العبودية الاختيارية للا بويتي: حين يصنع المحكوم قوة الحاكم… قراءة في الكتاب ونقده

العبودية الاختيارية للا بويتي: حين يصنع المحكوم قوة الحاكم… قراءة في الكتاب ونقده
شارك

محمد السميري

في منتصف القرن السادس عشر، وفي أوروبا التي كانت تعيش تحت سلطة الملكيات المطلقة، وفي زمن كانت فيه الحروب الدينية والصراعات السياسية تهز فرنسا، ظهر نص صغير الحجم لكنه طرح سؤالاً كبيراً ظل حاضراً في الفكر السياسي بعد ذلك بقرون: لماذا يطيع الناس من يستبد بهم؟

صاحب هذا النص هو إتيان دو لا بويتي (Étienne de La Boétie)، الكاتب والمفكر الفرنسي الذي ولد سنة 1530 وتوفي سنة 1563، واشتهر خصوصاً بكتاب «خطاب في العبودية الاختيارية» (Discours de la servitude volontaire). كتب لا بويتي النص وهو شاب، في سياق سياسي كانت فيه السلطة الملكية قوية، وكانت فكرة خضوع الرعية للملك تبدو بالنسبة إلى المجتمع آنذاك أمراً يكاد يكون طبيعياً.

ولذلك فإن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في موقفه من طاغية معين، وإنما في السؤال الذي يطرحه وراء ذلك كله: كيف يستطيع شخص واحد أن يحكم آلاف الناس أو ملايينهم؟

لو كان الحاكم قوياً وحده، لكان الأمر مفهوماً. لكن لا بويتي يريد منا أن نتوقف عند هذه الصورة.

إنه يقول، في جوهر فكرته: انظروا جيداً إلى الطاغية. هل لديه قوة خارقة؟ هل له مئة يد ومئة عين ومئة قدم؟

لا.

إنه إنسان مثل الآخرين.

فمن أين تأتيه إذن كل هذه القوة؟

هنا يقلب لا بويتي زاوية النظر. فالطاغية لا يحكم وحده. هناك من ينفذ أوامره، ومن يراقب الناس باسمه، ومن يحمل السلاح، ومن يجمع الضرائب، ومن يدير الإدارة، ومن يطعم الجيش، ومن ينتج الثروة التي تسمح باستمرار النظام.

أي أن الطاغية يحتاج إلى الآخرين لكي يكون طاغية.

ولهذا يخاطب لا بويتي الشعوب مباشرة، ويذكرها بما تفقده: حقولها، ومنازلها، وأموالها، وعائلاتها، وحياتها. ثم يطرح السؤال الذي يكشف المفارقة: أنتم الذين تعملون وتزرعون وتنتجون، فمن الذي يستفيد من كل ذلك؟

وهنا تظهر الفكرة الأساسية للكتاب: الطاغية لا يستمد قوته من نفسه فقط، وإنما من طاعة الذين يخضعون له.

ولهذا تأتي عبارته الشهيرة:

«كونوا مصممين على عدم الخدمة بعد الآن، وستكونون أحراراً.»

فالحرية عند لا بويتي تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن تقديم القوة التي يحتاج إليها المستبد.

إنه لا يقول إن الطاغية يملك قوة مطلقة بطبيعته، وإنما يقول إن الناس أنفسهم يمدونه بجزء أساسي من هذه القوة.

ولذلك يستخدم صورة أرغوس، الشخصية الأسطورية ذات المئة عين، وكأنه يقول إن الطاغية يبدو وكأنه يملك مئة عين ومئة يد ومئة قدم، لكن عندما ننظر عن قرب سنكتشف أن هذه العيون والأيدي والأقدام هي في الحقيقة عيون وأيدي وأقدام الآخرين.

وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة.

فالناس الذين يشكون من الطاغية هم أنفسهم الذين يعملون في جهازه، ويجمعون له موارده، وينفذون أوامره، ويحملون سلاحه، ويخضعون لقوانينه.

وهكذا تتحول العلاقة إلى دائرة:

الناس يطيعون → الطاغية يصبح أقوى → يستخدم قوته لإخضاع الناس → الناس يستمرون في الطاعة.

لكن لا بويتي يذهب أبعد من ذلك. فهو لا يتحدث فقط عن الخوف، وإنما عن الاعتياد.

فالإنسان قد يبدأ بالطاعة خوفاً، ثم يعتادها، ثم ينشأ جيل بعد جيل داخلها، حتى تبدو الطاعة وكأنها أمر طبيعي. وهنا تصبح العبودية أخطر، لأنها لم تعد تحتاج دائماً إلى القوة المباشرة؛ يكفي أن يعتاد الإنسان موقعه داخل النظام.

وهذه هي النقطة التي تجعل كتاب لا بويتي مثيراً للاهتمام حتى اليوم: الاستبداد لا يستمر بالقمع وحده، وإنما يحتاج أيضاً إلى شبكة من الطاعة والتعاون والاعتياد.

لكن هنا بالضبط تبدأ الحاجة إلى نقد الفكرة.

لأن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الناس يختارون العبودية فعلاً؟

إذا قلنا إن الإنسان يستطيع أن يصبح حراً بمجرد أن يقرر ألا يطيع، فإننا نخاطر بتبسيط المشكلة.

فالإنسان لا يعيش خارج المجتمع.

العامل مثلاً قد يكون غير راض عن صاحب العمل، لكنه يحتاج إلى الأجر لكي يطعم أسرته. والموظف قد لا يوافق على كل ما تفعله المؤسسة التي يعمل فيها، لكنه يحتاج إلى وظيفته. والجندي قد ينفذ الأوامر داخل مؤسسة عسكرية منظمة. والمواطن قد يخضع لقوانين لم يشارك في وضعها لأنه لا يستطيع ببساطة أن يخرج من النظام الاجتماعي الذي يعيش داخله.

إذن هناك سؤال لا يطرحه لا بويتي بالقدر الكافي:

ما الظروف التي تجعل الناس يطيعون؟

وهنا يأتي النقد الماركسي.

الماركسية لا تنكر أهمية الطاعة والوعي، لكنها تقول إن علينا أن نذهب أبعد من مستوى الإرادة الفردية، وأن نسأل عن البنية الاجتماعية والمادية التي تنتج هذه العلاقات.

فبدلاً من أن نسأل فقط:

لماذا يطيع العامل صاحب العمل؟

نسأل أيضاً:

من يملك وسائل الإنتاج؟

ومن يملك الأرض والمصانع والشركات ورأس المال؟

ومن يحتاج إلى بيع قوة عمله لكي يعيش؟

ومن يستفيد من فائض العمل؟

ومن يملك الدولة وأجهزتها ومؤسساتها؟

هنا يتغير مستوى التحليل.

فالعامل لا يذهب إلى المصنع كل صباح لأنه قرر طوعاً أن يخدم الرأسمالي، بالمعنى البسيط للكلمة. إنه يدخل علاقة اجتماعية يجد نفسه داخلها: الرأسمالي يملك وسائل الإنتاج، والعامل لا يملك إلا قوة عمله التي يحتاج إلى بيعها مقابل أجر.

ولهذا تقول الماركسية إن الحرية القانونية وحدها لا تكشف دائماً حقيقة العلاقة الاجتماعية.

قد يكون العامل «حراً» قانونياً في أن يرفض العمل، لكن إذا كان لا يملك وسائل إنتاج ولا دخلاً آخر، فإن رفضه للعمل قد يعني فقدان مصدر رزقه.

هنا يصبح السؤال أكثر عمقاً:

هل يكفي أن نقول له: لا تخدم؟

أم علينا أن نسأل:

لماذا اضطر أصلاً إلى بيع قوة عمله لكي يعيش؟

وهذا هو الفرق المهم بين لا بويتي والتحليل الماركسي.

لا بويتي يركز على علاقة الحاكم بالمحكوم وعلى الطاعة التي تمنح السلطة قوتها.

أما ماركس فيضيف سؤالاً يتعلق بـ علاقات الإنتاج والملكية والطبقات والمصالح المادية.

بعبارة أبسط:

لا بويتي يسأل: لماذا تطيع؟

والماركسية تسأل:

ما الذي يجعلك مضطراً إلى الطاعة؟ ومن يستفيد من استمرار هذه العلاقة؟

وهذا لا يعني أن لا بويتي كان مخطئاً حين تحدث عن دور الطاعة.

بالعكس، هنا تكمن قيمة فكرته.

فحتى التحليل المادي يحتاج إلى فهم الكيفية التي تتحول بها العلاقات الاجتماعية إلى سلوك يومي، وكيف يقبل الناس أحياناً علاقات لا تكون في مصلحتهم المباشرة، وكيف تصبح بعض أشكال الخضوع عادية وطبيعية في الوعي.

لكن الماركسية تحذر من تفسير ذلك كله بالإرادة الفردية وحدها.

فإذا قلنا للمقهور: «أنت حر، فقط توقف عن الطاعة»، فإننا قد نحمّله مسؤولية وضع لم يصنعه وحده.

قد تكون هناك دولة، وقانون، وشرطة، وجيش، وملكية خاصة، وعلاقات عمل، وطبقات اجتماعية، ومؤسسات، ومصالح اقتصادية، وأفكار تبرر النظام القائم.

وهنا نصل إلى نقطة مهمة: السلطة ليست مجرد شخص يجلس في الأعلى ويطلب من الناس الطاعة.

إنها شبكة من العلاقات والمؤسسات والمصالح.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن نقرأ لا بويتي باعتباره قد اكتشف جانباً مهماً من المشكلة، لكنه لم يقدم لنا تفسيراً كاملاً لها.

لقد كشف شيئاً غالباً ما يختفي خلف صورة الطاغية: الحاكم يحتاج إلى المحكومين لكي يحكمهم.

لكن التحليل الماركسي يضيف:

المحكومون لا يعيشون في فراغ، وإنما داخل علاقات اجتماعية ومادية تحدد بدرجات مختلفة ما يستطيعون فعله وما لا يستطيعون فعله.

ولهذا فإن التحرر لا يمكن اختزاله دائماً في قرار فردي من نوع «لن أطيع بعد الآن».

فإذا كان المطلوب تغيير علاقة اجتماعية، فقد يكون المطلوب أيضاً تغيير الشروط التي تنتج هذه العلاقة.

وهنا تصبح المقارنة بين لا بويتي والماركسية مفيدة جداً.

لا بويتي يجعلنا نرى الطاعة.

والماركسية تجعلنا نسأل عن الملكية والطبقات وعلاقات الإنتاج والمصالح المادية.

لا بويتي يقول لنا: انظروا إلى الأيدي التي تمنح الطاغية قوته.

والماركسية تسألنا: لماذا تعمل هذه الأيدي أصلاً داخل هذا النظام؟ وما موقع أصحابها داخله؟ وما الذي يملكونه وما الذي لا يملكونه؟

وبذلك لا يفقد كتاب العبودية الاختيارية قيمته، بل يصبح أكثر إثارة عندما نقرأه نقدياً.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *