يوسف غريب.. حبر أكادير.. دائم الكتابة.
مصطفى حبش:
المفارقة الساطعة التي تستوقفك في مسار الكاتب والصحفي يوسف غريب، أنه مهندس خفي لجل التظاهرات الثقافية بأكادير ومخرج مفضل المكوث بعيدا عن الأنظار، ومُنْبٓرٍ للدفاع والترافع عن أكادير.
حافظ لسر المدينة وعارف بخبايا أرشفيها السياسي والنقابي والثقافي؛ إذ لا يتأخر قيد أنملة عن إبداء رأيه أو تناول ظاهرة أو تنويه بعمل يجود من خدمات المرفق العام.
حضور الكاتب والصحفي يوسف غريب، دفع قراؤه وأصدقاؤه إلى الإلحاح عليه ودفعه دفعاً نحو أضواء « اليوتيوب » وصخب « الصوت والصورة »، ورغم ذلك يجابه كل هذا « بعناد النبيل » متواريا عن بريق الكاميرا معتصماً ببياض الورقة وسكينة المحبة في زمن صار فيه « الظهور » ديناً جديداً يعبده العابرون.
يقول العارفون بالرجل إن مواجهة الجمهور وعين الكاميرا ليست معركة يوسف غريب، فالرجل خريج مدارس النضال وخَبِرَ اعتلاء المنابر السياسية والنقابية وامتلك ناصية الارتجال دون لعثمة أو ارتباك بل وخضع لتدريب ميداني يؤكد أن « شخصيته البصرية » تملك كل مقومات القبول الرقمي.
لكن وهنا جوهر الحكاية الرجل يرفض أن يبيع روحه لـ « زمن السرعة الجوفاء » ولا يبحث عن صناعة « الإثارة الرخيصة » أو خلق « الشو » لاهثاً وراء نسب المشاهدة؛ فمنذ عام 2017 وعلى مدى تسع سنوات كاملة من الحفر اليومي في جدار الصحافة الرقمية وفي منابر مختلفة نجح يوسف غريب في بناء معادل موضوعي صعب إذ تحول عموده ومقاله التحليلي إلى موعد ثابت لجمهور وازن يتجاوز في أيام قليلة سقف الـ 150 ألف قارئ.
هذا الرقم في مغرب اليوم ليس مجرد إحصائية جافة بل هو « استفتاء شعبي صامت » يثبت أن القارئ حين يجد التحليل الرصين والقراءة العميقة فإنه يترك صخب « الفيديو » ليعتكف في محراب الكلمة المكتوبة.
لكن ذروة السنام في هذا المسار تكمن في ذلك « التخصص الوازن » الذي بات يربط قلم غريب بنبض الشارع كلما اشتد وعظم سعار جيران السوء إذ تحولت مقالاته إلى ترياق ينتظره القراء بشغف لتفكيك مناورات الجوار حتى بات الرجل يُعرف بلقب « قاهر الجنرالات » وهو اللقب الذي لم يتردد صداه في ردهات النخبة المغربية فحسب، بل تغلغل حتى في عمق الجزائر نفسها بين قراء يملكون الجرأة على التقاط الحقيقة من بين سطوره.
خلف هذا اللقب المداوي لا يقف الرجل على أرض رخوة بل يستند إلى ترسانة توثيقية حقيقية تتجاوز 800 مقال خطّ بها كرونولوجيا دقيقة لخطاب العداء، ورصد بالتحليل السيكولوجي والسياسي العاصف مخرجات هذا الصراع لا سيما في مرحلة حكم الثنائي « تبون – شنقريحة ».
إنها ثروة من الحبر تحولت مع الوقت إلى أرشيف حي يوثق لحقبة كاملة من التحرش بسيادة الوطن وقضاياه العادلة.
يدرك هذا الكاتب وهو يخط مقالاته على شاشة هاتفه في هدوء الصباح أن الصحافة ليست مجرد وسيلة لتحصيل « الخبز » فالرجل حقق كفافه وإشباعه الوجودي؛ بل هي رسالة ذات بعد روحي وأخلاقي.
إنه يمارس طقس « التفكير والمسح وإعادة البناء » على نار هادئة مؤمناً بأن الكاميرا قد تمنح ملامح عابرة تذروها رياح الخوارزميات، اما الحرف الصادق فيتحول إلى وثيقة تاريخية عصية على النسيان.
في زمن الهرولة نحو الشاشات يختار يوسف غريب أن يبقى حارساً لوعي قرائه من خلف متراس القلم.. مؤكداً لنا جميعاً أن الكلمة الرصينة لا تموت وأن هدوء الورقة أقوى بكثير من ضجيج الشاشات!!
