طوفان في إسرائيل

طوفان في إسرائيل
شارك

د.خالد فتحي

فيما يشبه تخليدا لليوبيل الفضي لحرب أكتوبر 73، نفذت  حماس  أكبر عملية خداع استراتيجي  ،حين تكامنت  لمدة طويلة ،ثم فجأة  انبعثت طوفانا جارفا  سحب من  اسرائيل امتياز المباغتة ، وانتزع  منها انتزاعا، و في صدمة غير مسبوقة لتل أبيب، احتكار تحديد زمان ومكان المعركة.   لقد   بدت إسرائيل  أمام كل الأنظار منهكة  مرتبكة  لا تلوي لا  على جيش، ولا على موساد ، بل لعلها فقدت للأبد صورة القوة والجبروت  التي كانت توهم بها العالم  عن نفسها  .

لامجال بطبيعة الحال للموازنة بين إسرائيل وحماس عسكريا ولوجبستكيا وتكنولوجيا، ولكن الحرب خدعة أيضا ، و هي حين تكون ذات عمق حضاري لا تقاس بالأسلحة فقط .فالفلسطينيين لا يحاربون بالعتاد. وإنما يقتلون ويقتلون عن عقيدة و قناعة بأنهم على الحق ، وان الأرض أرضهم ،والسماء سماؤهم  ،والبحر بحرهم ،والقدس قدسهم.وانطلاقا من انهم أحرار في أن  يفعلون  سلاح الشهادة الذي لا تملك تجاهه إسرائيل اي سلاح مضاد .

 وقع في يوم واحد أن  صنع الشعب الفلسطيني المعجزة، وان انهارت مرة واحدة  كل السردية الإسرائيلية حول التفوق العسكري الإسرائيلي الذي بدا مجرد أضغاث إعلام ومحض استيهامات استخبارات .

ثبت الآن أن إسرائيل قد لا تقوى أبدا على حرب غير نظامية ،بل إن مفاهيم المواجهة وقواعد الاشتباك  تبدلت جذريا مع هذا القيام الفلسطيني. .

الواضح أنه استراتيجيا انه لن ينفع إسرائيل بعد الآن أن يكون لها  سلاح نووي تجاه شعب يعتبر ان   كرامته  استفزت للدرجة القصوى ،شعب  لم يعد له ما يخسره ،فوضع نصب عينيه خيار الحرية  ولا شيء غيرها .

 لم يعد مجديا لإسرائيل أن تطور اسلحتها ضد شعب فرض عليها أسلوبه في القتال .فما سيسعفها فعلا هو ان تطور فهمها وتتحول في فكرها وايديولوجيتها وتقطع مع دوغمائيتها و أصوليتها .

 إسرائيل في مأزق حقيقي، ومصيبتها أنه يحدث لها هذا الانكسار   في لحظة عصيبة من تاريخها  تعرف فيها انقساما داخليا حادا يهددها وجوديا.

المعادلة صارت غير المعادلة ، والشعب الفلسطيني قد  كسر كل الحواجز النفسية،  وجهز نفسه لفداء لاسقف له،  لأنه يستمد إيمانه بقضيته  من البشارات القرآنية التي تعده  كلها بالنصر المبين. هذا اليقين بالنصر القادم يمده بالعزيمة الفولاذية التي يلين أمامها كل مغتصب وكل معتد خصوصا مع انسداد مسار التسوية بينه وإسرائيل .

 المعركة الحالية لا تجري فقط على الأرض، وإن كانت تجري لأول مرة داخل المستوطنات الإسرائيلية. هي تتم بالخصوص على المستوى النفسي والرمزي  .

إسرائيل انهزمت أو في طريقها لأن تنهزم نفسيا ، تلكؤها في إيجاد حل لفلسطين جعل  سرديتها تتحطم ساقطة من شاهق .

وها هي الآن أمام  حقأئق جديدة .و لا مناص لها من إنهاء الاحتلال، إذ يتعين عليها أن تفهم ، وبسرعة  أنه لا يوجد سلام مقابل لا شيء، ولذلك فإن المستقبل في حالة  استمرار تعنتها لن يخبئ لها الأجمل .

عليها باختصار أن تعترف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وعاصمتها القدس .

ان الحرب الحقيقية التي ستواجهها إسرائيل ستبدأ بعد ان تضع عملية طوفان الأقصى أوزارها، وستدور بداخلها ، حين ستصبح وجها لوجه  مع الأسئلة الحارقة والوجودية  لمواطنيها  الذين فقدوا لغير رجعة شعورهم  بالأمان. من المرجح جدا انهم قد ينفضون من حول المشروع الصهيوني، و أن الكثيرين منهم سيسارعون  إلى الهجرة من جديد،  إذ سيبحثون عن مناطق أخرى في العالم تمنحهم الاستقرار ،و من المؤكد كذلك  ان الباقين منهم سيطرحون  بدورهم على كيانهم السؤال الاتي : إلى أين نحن سائرون؟. وقد يجبرونه اذا انحازوا للسيناريو الأفضل بالنسبة لهم على أن يرى أمن إسرائيل  من  خلال إنصاف الفلسطينيين ،فركود الملف الفلسطيني ليس أبدا  في مصلحة بقاء إسرائيل.

تأثير هذه الحرب سيفعل فعله على المدى الطويل، و سيجعل إسرائيل اذا لم تمارس نقدا ذاتيا لمسارها منذ 48 وحتى قبل 48، تتآكل حتما من الداخل ، وتتنازع أمرها  فيما بينها ،

سيكون هناك بالتأكيد ما بعد 7 أكتوبر  2023: اجتياح لغزة طلبا للثأر، رغبة في استئصال حماس ،اشتعال جبهات اخرى، حرب اقليمية او عالمية، نزوع الى الصواب وإقرار لحل الدولتين. كل الاحتمالات ممكنة

 من المحتمل  أن  الفلسطينيين صاروا في موقع قوة ،فطوفان الأقصى زودهم بأوراق جديدة لصالحهم في سياق  يرونه  واعدا  يتشكل فيه النظام الدولي الجديد لتحرير الاسرى وإجبار إسرائيل على التفاوض الجدي من أجل السلام،ومن المحتمل أيضا ان تشتغل آلة الاعلام الغربية الرهيبة وتحمل فلسطين جريرة البدء بالعنف او بالحرب ،وقد بدأنا نرى مقارنات يقيمها هذا الإعلام بين 7 أكتوبر و11 سبتمبر. وهنا سيكون لورقة الاسرى دور كبير في تطور الأمور .

ومع ذلك، فهذه الحرب ستشحذ الهمم في العالمين العربي والاسلامي، فالقدس جزء من عقيدة الإسلام. وقد تؤدي  إلى  انخراط  عربي واسلامي  متكامل ومختلف بشأن فلسطين   .و لربما سترسم  واقعا جيو استراتيجيا جديدا في الشرق الأوسط وفي العالم الذي قد ينتبه أخيرا ان لا أحد يستبسل ويضحي ويستشهد بهذا الشكل، الا اذا كان مظلوما وصاحب قضية عادلة.  .

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *