تجديد الثقة في عبد النباوي واستمرار الإصلاح القضائي.. استقلال العدالة في مواجهة حملات التشهير والضغط.

تجديد الثقة في عبد النباوي واستمرار الإصلاح القضائي.. استقلال العدالة في مواجهة حملات التشهير والضغط.
شارك

إدريس السدراوي:

جاءت التعيينات الملكية الأخيرة المتعلقة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وفي مقدمتها تجديد الثقة في السيد محمد عبد النباوي رئيساً منتدباً للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، إلى جانب تعيين عضوين جديدين، لتؤكد مرة أخرى أن ورش إصلاح العدالة بالمغرب يواصل مساره بثبات واستمرارية، وفق رؤية ملكية استراتيجية يقودها جلالة الملك محمد السادس، الذي جعل من تعزيز دولة الحق والقانون وتوطيد استقلال السلطة القضائية خياراً مؤسساتياً لا رجعة فيه.

وتعتبر رابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان أن دستور سنة 2011 شكل محطة مفصلية في تاريخ العدالة المغربية، حيث ارتقى بالقضاء إلى سلطة مستقلة، وأرسى ضمانات دستورية غير مسبوقة لحماية استقلال القضاة وترسيخ مبادئ المحاكمة العادلة وصيانة الحقوق والحريات. ومنذ ذلك الحين، شهد المغرب إصلاحات متواصلة أسهمت في تحديث منظومة العدالة وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات القضائية.

وفي هذا السياق، لا يمكن إلا التنويه بالدور الذي اضطلع به عدد من رجالات القضاء الذين ساهموا في تنزيل هذا الورش الإصلاحي الكبير، وفي مقدمتهم السيد محمد عبد النباوي، الذي راكم تجربة قضائية ومؤسساتية مهمة، وأسهم في مواكبة مرحلة دقيقة من مراحل بناء استقلال السلطة القضائية وتطوير آليات اشتغالها وتحديث أدائها.

إن تجديد الثقة في القيادة الحالية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، مقروناً بضخ كفاءات جديدة داخل المؤسسة، يعكس إرادة واضحة في الجمع بين الاستمرارية والتجديد، بما يضمن الحفاظ على المكتسبات المحققة ومواصلة الإصلاحات الضرورية لمواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية.

وعلى المستوى المحلي، راكمت المحكمة الابتدائية بالقنيطرة ومحكمة الاستئناف بالقنيطرة خلال السنوات الأخيرة تجارب وممارسات قضائية جديرة بالتنويه، من خلال الحرص على التطبيق السليم للقانون وضمان حقوق المتقاضين والسهر على تحقيق العدالة في إطار من الاستقلال والنزاهة والمسؤولية. كما تستحق النيابة العامة بالقنيطرة، على مستوى المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف، التقدير لما تبذله من جهود في خدمة العدالة واحترام الشرعية القانونية، بعيداً عن كل أشكال التأثير أو الضغوط.

غير أن هذه الدينامية الإيجابية تواجه في الآونة الأخيرة تحديات مقلقة تتمثل في تنامي حملات التشهير والاستهداف الممنهج لبعض القضاة والمؤسسات القضائية. وهي حملات لم تعد تقتصر على التعليق أو إبداء الرأي، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى محاولات للتأثير على القضاء والتشكيك في مؤسساته واستهداف العاملين به.

ومن المثير للانتباه أن بعض هذه الحملات تصدر عن قناة تبث من الولايات المتحدة الأمريكية، أصبح صاحبها معروفاً لدى الرأي العام بأسلوبه القائم على التشهير والاتهامات واستهداف الأشخاص والمؤسسات، مستفيداً من حالة الإفلات من المساءلة التي تسمح له بمواصلة هذا النهج. والأخطر من ذلك أنه بات يتقمص أحياناً أدواراً لا تدخل ضمن اختصاصه، فيقدم نفسه وكأنه جهة وصية على القضاء أو مراقب لعمل القضاة أو مقوِّم للأحكام القضائية، فيمنح صكوك البراءة لهذا وينزعها عن ذاك، ويشيد بقاضٍ اليوم ليهاجم آخر غداً وفق اعتبارات لا علاقة لها بالقانون أو بالمعايير المهنية المتعارف عليها.

ولم تعد هذه الحملات تستهدف القنيطرة وحدها، بل امتدت إلى محاكم ومؤسسات قضائية في مدن أخرى، من بينها طنجة ومراكش والدار البيضاء، حيث أصبح بعض القضاة عرضة للتشهير والضغط بسبب مواقفهم المهنية أو الأحكام التي يصدرونها في إطار تطبيق القانون.

وفي هذا الإطار، يبرز اسم القاضية نعيمة أزديك باعتبارها من القضاة المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والاستقامة المهنية واحترام القانون. غير أن استغلال اسمها أو توظيفه ضمن حملات إعلامية أو حسابات شخصية لا يخدم العدالة ولا يدعم استقلال القضاء، بل يشكل إساءة للمؤسسة القضائية نفسها. فالقاضي لا يحتاج إلى حملات تمجيد ولا إلى حملات تشهير، وإنما يحتاج إلى الضمانات التي تمكنه من أداء مهامه باستقلال وحياد وتجرد.

وما يزيد من خطورة هذا الوضع تداول بعض المعطيات أو الوثائق أو المحاضر المرتبطة بقضايا ما تزال في مراحل البحث أو التحقيق، بما يثير تساؤلات مشروعة حول احترام سرية الأبحاث والتحقيقات القضائية. فسرية البحث ليست امتيازاً للمؤسسات، وإنما ضمانة أساسية لحماية حقوق الأطراف وصون شروط المحاكمة العادلة وضمان سلامة الإجراءات القضائية.

إن تسريب وثائق أو محاضر ما تزال مشمولة بسرية البحث أو التحقيق، سواء من قبل أشخاص ينتمون إلى بعض المهن القانونية أو من جهات أخرى، يشكل مساساً خطيراً بضمانات العدالة وبقرينة البراءة وبحق المتقاضين في محاكمة عادلة. كما أنه يفتح الباب أمام التأثير غير المشروع على مجريات القضايا وعلى الرأي العام، وهو ما يستوجب التعامل معه بكل الصرامة التي يقتضيها القانون.

إن النقد الموضوعي للأحكام القضائية حق مشروع، بل إنه يشكل أحد مظاهر النقاش العمومي الصحي في دولة القانون. غير أن الفرق كبير بين النقد المسؤول وبين حملات التشهير والضغط ومحاولات التأثير على القضاء أو الانتقام من القضاة بسبب قراراتهم. فالأحكام القضائية تُراجع عبر درجات التقاضي والمساطر القانونية، وليس عبر المنصات الرقمية أو المحاكمات الافتراضية.

لقد أصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام نقاش قانوني مشروع حول العدالة، أم أمام محاولات لصناعة سلطة موازية تنصب نفسها فوق المؤسسات، وتمنح لنفسها حق تقييم القضاة والتأثير على مسار القضايا وتوجيه الرأي العام؟ إن السماح باستمرار مثل هذه الممارسات يشكل خطراً حقيقياً على استقلال السلطة القضائية وعلى هيبة المؤسسات وعلى الأمن القضائي للمواطنين.

إن ما تحقق من إصلاحات في مجال العدالة بفضل الرؤية الملكية المتبصرة وبفضل جهود المؤسسات القضائية المختلفة يستوجب اليوم مزيداً من الحماية والتحصين. فاستقلال القضاء لا يهدده فقط أي تدخل مباشر في عمل القضاة، بل تهدده أيضاً حملات التشهير المنظمة التي تسعى إلى التأثير على القضاة أو التشكيك في المؤسسات أو توجيه الرأي العام ضدها.

ومن هنا تبرز أهمية التعيينات الملكية الأخيرة باعتبارها رسالة واضحة مفادها أن مسار الإصلاح مستمر، وأن الدولة ماضية في تعزيز استقلال السلطة القضائية وتجديد كفاءاتها وتحصينها من مختلف أشكال التأثير غير المشروع.

فدولة المؤسسات لا يمكن أن تقوم على التشهير، ولا على الابتزاز، ولا على المحاكمات الموازية، وإنما تقوم على احترام القانون واستقلال القضاء وصيانة كرامة القضاة وضمان حق الجميع في محاكمة عادلة. ويبقى الرهان الأكبر هو حماية هيبة العدالة وترسيخ الثقة فيها باعتبارها الحصن الأخير للحقوق والحريات، والضامن الأساسي لاستقرار المجتمع وسيادة القانون.

إن تجديد الثقة في القيادة القضائية الحالية، وتعزيز تركيبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية بكفاءات جديدة، يؤكدان أن المغرب ماضٍ في ترسيخ دولة الحق والقانون، وأن الإصلاح المؤسساتي مستمر بثبات. وهي مناسبة كذلك للتأكيد على أن الدفاع عن استقلال القضاء لا يكون بالشعارات، بل بحماية القضاة والمؤسسات القضائية من كل أشكال الضغط والتشهير والتأثير غير المشروع، حتى يظل القضاء سلطة مستقلة لا سلطان عليها سوى القانون.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *