اهمية التضامن والتعاون في الإسلام
الصادق العثماني:
يُعد التضامن والتعاون من أهم القيم الإنسانية والأخلاقية التي دعا إليها الدين الإسلامي وجعلها جزءاً لا يتجزأ من عقيدة المسلم وسلوكه اليومي.
فالمجتمع في الإسلام لا يقوم على الفردية وحب الذات، بل يتأسس على التكافل والتآزر لضمان حياة كريمة لجميع أفراده، حيث يتشاركون الأفراح والأقراح، ويساند القوي فيهم الضعيف، والغني الفقير.
وقد جاء القرآن الكريم مؤكداً هذا المبدأ العظيم في تشريع واضح يربط بين التعاون والخير، حيث قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]. فالإسلام وجه طاقات أفراده نحو البناء والخير وحظر كل صور التآمر على الشر. وتتجسد أسمى معاني هذا التضامن في تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين في تلاحمهم وتراحمهم بالجسد الواحد، فقال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [رواه مسلم]، كما أكد النبي على قوة الأمة بتماسكها فقال: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» [متفق عليه].
وتظهر الأمثلة التطبيقية للتضامن في الإسلام في جوانب متعددة من الحياة؛ وأبرزها التاريخي ما حدث عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، حيث ضرب الصحابة أروع صور التضامن في « المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار »، فقاسم الأنصارُ إخوانَهم المهاجرين الأموالَ والديارَ والزرعَ دون تردد. أما في الواقع المعاصر، فتتعدد أشكال التضامن الاجتماعي مثل فريضة الزكاة وصدقة التطوع التي تسد حاجيات الفقراء، وإقامة الأوقاف الخيرية لبناء المستشفيات والمدارس، بالإضافة إلى تداعي أفراد المجتمع لتقديم الإغاثة العاجلة للمتضررين من الكوارث والحروب، والقيام بالعمل التطوعي لرعاية الأيتام وكبار السن.
وما أحوج المسلمين اليوم إلى ترجمة هذه القيم عبر مشاريع اقتصادية واجتماعية كبرى؛ فكما نجحت أوروبا في تأسيس « السوق الأوروبية المشتركة »، يجدر بالدول الإسلامية السعي نحو إنشاء « سوق إسلامية مشتركة » تحقق التكامل الاقتصادي والازدهار المتبادل.
وعلى مستوى الأقليات والجاليات المسلمة، كالمسلمين في البرازيل وأمريكا اللاتينية، تبرز أهمية تأسيس مؤسسات جامعة مثل « بيت الزكاة »، يتولى جمع الزكاة والصدقات من الأغنياء وإعادتها على الفقراء والأيتام، فضلاً عن إنشاء المدارس والمستشفيات لتكون أوقافاً إسلامية تخدم المجتمع وتصون هويته. إن مثل هذه المقترحات العملية تُجسّد الجوهر الحقيقي للتضامن والتعاون الإسلامي.
إن الالتزام بهذه القيم النبيلة يجعل المجتمع الإسلامي كالبنيان المرصوص، يضمن أمنه واستقراره، ويقضي على البغضاء والطبقية، ليبقى التعاون والتضامن رسالة إسلامية سامية لبناء حضارة إنسانية متماسكة ومترابطة.
