من التمدن إلى التحضر أو سؤال الحق في المدينة

من التمدن إلى التحضر أو سؤال الحق في المدينة
شارك

(مقاربة سوسيو سياسية أنثروبولوجية)

 التهامي حبشي/ إعلامي و باحث سوسيولوجي.

الحلقة الخامسة.

في مفهوم الحق في صنع/إنتاج المدينة:

  المدينة، حسب هنري لوفيفر، هي « إسقاط للمجتمع فوق المجال » (projection de la société sur l’espace) ( H. Lefebvre ; Le droit a la ville espace et politique, Ed.Anthropos, Paris, 1972,p.169.)، ولكن  » المجال ليس تلك الصفحة البيضاء، التي تكتب عليها الجماعات والمؤسسات أفعالها، دون أية مقاومة تذكر..، فالإشكالية الاجتماعية تنشأ في تلك الوحدة التلازمية بين هذين الحدين: الطبيعة والثقافة » حسب  الباحث مانويل كاستلز. ( M.Castells, La question urbaine, op.cit.p.152  )، بمعنى أن الإنسان يسعى دوما إلى طبع وترسيخ ثقافته فوق المجال، أو الوسط الطبيعي الذي يحتله ويتحرك فوقه، وذلك بواسطة مفهوم مولد للاستعدادات والمؤهلات يسميه السوسيولوجي الفرنسي المعاصر بيار بورديو بالسمت أو( الهابيتوس/Habitus) (P. Bourdieu, La distinction, critique sociale du jugement , Coll. Sens Commun, Ed.Seuil, Paris,1979.)). فالهابيتوس، أو السمت، قريب من مفهوم التطبع أو الملكة عند ابن خلدون، من حيث أنه عبارة عن مجموعة من الاستعدادات والمكتسبات المستدخلة والمتشربة، أو المستضمرة بشكل دائم من طرف الشخص، الذي يبدو، بواسطتها، قادرا على إنشاء وبناء عدد لانهائي من الممارسات والخطابات..فالسموت حركات وأفكار، وأساليب وجود وعيش، تم اكتسابها واستبطانها في الذهن والجسد، لدرجة نسيان وجودها. وبعبارة أخرى، فهي  » إطرادات ورتابات ذهنية لاشعورية تتيح للإنسان العمل دون تفكير منه. إنها العادة أو التعود ». ( بيير بورديو، الفتى المتعدد والمضياف، إعداد وتوطئة: عبد الجليل بن محمد الأزدي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2009،ص.54.). إن الجسم (الجسد والذهن) يوجد حالا في المجال الذي يحتله بدوره. وهنا يكون المجال قريبا من مفهوم الحقل (Champs) عند بورديو، من حيث هو » فضاء للصراع، والتدافع والهيمنة. أي حقل قوة، فيه يتفاعل ويتجاذب الأفراد بهدف الاستحواذ على مواقع ومراتب.. »( بيير بورديو، الفتى المتعدد والمضياف، مرجع سابق،ص.52). وبعبارة أخرى، فإن المجال الاجتماعي هو المجال الذي تتمظهر فيه بنيات وديناميات الإنسان » في سياقات متعددة، إما في شكل تناقضات مجالية، أو في شكل مجال مأهول ومتملك، يشتغل كتعبير عن رمزية تلقائية للمجال الاجتماعي. فكل مجتمع تراتبي ينتج بالضرورة مجالا تراتبيا يعبر عن الفوارق والمسافات الاجتماعية »  (P. Bourdieu ; « effets de lieu », in : La misère du monde ; Ed.Seuil, Paris, 1993,P.249). وباعتباره مجالا اجتماعيا، فإن المجال يتحول إلى تراب (territoire) يتم تملكه وحيازته، أي يتحول إلى امتداد للجسم.. فالإنسان يسعى دائما إلى خلق امتدادات ترابية تابعة له أو تحت تصرف عضويته الحية.. وهذا ما يبلور فعل المطالبة بالتراب أو الدفاع عن التراب، وهو ما يسمى بالنزعة الترابية (Territorialité) عند الإنسان كمفهوم معقد يختلف مدلوله باختلاف الثقافات E.T.Hall ; Le langage silencieux, (Traduit de l’américain par J. Mesrie et  B. Niceall), Ed. Seuil, Paris, 1984, P.187.)). ولهذا يكاد يجمع علماء الإنسانيات، من حقول الجغرافيا والتاريخ، والاقتصاد والاجتماع، والنفس، والسياسة والثقافة..، على أن الإنسان حيوان ترابي، وأن هذا النزوع الترابي يؤثر في السلوك الإنساني على كافة مستويات نشاطه الاجتماعي. ولعل هذه العلاقة الحميمية بين الإنسان والمجال هي التي جعلت موريس هالبواش (M.Halbwachs)، مؤلف (المورفولوجيا الاجتماعية)، و(الأطر الاجتماعية للذاكرة) و(الذاكرة الجماعية)، يقول : » إن كل شيء يمضي كما لو أن فكر أي جماعة لا يمكنه أن ينشأ ويستمر في الحياة ويصبح واعيا بذاته، دون الاستناد على بعض الأشكال المرئية من المجال » (Marcel Roncayolo ; La ville et ses territoires, Coll. Folio essais n°139, Ed. Gallimard, Paris, 1990, P.182-183.). وفي قلب هذا التصور السوسيوترابي، توجد فكرة المواطنة (La citoyenneté) ، بمعنى حق انتماء الإنسان، هذا الحيوان الترابي والسياسي، إلى تراب المدينة، والمشاركة الفاعلة في السلطة الجماعية لبلورة وتنفيذ القرارات المتعلقة بتنمية وتطوير الجماعة الترابية. فالمواطنة وضعية وممارسة (Statut et Pratique). فهي، من جهة، وضعية للانتماء إلى وحدة ترابية وسياسية، لها قوانين وتضمن حقوقا وتتطلب واجبات للانخراط في الحياة الجماعية، والتماهي مع الرابط القانوني للانتماء إلى وطن أو أمة. ومن جهة ثانية، المواطنة ممارسة، فانطلاقا من كونها قيمة فضلى وطاقة أو قوة معنوية، تطمح المواطنة أن تكون براكسيس (Praxis) مطابق لنموذج مثالي يبحث عم رابط اجتماعي، وعن منفعة مشتركة توجد لدى كل عضو ينتمي إلى المدينة. فممارسة المواطنة تعني فعل المشاركة في الجسم السياسي (Le corps politique)، وفي نقاشات ومداولات الجماعة الترابية، وأيضا المشاركة في الجسم المدني (Le corps civil)، عبر احترام قوانين ومدونات ومراسيم تنظيم المدينة، أي الالتزام بالروح المدنية أو روح الجماعة الترابية… فنحن لا نكون مواطنين بانتمائنا فقط، إلى جماعة إيديولوجية، عرقية، أو دينية، أو فكرية…، بقدر ما نكون مواطنين كاملين بانتمائنا إلى روح المدينة وبمشاركتنا في القرارات والمشاريع التي تهم مصير المدينة…فالانتماء إلى المواطنة وروح المدينة يفوق كل انتماءاتنا العائلية والدينية، والحزبية والمهنية والفكرية أو الفلسفية…فأن تكون مواطنا صالحا، معناه أن تثبت قدرتك على الامتداد خارج كل هذه الانتماءات الشخصية، بدون محوها طبعا، لكي تقرر الانخراط في شؤون وقوانين المدينة، وأن تكون كائنا سياسيا وجماعيا يشارك في قواعد المدينة ويعبر عنها. وبعبارة أخرى، أن تكون مواطنا كاملا معناه أن تكون القانون المجسد للمدينة. وعند هذا الحد يصل المواطن إلى الدرجة/ الخاصية الثالثة للمواطنة وهي الحرية (La liberté)، فالمواطنة مرتبطة بالحرية منذ نشأة المدينة الإغريقية، كما أن المواطنة الحديثة هي ثمرة بروز بورجوازية المدينة المتحررة على أنقاض فيودالية أو إقطاعية المدينة التابعة في العصور الوسطى.(René Cassin ; La citoyenneté Etre (un) citoyen aujourd’hui, Les rapports du Conseil d’Etat ( ancienne collection Etudes et Documents du Conseil d’Etats, 2018,PP.23-24)) ولعل السؤال المطروح في سياق مجالاتنا الترابية الحضرية بالخصوص هو إلى أي حد استطاعت نخبنا السياسية أو الحزبية الدفع بسكان المدينة في اتجاه أن يكونوا مواطنين كاملي الصفة؟. فبدون شك أن المواطنة كشرط ناجز لممارسة الحق في المدينة، لا زالت تعترضها الكثير من العوائق السوسيوتاريخية والثقافية، التي تحول دون تحققها على أرض الواقع العقلاني والحداثي الملموس، وذلك نظرا لثقل التقليد والجمود والمحافظة التي تطبع نظامنا السياسي الباتريمونيالي (Patrimonialisme) كامتداد للنظام الباترياركي (الأبوي) على مجال أوسع، بحيث يعتبر السلطة حق مخول لفرد، أو أفراد معينين، وهذا الفرد تتمركز فيه كل الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية والرمزية ( محمد جسوس، طروحات حول المسألة الاجتماعية، كتاب الشهر 6، منشورات الأحداث المغربية،، مطبعة دار النشر المغربية، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 2003،ص.106). وهو نظام قائم على الشخصنة وعلاقات التبعية والزبونية، التي تقتضي الاستغلال والاستبداد والفوارق الطبقية، بحيث أن الزبناء هنا لا يشعرون بأنهم مستغلون، بل في علاقة إخاء وخدمة متبادلة بين العامة والخاصة أو الأعيان.( محمد جسوس، جدلية العام والخاص في العلاقات الزبونية، عرض منشور بجريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد يوم 18 يوليوز 1992. وضمن كتاب: طروحات حول المسألة الاجتماعية، مرجع سابق، صص.91-96). إنه النظام المستند إلى فكرة الزعيم/ العين(جمعها أعيان)، كانتماء تقليداني قايدالي (Caidale) ــ بعبارة السوسيولوجي المغربي المأسوف عليه بول باسكون ــ، والذي يتحدد من خلال محددات معيارية تقليدية شبه فيودالية، لا زالت مترسخة في البنية الذهنية و الضمير الجمعي أو المخيال الاجتماعي للمغاربة، والتي نلمسها من خلال مقولات، باتت مألوفة ومتكررة على ألسن الناس، من قبيل:  » ولد الناس »، « ولد لبلاد »، « الله يعمرها دار »، » خيمة كبيرة »،  » رجل طيب »،  » يدو طويلة »…وفي ظل هذه البنية الأبوية، القايدالية أو شبه الفيودالية، نكون جد بعيدين عن « المواطنة، كتموقع رمزي في سياقات الانتماء إلى المشترك الخاضع للتعاقد » كما نظر له كل من جون لوك وتوماس هوبز و وجون جاك روسو، وقريبين جدا من « الطائفية »، التي هي الولاء للشخص، مهما انحرف من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، بدون بوصلة فكرية أو مذهبية ضابطة، وهو الانحراف الذي يشرعن الشخصنة باسم المصحة العامة… »ولا يجوز الإيمان بالفرد على حساب الوحدة العضوية للحزب، سوى من داخل التأويل الفيودالي للتدافع، الذي يجعل الإيمان بالفرد المقاتل مافيا للدفاع عن مصلحة الأرض (والأرض ليست التراب). فالشخص انتماء تقليداني مغلق يتجلى من خلال محددات معيارية  ـــ شخصية، عشائرية، وقبلية ــ ، بينما المواطن انتماء إلى معيارية أخرى، تضمنها دمقرطة الفضاء العمومي، كإيديولوجيا للحداثة عبر تأويل مؤسساتي للتدافع…إن الإيمان بالفرد من لدن الجماعة/الطائفة = بنية تقليدانية مغلقة، يعادي فكرة المدينة ( بوليس/أرسطو) التي تتأسس على روح المواطنة، كشكل مباشر للتعاقد ـــ المؤسساتي والعقلاني ـــ بين المواطنين فوق مجال ترابي معين/ التراب الضامن للمواطنة، كشكل عقلاني لتجويد المشترك عبر ممارسة السياسة. وعليه، فإن الإيمان بالفرد وفق المحددات التقليدية الملازمة للبنية يخدش نبل السياسة ويطعن في مشروعيتها كممارسة مواطناتية (المدينة/السيتي والمواطنة/ السيتيزن شيب)…إن شخصنة العين المحلي أو الزعيم الشعبوي داخل الفضاء العمومي الحضري،  » معادية لفكرة وقيمة المواطنة، كتعبير معياري عن المدينة كتراب عقلاني، يؤسس على التعاقد. ولكل هذا يستعصي القول إن الممارسة السياسية عندنا، الهنا والآن، تتم بعقل حزبي عملي منفلت عن التداعيات الفيودالية، كبنية إجرائية معادية للتأويل المؤسساتي للسياسة. » ( سعيد أولعنزي تاشفين،  » ملاحظات مؤسسة في سياسة اللاسياسة »، مقالة منشورة بجريدة المنظار الإلكترونية،(Almindar.ma) بتاريخ 20 غشت 2021.). إن الديمقراطية ببلدنا تعاني من انسحاب أو انمحاء النخبة الثقافية، إذ يبدو أن المثقفين اليوم، لا يساهمون ـــ كما فعلو بالأمس ــ بشكل واضح وجلي في النقاش الديمقراطي للمغرب. إن الديموقراطية لا تعاني فقط وحسب، من هذه النكسة الثقافية والفكرية، بل وأصبحت تعاني اليوم من فصيلة بعض « المثقفين » السريعي التفكير (Les FAST THINKING) » كما سماهم بيير بورديو، في مؤلفه حول نقد التلفزة، من التكنوقراطيين، وخبراء الإعلام والتواصل، وزعماء الرأي والسياسيين.( بيير بورديو، التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول، ترجمه وقدم له: درويش الحلوجي، دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الإعلامية، الطبعة الأولى، دمشق، 2004،ص.63). وهو ما يزيد في التباس وضبابية المشهد الثقافي، و في ميوعة وهلامية الفضاء العمومي. تعاني الديمقراطية اليوم، داخل مجالاتنا الحضرية والقروية، من تمرين مشوه بواسطة التمثيل الوسائطي، الذي يتم عبر تقديم وظهور المرشحين للانتخابات..عبر شاشات الإعلام السمعي البصري ومواقع التواصل الاجتماعي…بحيث تطغى الصورة النرجسية و البروفيل الشخصي، وفي أحسن الأحوال الشعارات والإيقونات والرموز الحزبية، على الصورة الجماعية أوالمضمون الفكري أو المشروع/ البرنامج السياسي، بشكل يبدو فيه أن حب الظهور لممارسة الإغراء والإغواء..، أصبح هو القاعدة الأكثر انتشارا للزعيم أو المرشح السياسي، بدل إرادة الإقناع والتأثير المذهبي أو الإيديولوجي..، وبالشكل الذي يختزل (المواطنين) إلى مجرد متفرجين على خشبة المسرح السياسي، بدل فاعلين مؤثرين في الرأي العام والقرار السياسي…، فالتمظهر الوسائطي (الفردي أو الثنائي) ـــ وعلى عكس السجال السياسي المفتوح و التناظر الفكري، أو النقاش العمومي، عبر ندوات ولقاءات تعرض تجارب وخبرات وممارسات ــــ لا ينتج إلا تفاعلات محدودة أو ردود فعل آنية وغبر عقلانية، على خشبة المسرح السياسي. إنه فن الفاعل/الممثل بالمعنى المسرحي للكلمة. وهكذا يتعارض تمرين الديمقراطية مع التخدير القنواتي للحياة السياسية، المحلية منها والوطنية ( عبر التلفزيون وقنوات ومواقع التواصل الاجتماعي)، وبالتالي، فالديمقراطية لا يمكنها أن تصان و تتطور، إلا إذا ما هي فهمت اللعبة، وتجنبت التعرض الوسائطي المفرط لفنون العرض والفرجة…الذي لا يساهم إلا في تبخيسها ونسفها. ولذلك، فليس غريبا أن تعاني الديمقراطية اليوم، من التجاهل و اللامبالاة، كنتيجة لتأثير هذه العادات المتكررة والمملة، وانعكاساتها على سلوك الأفراد والجماعات، بحيث تعاني الديمقراطية من انكفاء الفرد على ذاته، ومن غياب الالتزام السياسي والمذهبي باسم القيم المجردة، لصالح الفعل السلبي (العزوف السياسي)، أو الفعل الانتهازي لتحقيق المصلحة الشخصية ليس إلا… إن الديمقراطية، اليوم، تعاني من انحراف الفعل/النضال السياسي من الفردانية الإرادية إلى الفردانية الافتراضية، بالنظر إلى الضعف الهوياتي للذوات الفردية والجماعية، وإلى انتهازية هذه الذوات وتخلف انخراطها والتزاماتها السياسية، مما لا يساهم في إنتاج فاعلين سياسيين حقيقيين، مقتنعين بمشروع سياسي معين وساعين، من خلاله وعلى ضوئه، إلى حل مختلف مشاكل ومعضلات التراب أو المدينة ..بل ينتج عكس ذلك، أقليات متبجحة بالأغلبية العددية، ذات نزعات وممارسات رجعية و طائفية، تولد الفوضى و التشنج، والعشوائية والمزاجية، التي قد تصل، أحيانا، إلى درجات قصوى من العنف والعنف المضاد، مما يجعلها في خطر حاد على المجتمع وعلى الديمقراطية ( النزعات الاستبدادية والأصولية و الشعبوية.). و لعل كل هذه الممارسات الانحرافية، تجعل التمرين على المواطنة في نكسة حقيقية. كما تجعل الديمقراطية تعاني من اللايقين في فعالية الأجهزة/الأحزاب السياسية، أي من الشك في مدى استعداد وإرادة الحاكمين في الحفاظ على خطاب حقيقي وواقعي اتجاه المحكومين، ومن « تنامي الوعي بأن النظام السياسي يعمل على تمرير وتمديد الكذب، مع أن الديمقراطية في جوهرها، يجب أن تكون فاضلة ونبيلة ». إن المبالاة التي تتسع دائرتها وتمتد طريقها نحو التعميم، ويعلن عنها اليوم، هي فقدان النضالية السياسية الحزبية..، وحتى اليوم، إنهم أفراد النخبة السياسية، والناس الممارسين للسياسة، هم المستهدفون من هذا الهجوم، وليس النظام في حد ذاته.(Kellerman.L. ;La démocratie confondue,(lecture sur l’ouvrage de Georges Balandier ;Le dédale :Pour en finir avec le XXeme.Ed.Fayard, Paris,1995 ). ولأن الديمقراطية التعددية تميل إلى تخدير العدوانية المحلية، فإنها في وضعية قلقة ومضطربة، إن لم نقل ملتبسة. ولكن ما دامت الديمقراطية وسيلة وغاية، فإن الممارسة الديمقراطية في جوهرها غير مستقرة أو نهائية، بل هي سيرورة مفتوحة دوما على احتمالات شتى من التحول والتغير، ولذلك من المهم جدا تركها تنمي العقل أو الحس النقدي، وتنظر بشكل مشرق وإيجابي إلى نقط ضعفها لتصحيح مساراتها أو تجاربها الطويلة، وبلوغ غاياتها النبيلة. ولا ينبغي لنا أن ننسى أو نتناسى أننا نتحدث من داخل نظام سياسي تقوده ملكية دستورية بروح حداثية وعصرية مؤطرة وموجهة للعمل السياسي؛ فالملك هو الفاعل السياسي المحوري أو المركزي في نسقنا السياسي المغربي،  » وكل شيء يبدأ من القصر ويعود إليه » كما قال الباحث الامريكي جون واتربوري في مؤلفه:  » أمير المؤمنين، الملكية والنخبة السياسية بالمغرب ». فبالنظر إلى موقعه المركزي ووضعه الاعتباري الرمزي والسياسي داخل النسق السياسي للمجتمع المغربي، ما فتىء الملك يضخ العديد من الاشارات والمبادرات والمشاريع والأفكار لعقلنة وترشيد العمل السياسي الحزبي بالبلاد، وتحفيز الفاعلين السياسيين، من مرشحين وناخبين ومنتخبين ومواطنين، على العمل السياسي النافع والنبيل، وخاصة منذ الاستحقاقات السياسية لسنة  2015؛ حيث صدح الملك محمد السادس بلغة واضحة وبجرأة نقدية موضوعية قائلا: »إذا كان عدد من المواطنين لا يهتمون كثيرا بالانتخابات ولا يشاركون فيها، فلأن المنتخبين لا يقومون بواجبهم على الوجه المطلوب…وهنا يجب التشديد على أن المنتخب كالطبيب والمحامي والمعلم والموظف وغيرهم، يجب أن يشتغل كل يوم، بل عليه أن يعمل أكثر منهم، لأنه مسؤول على مصلحة الناس ولا يعمل لحسابه الخاص. غير أن هناك بعض المنتخبين يظنون أن دورهم يقتصر على الترشح فقط، وليس من أجل العمل، وعندما يفوزون في الانتخابات يختفون لخمس أو ست سنوات، ولا يظهرون إلا مع الانتخابات الموالية…؛ إن الهدف من الانتخابات لا ينبغي أن يكون هو الحصول على المناصب، وإنما يجب أن يكون من أجل خدمة المواطن فقط ».. » ولذا فإن التصويت لا ينبغي أن يكون لفائدة المرشح الذي يكثر من الكلام، أو لمن يقدم بعض الدراهم، خلال الفترات الانتخابية، ويبيع الوعود الكاذبة للمواطنين. فهذه الأفعال وغيرها ليست فقط أفعال يعاقب عليها القانون، وإنما هي أيضا تعبير صارخ عن عدم احترام الناخبين. لذا فإن التصويت يجب أن يكون لصالح المرشح الذي تتوفر فيه شروط الكفاءة والمصداقية، والحرص على خدمة الصالح العام. ». » وللمواطنين أوجه هذا النداء: إن التصويت حق وواجب وطني، وأمانة ثقيلة عليكم أداءها، فهو وسيلة بين أيديكم لتغيير طريقة التسيير اليومي لأموركم، أو لتكريس الوضع القائم، جيدا كان أو سيءا ….  فعليكم أن تحكموا ضمائركم وأن تحسنوا الاختيار؛ لأنه لن يكون من حقكم غدا، أن تشتكوا من سوء التدبير، أو من ضعف الخدمات التي تقدم لكم. »(مقتطفات من نص الخطاب الملكي السامي الذي وجهه الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 62 لثورة الملك والشعب في 20 غشت 2015). هذا ولم يفت الملك في أكثر من مناسبة توجيه النقد الصريح والبناء للأجهزة والأحزاب السياسية، كجزء لا يتجزأ من جسم الدولة المغربية، لكي تنهض بدورها كاملا في تأطير وإنعاش الحياة السياسية والاجتماعية ببلادنا. يقول صاحب الجلالة في هذا الصدد:  » والواقع أن الأحزاب تقوم  بمجهودات من أجل النهوض بدورها. إلا أنه يتعين عليها استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم، هم الذين يعرفون مشاكل ومتطلبات اليوم، كما يجب عليها تجديد أساليب وآليات استغلالها. فالمنتظر من مختلف الهيئات السياسية والحزبية التجاوب المستمر مع مطالب المواطنين، والتفاعل مع الأحداث والتطورات التي يعرفها المجتمع فور وقوعها، بل واستباقها ، بدل تركها تتفاقم، وكأنها غير معنية بما يحدث. »… و بكل تواضع وموضوعية، يضيف الملك محمد السادس قوله: « إن الشأن الاجتماعي يحظى عندي باهتمام وانشغال بالغين، كملك وكإنسان، منذ أن توليت العرش، وأنا دائم الإصغاء لنبض المجتمع، وللانتظارات المشروعة للمواطنين، ودائم  العمل والأمل، من أجل تحسين ظروفهم. وإذا كان ما أنجزه المغرب وما تحقق للمغاربة، على مدى عقدين من الزمن يبعث على الارتياح والاعتزاز، فإنني، في نفس الوقت، أحس أن شيءا ما ينقصنا في المجال الاجتماعي، وسنواصل العمل إن شاء الله في هذا المجال، بكل التزام وحزم، حتى نتمكن جميعا من تحديد نقط الضعف ومعالجتها، فحجم الخصاص الاجتماعي، وسبل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، من أهم الأسباب التي دفعتنا للدعوة، في خطاب افتتاح البرلمان، إلى تجديد النموذج التنموي الوطني…ولا داعي للتذكير هنا، بأننا  لا نقوم بالنقد من أجل النقد، وإنما نعتبر أن النقد الذاتي فضيلة، وظاهرة صحية، كلما اقترن القول بالفعل والإصلاح.( مقتطفات من الخطاب الملكي السامي للملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 19 لعيد العرش يوم 29 يوليوز 2018).

  والخلاصة أن ممارسة المواطنة في مجتمعنا المغربي، في حاجة ماسة إلى ممارسة سياسية ديمقراطية واضحة ومتمايزة، كتلك التي نجدها مبثوثة في ثنايا الخطابات الملكية السامية الرامية إلى بلوغ مغرب جديد بثقافة وممارسة سياسية جديدة، تقطع مع ثقافة و ممارسة الديمقراطية الملتبسة (La démocratie confondue) المتلبسة ببنيات الشخصنة والأبوية والشعبوية، والتي لا تعمل إلا على إعادة إنتاج الولاءات والتبعية والزبونية، بل والطائفية والروح العشائرية والقبلية، بدل إنتاج الروح المدنية والحضرية، أي روح المواطنة العقلانية، كمدخل جوهري لولوج الحداثة السياسية داخل المدينة.

   ومن هنا يمكننا فهم فكرة الحق في المدينة، بأنها هي إعلان عن حق الساكن في أن يصبح مواطنا؛ بمعنى أن يكون لقاطن المدينة الحق في أن يلعب دوره كاملا وفاعلا في صنع المدينة حتى يكون جزء لا يتجزأ من إنتاجها ومن كيانها. إن التفكير في طرائق وكيفيات عيشنا الجماعي ينبغي أن يكون مقدمة لإعادة التفكير والتصرف في طرق وآليات صنعنا للمدينة التي نعيشها أو نعيش فيها. فمن المفترض أن تكون الأنشطة المهنية والإنتاجية و الخدماتية للسكان، هي أنوية ومختبرات التمارين الأولية للممارسة الحق في المدينة، وبالتالي هي مشاتل تطعيم وتخصيب الفعل السياسي والمدني الملموس لصنع أو إنتاج المدينة، وذلك في إطار عدة نماذج مجالية مختلفة، كمشاريع البناء والتأهيل والتهيئة الحضرية، وإعادة هيكلة بعض الأحياء السكنية القديمة، والقرارات الصادرة عن دورات المجالس المنتخبة، والنقاشات العمومية في الاجتماعات واللقاءات والحلقات والأيام الدراسية وفِي وسائل الإعلام المكتوبة والسمعية ألبصرية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي… اَي، من خلال التواصل والحوار، وتوسيع متاحات ومجالات الاقتراح وطرح الأفكار، والمشاريع والأرضيات المشتركة، والبدائل والحلول الممكنة حول بعض المشاكل و الاختلالات الحضرية…ولا سيما، منها تلك المشكلات الناتجة عن الهجرة أو الحركية السكانية، لأنه إذا كان الدافع الأساسي للمهاجرين الوافدين على المدينة هو البحث عن إطار جيد أو أجود للحياة، فإن هذه الهجرات يمكن أن تكون لها تأثيرات سلبية على المجال الحضري، لأنها تطرح صعوبة الولوج إلى العقار والسكن والخدمات الأساسية، مما يولد النمو الفوضوي للسكن ( العشوائي وغير المهيكل) والنقل السري غير المنظم ويؤدي إلى تدني المشهد العمراني بالمجال الحضري…وبالتالي لا بد من الاهتمام البالغ والمتجدد بسياسة الاستقبال الحضري، لتوفير البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية والمرافق الخدماتية الحيوية، لإدماج الوافدين على المدينة، وفق نظرة شمولية متقادمة تستهدف تحسين وتجويد جاذبية المجال الحضري، والرفع من عرضه الترابي.( Jean-Yves Pineau; Les enjeux de l’accueil et l’attractivité des territoires au regard des mutations actuelles, Rencontre régional Lauriane et Alsace,France, 15 Avril 2010).). لقد انتقل مفهوم الجاذبية من حقل الاقتصاد إلى حقول أخرى، منها الجغرافيا وإعداد التراب، والاجتماع والتنمية، ليشير إلى  » قدرة التراب على استقطاب مختلف الأنشطة الاقتصادية وعوامل الإنتاج المتنقلة ( مقاولات، استثمارات، رؤوس أمول وكفاءات..) والتي تمثل انعكاسا لأداء التراب خلال فترة معينة. (Satre Buisson Joel ; Enseignant IAE-Lille1-consultant territorial.). بالإضافة إلى ذلك  » قدرة الفاعلين المحليين على جذب الموارد الخارجية ( رجال أعمال، مقاولين، سياح…)، و من تم، تعمل الجماعة الترابية (المدينة) على وضع برامج تحفز على التقاطها أو استقطابها، كما تعمل على تعزيز قدراتها لجذبها ». (Badrani.S , L’Algérie veut ses pôles de compétitivité :Territoires en quête d’avantage compétitif », in Article du Journal ELWATAN du11 Décembre, 2006.   ). إذ يرى جون بيار شاربون(Jean-Pierre Charbonneau)  » أن التقدم لتحقيق التنمية يتطلب الجاذبية، والتي هي أحد عواملها الضرورية ».(Frédéric Marin ; Blog d’Alfeo-Mai 2010.). ومن هنا غدت المجالات الترابية، من جماعات وأقاليم وجهات تتنافس من أجل استقطاب عوامل التطور والتقدم..وتتسابق لجذب السياح إلى قبلتها، بتوظيف كل مواردها الترابية، لما لذلك من انعكاس إيجابي يعود عليها بالنفع ويساهم في خلق الترابية بداخله. (عزيز مزيان،  » الجاذبية الحضرية والتنمية الترابية: رهان جديد للسياحة بالمدن الجبلية، حالة مدية القصيبة – المغرب، مداخلة ضمن أشغال المؤتمر الدولي الأول حول المدن الذكية في ظل المتغيرات الراهنة…، مرجع سابق، صص.34-36). وحسب بونوا ميرونين، يمكن تصنيف العوامل المؤثرة في رفع الجاذبية الترابية في المكون الجغرافي للتراب، من موارد طبيعية وأولية، ومعطيات مناخية، وخصائص طوبوغرافية، ثم المكون العضوي التنظيمي، ويهم الجانب المؤسساتي السياسي والإداري والقانوني، ومدى قدرته على توفير و تدبير الخدمات العمومية الأساسية: من ماء وكهرباء، وتطهير، وصحة، وتعليم.. ، ثم المكون السوسيو اقتصادي، ويتعلق بأنواع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المزاولة فوق التراب، وتوزيع البنية التحتية المتعلقة بالطرق والنقل والمواصلات(Bonoit.M ; Le Markrting Territorial :Enjeux et Pratiques, Ed.Vuibert, Paris,2009,P.35.). من هذا المنطلق، فإن أصحاب القرار الترابي والسياسي، مدعوون إلى الأخذ بعين الاعتبار بمجموعة من المؤشرات الجغرافية والبيئية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، للتتبع التشاركي فيما يخص التخطيط الحضري والتقييم الدوري لمخططات التهيئة الحضرية والتنمية المجالية، والبرمجة العقلانية والتوزيع المجالي العادل والشامل للتجهيزات والخدمات الأساسية بالمدن المغربية. (Abdekkader Kaioua ; Acces aux services de base dans l’axe Kenitra-Jorf Lasfer dans une perspective d’aménagement du territoire », Rapport Cinquantenaire Le Maroc possible, 50 ans de développement humain, perspectives 2025, RDH-Synthèse-Janvier 2006.).

   إن جاذبية التراب الحضري، ليست مجرد التسويق الترابي المادي والاقتصادي للمدينة، ذلك إن الحق في المدينة لا ينبغي اختزاله في مجرد حق بسيط في زيارة (سياحية؟) عابرة أو عودة، نوستالجية نكوصية وسلبية، إلى المدينة (الأصل أو الأم أو مسقط الرأس)، بل إنه أشمل من ذلك، فهو الحق في تملك المدينة، كتراث مادي ولامادي، مع الحق في عيش الحياة الحضريةـ بكل إيقاعاتها المتحولة والمتغيرة باستمرار، وهو الربط الدياليكتيكي، الذكي والديناميكي، بين حاضر وماضي ومستقبل المدينة، وبين المكان المحلي للهوية والذاكرة، والمكان الكوني للعالمية أو العولمة. مما يعطي زخما للحياة المدنية والسياسية ( أو لا يحيل جذر مصطلح المدينة (Polis)  على مفهوم المواطن (Polites)؟. إن المجال الحضري، كمجال ترابي خاضع للتعمير و التصنيع، هو حمال ثقافي و شاهد تاريخي على شيء آخر غير بساطته المادية، إنه معلم ومرجع للعلاقات الاجتماعية المتعددة، من خلال أمكنته وأزمنته، ومعالمه وتذكاراته المتنوعة، التاريخية منها والاجتماعية، والسياسية والثقافية، بل والعاطفية والجمالية أيضا. إنه شاهد على الروح أو الحياة الحضرية، وحامل لممارسات مواقف وقيم ورموز وعلامات ثقافية، تتوثق فوق ترابه، وتترسب و تترسخ لمدة مهمة من الزمن، وبالجملة، إن المجال الحضري حمال قوي لروح جماعية تسكنه وتنقله من جيل إلى جيل.( Said Mouline ; »Citoyenneté et Urbanité »,in Rapport Cinquantenaire Le Maroc Possible, 50 ans de développement humain, Perspectives 2025, RDH50-Synthèse-Janvier2006)). إن المدينة، ليست مجرد سطح ترابي خاضع للبناء والسكن، للمنشآت الصناعية والخدماتية والإدارية، وللطرقات ووسائل النقل والتنقل فحسب، بقدر ما هي كتلة بشرية وإنسانية، ذات هوية وذاكرة جماعية وقيم إنسانية..إنها روح للمواطنة وللتضامن وللحداثة، بكل أبعادها المحلية، الجهوية، والوطنية، و لما لا العالمية؟. فلما لا يتم الاستعانة بالسوسيولوجيا من أجل تخصيب التفكير في سياسة صنع أو إنتاج المدينة؟ ــ وخاصة منها السوسيولوجيا الحضرية، أو بدرجة أكثر تحديدا سوسيولوجيا المدينة، أو سوسيولوجيا السكن، وسوسيولوجيا الأسرة (Yankel Filjalkow ; Sociologie du Logement, Coll. »Repères », Ed. La découverte, Paris, 2011.) ــ التي تضع نصب أعينها ضرورة استحضار أو اعتبار البعد الإنسي، في تشكيل وصياغة وتنفيذ مشاريع بناء أو صنع، أو هيكلة أو تأهيل المدينة؟؟؟. ذلك، لأن التمدين أو التحضر لا يمكن اختزاله في مجرد التموقع المجالي للساكنة، أو الحصول على سكن فردي أو عائلي، ولا في وصفات هندسية مستوردة من مجتمعات مغايرة، أو تصاميم نموذجية جاهزة للبناء والسكنى أو الإقامة، بل ينبغي إعطاء الأولوية لتمثلات وتصورات، وحاجيات وتطلعات الساكنة، وإلى المعيش الثقافي، بما يراعي تقوية الرابط الاجتماعي، و وتعزيز روح التعايش والاندماج أو التمازج الاجتماعي في حياة البشر داخل المدينة. ألم يقل الروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف، صاحب خماسية « مدن الملح »: إن المدن هي البشر. المدن هي العلاقات بين البشر »؟؟. لقد لاحظ السوسيولوجي المغربي محمد جسوس أن عددا من المشاريع التنموية والتحديثية والإصلاحية، والمبادرات الاقتصادية والعمرانية والسياسية، التي غيبت أو أغفلت استحضار المسألة الاجتماعية أو المجتمعية بالمغرب، قد آلت إلى الفشل الذريع، ولم تحقق الأهداف التي كانت مرصودة لها. وكمثال على ذاك ، البرامج والمشاريع التي استهدفت ما يسمى بمحاربة مدن الصفيح، خلال منتصف السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الذي فات، بهدف إعادة إسكان الفئات الاجتماعية الفقيرة والهشة، والتي استفادت منها، عكس ذلك، فئات اجتماعية لا علاقة لها بسكان مدن الصفيح، كفئات الموظفين الصغار والمعلمين، وصغار الإداريين والتقنيين، والمستخدمين في القطاع الخاص، وعدد كبير من المضاربين العقاريين الصغار والمتوسطين.. وكل هذا دليل على « أن نتائج كل عمل اجتماعي تختلف بالضرورة عن المقاصد والتوقعات والأهداف التي رصدت لذلك العمل، وأن هناك دائما فرقا محتوما بين المنطلقات والنتائج، وهذا الفرق ناتج عن الهياكل الاجتماعية ــ إذا كان الأمر يتعلق بمكونات المجتمع ــ، أو المجتمعية ــ إذا كان الأمر يتعلق بنسق إجمالي أو بفترة تاريخية برمتها. إن تواتر فشل تلك العمليات الإسكانية والمعمارية وغيرها، لدليل قوي على أن المنطق الاقتصادي وحده، والمنطق السياسي وحده، لا يسببان الفشل فقط، بل إنهما يعوقان تلمس أسباب ذلك الفشل أيضا، ويرجحان احتمال إعادة إنتاجه رغم تنوع الظروف والنوايا تراكم الاجتهادات والكفاءات بشأنه.( محمد جسوس، » غياب المسألة الاجتماعية والمجتمعية بالمغرب »، عرض ألقي سنة 1982، منشور بكتاب: طروحات حول المسألة الاجتماعية، مرجع سابق، صص.40-41. ويمكن، القول بأن مشاكل المجتمع المغربي اليوم، وخاصة في أوساطه الحضرية، والبيمجالية، شبيهة إلى حد ما بمشاكل المجتمع الأوروبي خلال القرن التاسع عشر الميلادي ( وهي فترة نشوء السوسيولوجيا كعلم اجتماعي مع أوغست كونت، وإيميل دوركهايم، وهربرت سبنسر، ثم ماكس فيبر وباريتو فيما بعد…). فالمجال الترابي المغربي، وخاصة في مدنه الصغرى والمتوسطة، يمر اليوم من مرحلة انتقالية ديمغرافية ومجالية، واجتماعية واقتصادية.. ومشاكله المجتمعية هي مشاكل التحول والانتقال، وهو تحول ليس متكافئا وليس متوازنا، على مستوى مختلف الميادين، مما يخلق العديد من الاختلالات الوظيفية، التي تصل أحيانا إلى ما يسمى بالأنومي (L’Anomie)، في مختلف الميادين، سواء تعلق الأمر بالقانون، أو الاقتصاد، أو السلوك السياسي، أو التنظيم الإداري والإنتاج الفكري..( محمد جسوس،  » إشكالية العلاقة بين التاريخ والسوسيولوجيا، مكانة المعطيات التاريخية في البحث السوسيولوجي »، ضمن كتاب محمد جسوس، قضايا منهجية في البحث السوسيولوجي، تنسيق: نجيب خدي، منشورات الجمعية المغربية لعلم الاجتماع، مطبعة دار المناهل، الرباط، 2019،ص.ص.26-27). مما يستدعي التعجيل بمهمات الرصد والبحث، والتحليل والتفسير، من طرف مختبرات ومراكز الدراسات والأبحاث، في مختلف حقول العلوم الاجتماعية، من جغرافيا وتاريخ و ديموغرافيا، واقتصاد وتدبير وهندسة ترابية، وتنمية وإعداد للتراب، ومن سوسيولوجيا وسيكولوجيا، وعلوم قانونية وسياسية وأنثروبولوجيا….، لمواكبة تحولات وانتقالات مجالاتنا الترابية، وخاصة منها المجالات الحضرية، الناشئة منها والنامية.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *