية » الذي تستقطب فعالياته عشاق الفن من مختلف الآفاق، تروي مكناس قصة تحوّل استثنائية تحافظ فيها على جوهرها الروحي مع انفتاحها على رحابة العصر.
حكاية الأصل: الشيخ الكامل وروحانيات الموسم.
في قلب هذه الذاكرة الجماعية يقف محمد الهادي بن عيسى السباعي الإدريسي الحسني، المعروف بـ «الشيخ الكامل »، مؤسس الطريقة العيساوية. ولد سنة 872 هـ الموافق لـ 1467م، وتوفي بمكناس سنة 1526م.
كان موسم الهادي بنعيسى، الذي ينظم سنوياً إبان عيد المولد النبوي الشريف، محطة روحانية كبرى تمتد لنحو أسبوعين. كان يفد إليه من المغرب والجزائر وتونس وليبيا آلاف المريدين.
وكانت الطقوس تمزج بين الروحاني والدنيوي، بين الحضرة والجذبة حيث تتصاعد الأمداح النبوية مع إيقاعات الدف والطبول والمزامير، وبين الفروسية والتبوريدة كتعبير عن البهجة والاحتفاء. كما كانت النساء تقصد الضريح لطقوس خاصة، طلباً لبركة « لالا عيشة » المرتبطة بهذا الموروث النسائي.
الجدل والنهاية: عندما تجاوز الموسم الخطوط الحمراء.
مع مرور الزمن، أثارت بعض الممارسات جدلاً واسعاً. تحولت الطقوس أحياناً إلى ممارسات عنيفة ودموية وُصفت بـ »الشيطانية والشركية »، بما يتنافى مع تعاليم الإسلام. هذه التجاوزات دفعت السلطات للتدخل لتقييدها، ثم اتخذ القرار بـإلغاء الموسم بعد أن تجاوز « الخطوط الحمراء ».
انطوى بذلك فصل من تاريخ مكناس الروحي، لكن بذور العيساوية ظلت حية في الذاكرة الجمعية، تبحث عن قالب جديد يعبر عنها.
النهضة من جديد: مهرجان « عيساوة » يحل مكان الموسم.
بعد سنوات من التوقف، ولد مهرجان « عيساوة: مقامات وإيقاعات عالمية » تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس. انطلق ليصبح تظاهرة ثقافية وفنية كبرى تحتضنها مكناس سنوياً.
جمع المهرجان بين أصالة التراث العيساوي والانفتاح على المقامات العالمية, مقدماً نفسه كمشروع علمي وفني وثقافي وتنموي.
فعاليات المهرجان: تنوع يحاكي روح العصر.
يشهد المهرجان مشاركة واسعة لأكثر من 55 طائفة عيساوية يمثلها أكثر من ألف « مقدم ومعلم ». يحتضن عشرة فضاءات، من ساحة باب منصور إلى ساحة الهديم، وتتنوع فعالياته بين:
● السهرات الفنية والليالي الصوفية، بمشاركة نجوم من المغرب كـدنيا بطمة وابتسام تسكت، والعالم العربي كاللبناني وائل جسار.
● الندوات العلمية والمعارض واللقاءات الثقافية.
● المواكب الاحتفالية، وعلى رأسها الموكب العيساوي الكبير و »الدخلة العيساوية الربانية ».
دلالات التحول: لماذا يهمنا هذا المهرجان؟
يحمل هذا التحول دلالات عميقة على عدة مستويات:
● الحفاظ على الهوية: يصون المهرجان التراث اللامادي ويحميه من الاندثار، مع تقديمه كتراث مكناسي أصيل.
● التنمية الثقافية والسياحية: يُسهم في تعزيز مكانة مكناس كوجهة ثقافية تستقطب الزوار.
● التجديد والانفتاح: يزاوج بين المحافظة على الموروث والانفتاح على التجارب الحديثة.
● الحوار بين الثقافات: يجعل من التراث العيساوي « لغة إنسانية مشتركة ».
في المشهد المكناسي، يظل اسم « عيساوة » حاضراً، لكن بصيغة جديدة. ما كان بالأمس موسمًا دينياً تقصده القبائل، بات اليوم مهرجاناً عالمياً. هكذا تكتب مكناس فصلاً جديداً من تاريخها، حيث تتحول الذاكرة إلى فضاء للإبداع, ليظل إرث الشيخ الكامل حياً، لكن في قالب فني وثقافي يليق بروح العصر.
