زواج المال والسلطة في المغرب: نزيف « الفرص الضائعة » وتكلفة الاستثناء من المحاسبة.
بقلم، محمد خوخشاني.
لا تمثل جدلية الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح في المشهد السياسي المغربي مجرد « اختلالات إدارية » عابرة، بل تشكل عائقًا بنيويًا ينخر مقومات الدولة الاجتماعية ويقوض أسس التنمية المستدامة. ففي غياب إطار قانوني زاجر يُجرِّم الإثراء غير المشروع، تحول تدبير الشأن العام لدى فئات من النخبة إلى وسيلة لتراكم الثروات، مما أحدث هوة عميقة بين الخطاب الرسمي حول « النموذج التنموي » ووقائع المعاش اليومي.
1. الفساد المالي: بنيوية « الإفلات من العقاب » وغياب التشريع.
تتجلى معضلة المغرب في المفارقة الصارخة بين ترسانة مؤسساتية متكاملة (المجلس الأعلى للحسابات، الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة) وبين غياب الإرادة التشريعية اللازمة لتجريم أصل الداء. فسحب مشروع قانون « الإثراء غير المشروع » من البرلمان لم يكن مجرد إجراء تقني عابر، بل شكل عمليًا « صك أمان » ضمنيًا لمن يراكمون الثروات بفضل مناصبهم النافذة.
يسمح هذا الفراغ التشريعي بنمو « اقتصاد الريع » على نطاق واسع، حيث تتحول الامتيازات (الرخص، الأراضي المخزنية، الصفقات التفضيلية) إلى عملة متداولة بين صناع القرار ومحيطهم، مما يكرس نظامًا موازيًا يعمل خارج منطق الكفاءة والمنافسة الشريفة.
2. تحليل « Le Manque à Gagner »: التكلفة الاجتماعية والاقتصادية.
لا ينحصر « الربح الضائع » على المجتمع المغربي جراء الإجرام المالي في الأرقام المنهوبة وحدها، بل يمتد ليشمل شللًا واسعًا في القطاعات الحيوية:
نزيف الميزانية العامة: تشير تقديرات هيئات حقوقية دولية ووطنية إلى أن المغرب يخسر سنويًا نسبة معتبرة من ناتجه الداخلي الخام بسبب الفساد. فالمليارات الضائعة كانت كفيلة بسد العجز المتفاقم في قطاعي الصحة والتعليم، وبناء مستشفيات جامعية حديثة، وتجهيز مدارس في المناطق النائية المهمشة.
طرد الاستثمارات المنتجة: عندما يسود منطق تضارب المصالح، ينسحب المستثمرون النزهاء (محليون وأجانب) خوفًا من المنافسة غير العادلة مع « شركات النفوذ ». ويؤدي هذا إلى تبديد آلاف فرص الشغل الحقيقية للشباب المغربي، واستبدالها باقتصاد ريعي هش لا يخلق قيمة مضافة حقيقية.
تعميق الفوارق الطبقية: يُحدث الإثراء السريع للنخب المقربة من مراكز القرار، مقابل تآكل القدرة الشرائية للطبقة الوسطى، حالة من « الاختناق الاجتماعي ». فالمال الذي كان ينبغي إعادة تدويره في الدورة الاقتصادية الوطنية، غالبًا ما يُهرَّب أو يُستثمر في أصول غير منتجة (عقارات فاخرة، كماليات)، مما يحرم الاقتصاد من سيولة حيوية كان يمكن أن تغذي مناشط إنتاجية حقيقية.
3. تضارب المصالح: عندما يشرع « التاجر » لنفسه.
أخطر تجليات هذا الإجرام المالي يتمثل في تولي أصحاب الرساميل الكبرى مناصب القرار السياسي. وهنا يتحول التشريع إلى أداة لخدمة « الكارتيلات » (كما هو مشاهد في ملفات المحروقات والعقار والتعليم الخصوصي). لا تقتصر التكلفة هنا على البعد المادي فحسب، بل تمتد لتشكل « أزمة ثقة » حادة؛ إذ يفقد المواطن إيمانه بالمؤسسات، مما يدفع بالكفاءات الوطنية نحو الهجرة (نزيف الأدمغة)، وهو أكبر « مانك آ غانيي » يهدد مستقبل البلاد.
4. أمثلة صارخة على اختلال التوازن.
تُؤكد التقارير المتواترة أن ملفات الفساد التي تصل إلى القضاء لا تمثل سوى قمة جبل الجليد. إذ تكرس الانتقائية في المحاسبة مبدأ « الحصانة لغير المنتمين لشبكات النفوذ »، بينما يظل « الحيتان الكبار » في مأمن من المساءلة عن مصادر ثرواتهم التي تضخمت بشكل فاحش في ظرف سنوات وجيزة من العمل السياسي.
خاتمة: استرداد « الفرص الضائعة ».
إن محاربة الإثراء غير المشروع ليست ترفًا حقوقيًا، بل ضرورة اقتصادية وجودية. ويشكل استرجاع الأموال المنهوبة أو المهدورة وتوجيهها نحو الاستثمار العمومي، إلى جانب سن قانون صارم يقطع مع تضارب المصالح، السبيل الوحيد لتقليص « Le manque à gagner ».
فبدون ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي وعادل، سيظل « النموذج التنموي » مجرد وثيقة نظرية، بينما تظل الثروات الوطنية رهينة في يد فئة تستفيد من ريع السياسة على حساب طموحات شعب يتطلع إلى العدالة والكرامة.
