بوابة الحكي (1)

بوابة الحكي (1)
شارك

فؤاد الجعيدي

كانت السنة، التي سنودعها بعد أيام قلائل، أقوى سنة وأشدها بأسا في حياتي. سنة عظيمة بكل مقاييس الدنيا، فيها قررت، عقد جلسات طويلة داخل محكمتي، لما أسعفني الحجر للجلوس ساعات طوال، بركن منعزل ببيتي، نسيت البشر الحي كما كنت أراه، في مقاهي المدينة وشوارعها وجلسات الصباح والمساء، يجلد بعضه البعض، بنظرات الحقد وسكاكين النميمة الحادة.

أتى على الناس الحجر، صاروا أكثر حيادا من قبل، بالكمامات على وجوه ضاع منها ما تبقى من علامات الإنسانية، واشتدت الدعوات بينهم، للتباعد الاجتماعي، البعض تعلم الوقوف في الطوابير للتبضع، الإدارات والمحلات التجارية رسمت حدودا جديدة، لخطوات الناس واتجاهات الدخول والخروج، أشرطة حمراء وبيضاء تحافظ على هذا التباعد بقوة.

الجائحة في كل يوم، تتخير مزيدا من البشر، لوجباتها على أسرة الإنعاش الطبي، ثم يسارعون لها بنصب المستشفيات الميدانية في المدن، والجائحة تزداد شهوتها للأرواح. يقولون أن الفيروس التاجي، يتغذى على الرئتين ويتلذذ بطبيعتهما الاسفنجية، يسكن القصبات الهوائية ثم ينصب في مداخلها أعشاشا تتيح الطريق لخنق الأنفاس.

لم تعد للناس فرصا للاحتفاء، بخيام العزاء، ولا لدفن موتاهم بما يستحقون من شعائر، وطقوس قد توارثوها من حضارات قديمة، حيث الميت تكون له الحظوة في الوداع الأخير، ليستمتع بالبكاء الجماعي للنساء، والتراتيل ورائحة البخور التي تمجد الرحلة الأبدية، لنعش يسير إلى دار بقائه وحيدا دون لباس ولا طعام ولا هواء وحده التراب يغدو المملكة الأخيرة والحضن الآمن لحفلات الديدان.

بهذا الركن المنعزل ببيتي أخرجت، كل ملفات عمري وابتدأت المحاكمة: في الجلسات الأولى، كان علي أن أتخذ قرارا حاسما للتطبيع مع ذاتي وأن أعقد معها صلحا تاريخيا، كان علي وعليها أن نأتي عاريان كما الحقيقة، لنعيد معا ومن جديد، الاعتراف بخطايانا وأوهامنا وخجلنا من الآخرين.

اتفقنا في المواجهة المباشرة، أن أعتذر منها وأن أبوح لها بذلك الماضي الذي ظل يسكنني، كشيطان رهيب ويعذبني سنينا، كان الشيطان يلزمني، أن أعدم في اليوم عشرات المرات رغباتي، وأمنح الآخرين حقوقا على حسابي، ولم أجرأ أن أقول للناس أن رؤيتهم التي يفرضونها علي خاطئة، كنت أصدم مع بشر في علاقات العمل في الحزب في الحياة، يلعنونني بلطف ولا أقوى على المجابهة، لأن هذا الخجل لما يفيض يخنق أنفاسي ويتلعثم لساني، فأحتمي بصمتي وقبولي المر.

كان رؤسائي، لما أدون لهم أفكاري، يتكلفون بقراءتها، ويفتخرون لغيرهم بقوتهم الاقتراحية. هذا الأمر، لم أحياه فقط في العمل، بل حتى في الحزب، سهرت ليال طوال حتى أنجزت التقرير، ولما اكتمل دعاني الأمين العام للحزب. قرأت الصفحات التي ناهزت الثلاثين، ولما انتهيت ابتسم وقال لي بمكر سياسي أه سأرى عمل مقبول على العموم.

في يوم اللقاء، اجتمع الناس، كان صاحبي الأمين العام، إلى جانب السيد الوزير وضيوف المنتدى الذين تم انتقاؤهم بعناية من دون بقية الناس، يقرأ في اطمئنان بالغ الكلمة، دفاعا عن قضايا لا يعرفها وتصفيقات بعض الحضور تزيد من ارتياحه، على هذا الجمع الذي سيزايد به على المناصب السياسية القادمة.

وحين انزويت، بذاتي بالطبع، قررنا أن ندافع على وجودنا سويا أمام الحاضرين والغائبين، وأن لا نترك فرصة لأي كان أن يخرسنا.

في البداية بدت مواقفي أمام الناس الذين يعرفونني، أنني غدوت عدوانيا، لم أهتم لأحكام قيمتهم.. ومضيت، أخبرهم بجرأة وشجاعة، أنني تخلصت من غبني القديم، وغدوت لا أطيق التفاهات من الناس الذين يتطاولون، بحثا لهم عن مشروعية كاذبة في حياة اجتماعية، انقلبت فيها الموازين وبوأت للتفاهة أمكنة دافئة وهم رقود.

الأمر لم يكن صدفة، بل خيارا شاقا سعيت لاكتشافه، ولم يكن أمرا هينا، فقبل الوصول إلى هذه المحطة، دخلت في وقت سابق، في حالة اكتئاب شديدة، بت لا أحتمل وجوه الناس، التي تخفي وراء ابتساماتها الكاذبة والنفعية، مكرا لعينا، لكنهم ينتظرونك في أول منعطف الطريق لترى منهم فيضا من القبح والشر.

 صارت عادتي أن أقضي كل فتراتي في البيت، لا أقوى على مغادرة غرفة النوم، وأفضل أن أظل ممددا علي سرير نومي، لعشرات الساعات أخيط فيها الليل بالنهار، وهموم بلا معنى ولا قضية تحط على صدري كالصخر، أنفاسي تضيق آلاف المرات، ورغبة الموت تسكنني.

لم أعد أستشعر أي طعم للحياة.. صارت خيط دخان، في بعض المرات لما يزورني صديقي نجيب بالبيت، يصر على أخذي للمقهى المعتاد، أشعر بالقرف والشرود، وأشعة الشمس تسبب لي ألما وصداعا. أترجاه وبإلحاح شديد أن يعود بي إلى البيت. كدت لأصير مثل خفافيش المغارات القديمة والموحشة.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *