حين تموّل الصناديق العلاج ولا تملك حق إنتاجه. هل آن أوان مراجعة الفصل بين التأمين والعلاج؟
بقلم، محمد خوخشاني.
هناك أسئلة تبدو، للوهلة الأولى، قانونية وتقنية، لكنها سرعان ما تتحول إلى أسئلة تتعلق بالاختيار الاجتماعي والاقتصادي للدولة.
ومن هذه الأسئلة سؤال يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه عميق في دلالاته: لماذا تستطيع المؤسسات الخاصة، بما فيها المؤسسات ذات الطابع الربحي، الاستثمار في إنشاء المصحات والمؤسسات الصحية، بينما لا تستطيع الهيئة التي تدبر التأمين الصحي لملايين المؤمن لهم أن تنشئ مؤسسات علاجية تستقبل هؤلاء المؤمنين وتقدم لهم خدمات صحية في إطار غير ربحي؟
القانون المغربي يجيب عن الجزء الأول من السؤال بوضوح. فالقانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب يسمح بامتلاك المصحة للأطباء، ولمجموعات الأطباء، وللشركات التجارية، وكذلك لشخص معنوي من أشخاص القانون الخاص لا يسعى إلى الربح، مع ضمان استقلال الإدارة الطبية. لكنه ينص، في المادة 60، على منع كل هيئة مكلفة بتدبير التأمين الصحي من إنشاء أو إدارة مصحة، وفقاً لمقتضيات القانون رقم 65.00.
كان المنطق وراء هذا الفصل مفهوماً: من يمول العلاج ويؤدي تكلفته لا ينبغي، في التصور التقليدي، أن يكون هو نفسه من يقدم العلاج، حتى لا تتحول مؤسسة التأمين إلى طرف يحدد ما ينبغي أن يُستهلك من خدمات، ثم يستفيد مالياً أو إدارياً من استهلاك تلك الخدمات.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو: هل ما كان منطقياً في مرحلة سابقة ما زال بالضرورة هو الخيار الأمثل في مرحلة تعميم الحماية الاجتماعية؟
منطق الفصل… وحدوده
الفصل بين التأمين وتقديم العلاج ليس مبدأً عبثياً. فهو يمكن أن يحمي المؤمن له من تضارب المصالح، ويحول دون أن تصبح مؤسسة التأمين في الوقت نفسه هي الجهة التي تحدد العلاج، وتقدمه، وتحتسب تكلفته.
لكن هناك جانباً آخر للمسألة.
عندما تكون الهيئة المدبرة للتأمين مسؤولة عن تعويض نفقات العلاج، فإن ارتفاع أسعار الخدمات الصحية، خصوصاً في القطاع الخاص، يتحول في النهاية إلى ارتفاع في تكلفة التأمين، أي إلى ضغط على التوازن المالي للصناديق، وعلى الاشتراكات وعلى المال الاجتماعي الذي تموله في جزء منه مساهمات الأجراء والمشغلين والدولة.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
إذا كان بإمكان مؤسسة غير ربحية أن تستثمر في إنشاء مصحة وفق الضوابط القانونية، فلماذا لا يمكن أن يكون هناك نموذج مؤسسي يسمح للصندوق أو للمنظومة التعاضدية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالمساهمة في إنشاء عرض علاجي غير ربحي، مع ضمان الاستقلال الطبي والرقابة الصارمة؟
المسألة إذن ليست دفاعاً عن «مصحات الصناديق» بأي ثمن، وإنما بحث عن أفضل استعمال للموارد المخصصة للحماية الصحية.
المغرب دخل مرحلة جديدة
هذه المسألة اكتسبت أهمية إضافية منذ صدور القانون رقم 54.23 الذي غير وتمم القانون 65.00. فقد تم بموجب هذا الإصلاح نقل تدبير التأمين الإجباري عن المرض الخاص بالقطاع العام والأنظمة التي كان يدبرها CNOPS إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بما يرسخ توحيد جهة تدبير التأمين الإجباري عن المرض.
وهذا التحول يجعل السؤال أكثر إلحاحاً لا أقل.
فإذا أصبحت لدينا هيئة موحدة لتدبير التأمين الإجباري عن المرض، فلماذا لا يصاحب توحيد التدبير تفكير جديد في العلاقة بين الممول ومقدمي العلاج؟
المطلوب ليس بالضرورة أن يتحول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى شبكة من المصحات يديرها بنفسه. فهذا قد يعيد إنتاج مشكلة تضارب المصالح التي جاء مبدأ الفصل أصلاً لتجنبها.
لكن يمكن التفكير في صيغ أخرى.
لماذا لا نبحث عن نموذج ثالث؟
يمكن مثلاً تصور مؤسسات صحية غير ربحية، مملوكة أو ممولة وفق إطار قانوني خاص، تستهدف بالدرجة الأولى المؤمن لهم، وتخضع لتدبير إداري ومالي مستقل، بينما تبقى الإدارة الطبية في يد الأطباء وتحت رقابة الهيئات المهنية والصحية المختصة.
في مثل هذا النموذج، لا تكون القضية هي أن «الصندوق يعالج نفسه»، وإنما أن منظومة الحماية الاجتماعية تساهم في بناء جزء من العرض الصحي الذي تحتاج إليه، بدل أن تظل مهمتها محصورة في دفع فواتير العلاج الذي ينتجه الآخرون.
وهذا فرق جوهري.
فالتأمين الصحي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد صندوق لتعويض النفقات. إنه، في النهاية، أداة من أدوات السياسة الصحية والاجتماعية.
ومن ثم فإن التفكير في الوقاية، وترشيد الاستهلاك الطبي، وتحسين الجودة، وتقريب الخدمات، والاستثمار في البنيات الصحية، كلها قضايا يمكن أن تكون جزءاً من منظومة الحماية الصحية، لا مجرد مسائل منفصلة عنها.
وحتى تجربة CNOPS تقدم مادة للنقاش
المثير للاهتمام أن تجربة CNOPS نفسها أظهرت قدرة كبيرة على بناء منظومات معلوماتية لتتبع استهلاك العلاج وكلفته، ومعالجة ملايين الملفات الطبية سنوياً، وربط المعطيات بمقدمي الخدمات الصحية، بما في ذلك المصحات ومراكز تصفية الدم ومراكز علاج الأورام.
أي أن مؤسسة التأمين تمتلك، بحكم طبيعة مهمتها، معرفة دقيقة نسبياً بمسارات الإنفاق الصحي وبنية استهلاك العلاج.
فلماذا لا تتحول هذه المعرفة، في المستقبل، إلى سياسة استثمارية صحية، إذا أثبتت الدراسات أن إنشاء مؤسسات علاجية غير ربحية في بعض المجالات أو الجهات سيكون أكثر نجاعة وأقل تكلفة وأكثر فائدة للمؤمن لهم؟
لا بد من الحذر أيضاً
لا ينبغي أن نقع في الطرف المقابل ونفترض أن امتلاك الصناديق للمصحات سيؤدي تلقائياً إلى خفض التكاليف أو تحسين الخدمات.
فالمؤسسة العمومية يمكن أن تكون، هي الأخرى، مكلفة وبيروقراطية وغير فعالة إذا غابت الحكامة والمحاسبة.
ولهذا فإن أي مراجعة مستقبلية ينبغي أن تقوم على شروط واضحة:
استقلال القرار الطبي، شفافية مالية كاملة، محاسبة مستقلة، منافسة عادلة، تقييم دوري للكلفة والجودة، ومنع أي تدخل إداري في القرار الطبي.
كما ينبغي أن يكون الهدف هو خدمة المؤمن لهم، لا خلق احتكار عمومي جديد.
من «من يملك المصحة؟» إلى «من يخدم المؤمن له؟»
ربما يكون هذا هو التحول الحقيقي الذي ينبغي أن نحدثه في طريقة طرح المسألة.
فبدل أن يبقى النقاش محصوراً في سؤال: هل يجوز للصندوق أن يملك مصحة؟
ينبغي أن نطرح السؤال الأوسع:
ما هو النموذج الذي يجعل أموال التأمين الصحي تحقق أكبر قدر ممكن من الصحة للمؤمن لهم بأقل كلفة وبأفضل جودة؟
إذا أثبتت الدراسات الاكتوارية والاقتصادية أن شراء الخدمات من القطاع الخاص هو دائماً الخيار الأكثر كفاءة، فلا موجب لتغيير النموذج.
أما إذا أثبتت الدراسات أن إنشاء مؤسسات صحية غير ربحية، في مجالات أو مناطق معينة، يمكن أن يقلل الكلفة، ويقرب العلاج، ويحد من بعض الاختلالات، ويرفع جودة الخدمات، فإن منع هذا الخيار بصورة مطلقة يحتاج بدوره إلى إعادة نظر.
وهنا نصل إلى جوهر الإشكالية.
القانون ليس غاية في حد ذاته. القانون وسيلة لتنظيم المجتمع وتحقيق المصلحة العامة.
وإذا تغيرت المنظومة الصحية، وتوسعت التغطية، وتوحد تدبير التأمين الإجباري عن المرض، وازدادت الحاجة إلى التحكم في النفقات الصحية، فمن الطبيعي أن يُعاد النظر دورياً في بعض الاختيارات التي تأسست عليها المنظومة.
ليس المطلوب إلغاء مبدأ الفصل بين التمويل والعلاج بقرار انفعالي، وإنما اختباره من جديد أمام الواقع المغربي الجديد.
فربما لا يكون السؤال الصحيح:
لماذا نمنع الصناديق من إنشاء المصحات؟
بل:
هل ما زال منعها بصورة مطلقة يخدم، اليوم، المصلحة الصحية والاجتماعية للمؤمن لهم؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن يفتح حوله نقاش وطني هادئ، بعيداً عن مصالح القطاع الخاص من جهة، وبعيداً عن الدفاع الآلي عن كل ما هو عمومي من جهة أخرى.
فالغاية في النهاية ليست أن تكون المصحة خاصة أو عمومية أو تعاضدية.
الغاية أن يكون المؤمن له هو المستفيد الأول من المال الذي يساهم به، ومن النظام الصحي الذي يفترض أن يحميه.
