رفع القدرة الشرائية.. رهان الحكومة الجديدة
الدكتور جمال الدين بوقار خبير في نمو المقاولات والأداء الاقتصادي، رئيس جمعية مركز كفاءات للتشغيل والمقاولة،
رئيس الجمعية المغربية للاستثمار
تُعد القدرة الشرائية اليوم واحدة من أهم القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تشغل بال المواطن المغربي. فمهما كانت المؤشرات الاقتصادية إيجابية، فإن المواطن يقيس نجاح السياسات العمومية في نهاية المطاف من خلال سؤال بسيط ومباشر:
ماذا بقي في جيبي بعد أداء مصاريف السكن والغذاء والنقل والتعليم والصحة وباقي الحاجيات؟
ومن هذا المنطلق، فإن رفع القدرة الشرائية لا ينبغي أن يكون مجرد شعار سياسي أو إجراء ظرفي، بل يجب أن يتحول إلى رهان استراتيجي للحكومة الجديدة، يقوم على معالجة متكاملة للدخل والأسعار والتشغيل والإنتاجية والخدمات العمومية.
القدرة الشرائية ليست مجرد زيادة في الأجور
من المهم التمييز بين الدخل الاسمي والدخل الحقيقي.
فإذا ارتفع راتب المواطن، ولكن ارتفعت في المقابل أسعار المواد والخدمات الأساسية بنسبة أكبر، فإن قدرته الشرائية قد لا تتحسن فعلياً.
لذلك فإن المعادلة الحقيقية هي:
القدرة الشرائية = نمو الدخل الحقيقي – ارتفاع تكلفة المعيشة
وهذا يعني أن الحكومة لا تستطيع معالجة القدرة الشرائية من جانب واحد.
رفع الأجور مهم، ولكنه ليس كافياً.
الدعم الاجتماعي مهم، ولكنه ليس كافياً.
مراقبة الأسعار مهمة، ولكنها ليست كافية.
والحل الواقعي هو بناء اقتصاد قوي يستطيع أن يرفع مداخيل المواطنين ويحافظ في الوقت نفسه على تنافسية الأسعار ويخلق فرص شغل منتجة ومستقرة
كيف ننتقل من دعم القدرة الشرائية إلى بناء قدرة شرائية مستدامة؟
الرهان الأول: رفع الدخل الحقيقي للمواطن
الحكومة الجديدة مطالبة بوضع الدخل الحقيقي للأسر في قلب السياسات الاقتصادية.
وهذا يتطلب عدة مسارات:
* تحسين الأجور تدريجياً.
* تخفيف العبء الضريبي عن الطبقة المتوسطة.
* تحسين دخل الفئات ذات الأجور الضعيفة.
* دعم دخل المتقاعدين والفئات الهشة.
* تحسين إنتاجية العامل المغربي.
* خلق وظائف ذات قيمة مضافة أعلى.
* محاربة العمل غير المهيكل تدريجياً دون إضعاف مصادر دخل الأسر.
فالهدف ليس فقط أن يحصل المواطن على أجر أكبر، وإنما أن يستطيع بهذا الأجر أن يشتري سلعاً وخدمات أكثر وبجودة أفضل.
الرهان الثاني: خفض تكلفة الحياة
لا يمكن الحديث عن القدرة الشرائية دون الحديث عن تكلفة المعيشة.
هناك مصاريف أصبحت تمثل ضغطاً كبيراً على ميزانية الأسر:
السكن + الغذاء + النقل + التعليم + الصحة + الطاقة + الاتصالات + التأمين + الضرائب والرسوم.
لذلك، يجب أن تنتقل الحكومة من سياسة التعامل مع كل ملف بشكل منفصل إلى بناء مؤشر وطني لتكلفة المعيشة يقيس تطور المصاريف الحقيقية للأسر حسب الفئات الاجتماعية والمناطق.
فما يستهلكه دخل أسرة في الدار البيضاء ليس بالضرورة هو نفسه في مدينة صغيرة أو في العالم القروي.
وهنا تظهر أهمية السياسة الاجتماعية الموجهة حسب الدخل والمنطقة وحجم الأسرة.
الرهان الثالث: محاربة التضخم غير المنتج
محاربة ارتفاع الأسعار لا تعني بالضرورة فرض الأسعار.
بل يجب معالجة الأسباب التي تجعل تكلفة المنتج مرتفعة.
من هنا تأتي أهمية:
تقليص حلقات الوساطة، تحسين سلاسل التوزيع، دعم المنافسة، تطوير اللوجستيك، الرقمنة، تحسين الإنتاجية، وتقليص الهدر.
