تقرير مفصل حول ندوة أكاديمية عن اليوم العالمي للغة العربية (موضوع: « اللغة والهوية »)

تقرير مفصل حول ندوة أكاديمية عن اليوم العالمي للغة العربية (موضوع: « اللغة والهوية »)
شارك

           بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية الذي يتم تخليد ذكراه في كل سنة من يوم 18 دجنبر عالميا، نظم مختبر الدكتوراه للسيميائيات، وتحليل الخطابات الأدبية والفنية ندوة بعنوان  » اللغة والهوية » في رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية  ابن امسيك داخل فضاء عبد الله العروي وذلك يوم الخميس 16 دجنبر 2021 ، وقد تضمن برنامج الندوة جلستين:             

الجلسة الأولى : جلسة افتتاحية برئاسة ذة : لطيفة البصير، والجلسة الثانية : جلسة علمية برئاسة عبد العالي معزوز       

  تقرير من  إنجاز الأستاذة رقية منظور      

-الجلسة الافتتاحية :

استهلت الجلسة الافتتاحية للندوة بكلمة ترحيبية من طرف ذة : لطيفة البصير التي أعربت من خلالها عن شكرها العميق للكلية ولأعضاء المختبر الذين دأبوا على الاحتفاء باللغة العربية في كل سنة ، وفي ذات السياق فقد بينت الاستاذة أهمية اللغة العربية ومكانتها في تاريخ الأدب العربي بعدها ذلك الموروث الفكري والحضاري الذي تتناقله الاجيال وتعتز به الثقافة العربية ، مستدلة في هذا الباب باقتباسات شعرية عن اللغة العربية، ومن أمثلتها القصيدة الشعرية الشهيرة لحافظ ابراهيم ، ثم بعدها أعطت الكلمة لعميد الكلية الدكتور عبد القادر كنكاي الذي نوه بالجهود المبذولة التي اعتاد مختبر السيميائيات وتحليل الخطابات الادبية والفنية على إعطائها للغة العربية خاصة في هذه المناسبة، فطرح مجموعة من التقييمات التي تصدر في حق اللغة العربية والتي تكون بمنأى عن البعد العلمي والأكاديمي مما يجعلها منحصرة في التداول العشائري اللغوي ، إلا أن الواقع المفترض يبين لنا بان هذه اللغة لها راهنيتها ومواكبة لروح مستجدات العصر، كما تحتل موقعا استراتيجيا إلى جانب لغات العالم الاكثر انتشارا، وهي في تزايد كبير خاصة خارج البلدان غير الناطقة بها بحيث لوحظ أن هنالك إقبالا متزايدا على تعلم ودراسة اللغة العربية ، إضافة إلى ما سبق فقد اعتبر الدكتور اللغة العربية مرتبطة بالمعطيات الأساسية  التي تستند على برامج تنموية ، وفي هذا الاتجاه فإن البرنامج التنموي المغربي يولي أهمية قصوى للغة العربية ويعتبرها من مكونات الهوية المغربية ، مع الإشارة إلى الأبعاد اللغوية وأهميتها في تطوير مجالات مختلفة التي من شأنها أن تغني من مواضيع هذه الندوة.

وبعد الكلمة الافتتاحية للسيد العميد أعطت الاستاذة الكلمة مباشرة للمنسق ومدير المختبر السيد عبد اللطيف محفوظ الذي استهل كلمته بالشكر للسيد العميد على حضوره لهذا اللقاء العلمي الوازن، ودعمه اللامشروط لمختلف الندوات المنعقدة سابقا، كما شكر الأساتذة المشاركين والحاضرين في هذا اللقاء ،   وأكد من جهته على اشتغال المختبر منذ أعوام على الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية ، كما اثار إشكالية اللغة والهوية باعتبارها قضية قابلة للمساءلة والتجديد والتقاطع المعرفي والمعالجة الفلسفية والسياسية والايديولوجية ، ومن ثمة فإن هذا التجديد تفرضه طبيعته المركبة واتصاله بالمكون الهوياتي الذي يتسم بالتغير والدينامية فلا بد إذا من إعادة استشكاله وربطه بالكينونة الإنسانية العاكسة لهوية اللغة ولشساعة الموضوع فقد حرص على استدعاء متخصصين قصد مدارسته من شتى الجوانب.

أما الكلمة العلمية الثالثة فقد تناولها الدكتور والناقد السيميائي رشيد الادريسي، الذي ذكر في البداية الدوافع التي أدت بالمختبر لاختيار موضوع اللغة والهوية ولعل الدافع الأول هو راهنية الموضوع خاصة بعد سنة 1989 وانهيار المعسكر الشرقي الذي غيب اللغة العربية لتحل محله الثقافة فيحصل بذلك تقاطع مفاهيمي بين الثقافة والهوية والحضارة وغيرها من  المفاهيم الشائكة ، مما يجعل مناقشة الهوية ومقاربتها من زاوية علمية رصينة كفيل بنزع فتيل القنبلة الموقوتة. ومن الدوافع أيضا: الاحتفاء باللغة العربية في وضع من المساكنة والتعايش السلمي.

الجلسة العلمية للندوة:

       سير وقائع الجلسة العلمية الدكتور عبد العالي معزوز  وسلط الضوء على إشكالات جوهرية لها صلة بواقع اللغة العربية من قبيل التداخل اللغوي والصعوبات التي تواجهها اللغة بفعل خلفيات التبعية وسلطة الثقافة المهيمنة، ومع ذلك فإن اللغة العربية فرضت كينونتها إلى جانب لغات العالم  ،فاحتلت مكانة لا يستهان بها ،وفي علاقتها بالهوية فإن الأستاذ معزوز يرى أن هذه العلاقة معقدة ينجم عن تحليلها تساؤلات  عميقة موجهة  لأعضاء الندوة وللحضور ، وبعد إثارته لهذه التساؤلات يعطي الكلمة للدكتور محمد حفيظ في مداخلته الموسومة بالوضع اللغوي بالمغرب « بين لغات الهوية والهويات اللغوية » .

       ينطلق الدكتور محمد حفيظ من تساؤلات مفصلية متجزئة عن طبيعة الموضوع مفادها تسليط الضوء على الواقع اللغوي المغربي وتمثلاته ، وأيضا مقاربة الوضع اللغوي والهويات اللغوية من منظور لساني في تقاطعاته مع مجالات أخرى ، وقبل ذلك فقد حاول الوقوف على الاختلاف اللغوي وأسبابه وتبيان نقاط التشابه بين اللغات داخل الثقافة المغربية، ففسر الخصائص المشتركة بين اللغات بقواعد لسانية موحدة على المستوى اللساني في إطار وضع تاريخي والأمر نفسه ينطبق عللا استعمال اللغة العربية كلغة رسمية ومعيارية إلى جانب لغات قطرية شفهية متعددة في المغرب وعلى سبيل المثال ما يتداول في وسائل الإعلام من لهجات هجينة تفضي إلى زحزحة وظيفة اللغة العربية وإعلان موتها ، في حين أن اللغة لها قابلية التطور والاستمرار وفي هذا السياق يطرح الأستاذ أسئلة : ما السبيل لإنقاذ اللغة العربية من الزوال في ظل هذه الوضعية الراهنة؟…..  فيربط هذا التساؤل بإشكال معرفي مرتبط بالبحث اللغوي الذي يحصر علم اللغة في اللسانيات الحديثة ومستوياتها ، بينما اللغة العربية تتصل بعلوم خارج النسق اللساني الداخلي وهذا ما يفسر بأن اللغة تحتاج إلى دراسة سياقها الخارجي المرتبط بالفكر والثقافة والعقل والدين وبالتالي فإن ذلك تتناوله من جانب الهوية فالهوية تدرج اللغة كمكون من مكوناتها كما حرص الأستاذ في مداخلته على إيراد أمثلة من صلب الواقع كحدث « متابعة كأس العرب » الذي أثير كإشكال من طرف نزعات متعصبة بهدف تأجيج الصراعات السياسية وتجلت مواقفها في رفضها لاستعمال كلمة عرب للتعبير عن التظاهرة الرياضية، يتعلق الأمر هنا بجمعية أمازيغية وجمعية حقوق الإنسان ، فدعت هذه الأخيرة إلى رفض استعمال هذه التسمية العرقية .

نخلص من خلال هذه المداخلة إلى أن مشكلة الهوية والاختلاف اللغوي ظاهرة طبيعية إلا أنها تستغل عند البعض لافتعال       الصراع بدل أن تكون موضوعا للتعايش والسلم.

        كانت المداخلة العلمية الثانية من نصيب الدكتور رشيد بن السيد الذي عالج موضوعا إشكاليا بعنوان  « الهوية بين اللغة والخطاب حول اللغة » فارتأى بدأ مداخلته باستحضاره لما ورد في سجله المعرفي عن اللغة العربية من أقوال مأثورة تاريخيا عن فلاسفة وشعراء لبيان مكانتها ، كما كشف لنا عن الافكار التي سيناقشها في مداخلته ، موضحا بأن الخوض في مثل هذه القضايا هو بمثابة أمر بالغ التعقيد، خاصة وأن اللغة هي في نظره تحصيل لقواعد وسنن دأب على استعماله وتواطئه  أفراد الشعوب ، فكانت اللغة مثلا في أوروبا قديما وسيلة للتوحيد بين الشعوب وإذكاء روح الانتماء الوطني فاللغة وفق هذا التصور كانت الرابط الموحد والجامع والضامن للهوية الجماعية، واداة لتجسير ثقافة الجماعة وفكرها ، فاعتمد الأستاذ في هذا الصدد على تحليل مفاهيم مرتبطة بالهوية الجامعة:

-مفهوم البنوة والمقصود به الترابط اللغوي الذي يرثه الأبناء على الآباء في إطار التثاقف اللغوي فتحدث بذلك هوية متجذرة في العمق التاريخي للغة ويعلل الأستاذ الاختلاف الحاصل بين اللغة والهوية والثقافة إلى طبيعة الخطاب المنفتحة على الاستعمال والتداول اللغوي، فالخطاب وجه للاستعمال الكلامي ، ومن المفاهيم المرتبطة بالهوية الجماعية نجد مفهوم الكفاءة اللغوية المتصل بأنثروبولوجيا التواصل وفلسفة اللغة  وأيضا الكفاءة التداولية والوضعياتية والخطابية والدلالية والسيميولسانية وتستوجب هذه الكفاءات من كل فرد القدرة على أن يتواصل بحديثه وفق سياق وأحاديث مخاطبه مع مراعة السياق الكلامي.

        تميزت المداخلة الثالثة للأستاذ سعيد أصيل وعنوانها « تحديات التعدد اللغوي والهوية في المغرب: ملاحظات نقدية » بموقف علمي صريح الذي ينحو في اتجاه مدافع باستماتة عن اللغة العربية والهوية المغربية، مستدلا على مشروعية طرحه بشواهد تاريخية عن شخصيات سياسية فرنسية دافعت عن لغتها وهويتها ، ومن هذا المنطلق فمن الصعب عزل اللغة العربية عن مجتمعها وإن كان هذا المجتمع يعاني من تبعات الهيمنة الاستعمارية واستبداد القوى المعمرة بشتى الطرق التكنولوجية والمعرفية والثقافية ضغوطاتها البالغة الأثر على الهوية واللغة ، ومن القضايا الكبرى والتحديات المشارة إليها ما يلي:

-قضية الظهير البربري

-ظهور العولمة  التي كانت من بين الاستراتيجيات التي تروم إلى حل التكتلات المحلية المتشبعة بالثقافة المغربية.

-تبعية الاستعمار وما بعد الكليانية للقضاء على التعليم واللغة العربية بالإضافة إلى سياسة الاتباع اللغوي والثقافي واستهداف نظام التعليم لصالح الفرنكوفونية.

        المداخلة الرابعة للدكتور رشيد الادريسي بعنوان : « اللغة والهوية في حالاتها القصوى »

بدأ الدكتور مداخلته بتوضيح المقصود بالحالات القصوى فهي تلك الحالات غير الطبيعية لبعض اللغات في مجتمعات معينة  وتكون فيها اللغة مستهدفة ، بل أداة حرب وقياسا على ما سبق فإن ظاهرة الحالات القصوى عند السوسيولسانية  تسمى بالافتراس اللغوي وكذلك فقد استلهم هذا المفهوم من كتاب يتحدث عن يمين متطرف ظهر في اوروبا  وكان يتبنى مبادئ إقصائية لدول العالم الثالث وفي طليعتها مبدأ اللغة المستهدفة بحيث يتم السيطرة على دورها وتعطيل ديناميتها حتى تتوقف على الانتشار داخل الفضاء المختلف عنها، كما أكد الأستاذ على ضرورة انفتاح اللغة العربية على غيرها حتى تضمن تماسها وتعبر عن كينونتها، فد استقى بعض الامثلة لتفسير هذه الحالة من بينها: حالة الاستعمار والهيمنة التي يمارسها المستعمر ليجتث هويته ولغته « الشعب الفلسطيني وكتابات الشاعر محمود درويش » التي تؤكد على دفاع الشاعر عن اللغة و الهوية في فلسطين……. إن هذا الوضع أشبه بمنع وعزل اللغة عن التطور خاصة في عالم الدول الفرنكوفونية التي تحد من الإنتاج المعرفي للغة الأم وهذا الاستهداف يطال النسق الهوياتي أيضا فارتباط اللغة بالهوية ارتباط  جدري وفي وضعية المغرب الراهنة فاللغة والهوية مازالت في حالة قصوى وهذا الأمر تنبه له كبار المفكرين الفلاسفة كمحمد عابد الجابري الذي اشار إلى إشكالية الثقافة الوطنية في تقارباتها مع الهوية والتعليم والتربية.

ختمت الجلسة العلمية بفتح النقاش للحضور والمشاركين حتى يتسنى للمتدخلين التفاعل في الموضوع بأسئلة وإضافات قيمة.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *