من الاتحادي يوسف غريب الى الكانب الأول للحرب: الاستقالة هي أعلى مراتب الوفاء للاتحاد الاشتراكي
لا أخفي سرًا إذا قلت بإن الدافع الأساسي وراء عودتي إلى صفوف الحزب بل وانخراطي بشكل مباشر في الحملة الانتخابية كان بالدرجة الأولى مرتبطًا بهذا الاختيار لمرشحتين رأيت فيهما صورةً من صور الانتماء الحقيقي للحزب ومن عمق الأسرة المغربية البسيطة التي ظل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في وجدان الكثيرين صوتًا لها ومدافعًا عن قضاياها.
لم يكن انخراطي في تلك الحملة قرارًا تنظيميًا أو تكليفًا حزبيًا وإنما كان فعلًا فرديًا نابعًا من قناعة شخصية ومن شبكة من العلاقات الإنسانية التي راكمتها عبر سنوات وظفتها للتواصل المباشر مع الناس وإقناعهم بضرورة استعادة الثقة في الحزب وفي مشروعه.
وإلى جانب ذلك كتبت ونشرت أربع مقالات حاولت من خلالها أن أشرح موقفي وأن أستنهض شيئًا من الأمل في نفوس من ظلوا يتابعون مسار الحزب ويحتفظون له بمكانة خاصة في وجدانهم.
نعم..
كنت متفائلًا.
كنت أعتقد أن نتائج هذه الانتخابات قد تمنح الحزب فرصة جديدة لاستعادة شيء من حضوره وأن يتحسن موقعه داخل المشهد السياسي المغربي بما يسمح له بإعادة بناء جسور الثقة مع المجتمع ومع جزء من مناضليه ومناصريه الذين ابتعدوا عنه لأسباب مختلفة.
ولهذا كانت فرحتي على المستوى المحلي كبيرة بفوز المرشحتين بالمقعدين اللذين خاضتا من أجلهما المعركة الانتخابية.
الفرحة نفسها لم تستطع أن تحجب عني وبالقدر نفسه الألم الذي خلفته النتائج على المستوى الوطني.
انتظرت.. كما انتظر كثيرون أن يخرج الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بموقف واضح ومباشر مما أفرزته الاستحقاقات الأخيرة وبقراءة سياسية صريحة للنتائج ولما تعنيه بالنسبة إلى مستقبل الحزب.
لكن ما أثار انتباهي هو العودة مرة أخرى إلى لغة انتظار اجتماع القيادة الحزبية من أجل القيام بعملية التقييم وطرح آفاق العمل خلال المرحلة المقبلة.
قد تبدو هذه العبارة في ظاهرها طبيعية من الناحية التنظيمية لكن بالنسبة إليّ تطرح سؤالًا أعمق:
متى يبدأ التقييم الحقيقي؟ ومن أين يبدأ؟
فالمرحلة التي يمر منها الحزب في تقديري لا تحتاج فقط إلى اجتماع للقيادة ولا إلى بيانات تنظيمية ولا إلى عملية لتجميع الأرقام والنتائج.
تحتاج قبل كل شيء إلى شجاعة سياسية وأخلاقية للاعتراف بما لم يتحقق ومساءلة الذات قبل مساءلة الآخرين.
ومن هذا المنطلق فإنني وإن كنت قد طالبتك في سنة 2015 بتقديم استقالتك فإنني أجد نفسي اليوم وبعد سنوات أجدد المطلب نفسه لا بدافع الخصومة الشخصية وإنما بدافع الاعتقاد بأن مصلحة الحزب قد تقتضي في هذه اللحظة بالذات فتح الباب أمام مرحلة جديدة.
لقد بذلتَ أنت ورفاقك جهدًا كبيرًا في إعادة تنظيم الحزب والحفاظ على استمراره ومحاولة إعادة بناء حضوره وإشعاعه وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها خاصة في مجال الدبلوماسية الحزبية ذات الصلة بقضيتنا الوطنية كما أن الاختلاف مع طريقة تدبير المرحلة لا يلغي الاعتراف بما بُذل من جهد.
ومن أجل الحزب نفسه قد تكون الخطوة الأكثر شجاعة اليوم هي أن تتنحى عن كرسي القيادة وأن تفتح الطريق أمام مؤتمر استثنائي يتيح للاتحاديين اختيار قيادة جديدة بأفكار جديدة وبنَفَس جديد وبقدرة أكبر على إعادة بناء الثقة داخل الحزب وخارجه.
إن اتخاذك لهذا القرار لن يكون بالضرورة نهاية لمسارك السياسي بل قد يكون على العكس من ذلك لحظة سياسية وأخلاقية نادرة تُضاف إلى رصيدك وتُخلد اسمك في تاريخ الحزب باعتبارك رجلًا امتلك شجاعة ترك المسؤولية عندما اعتقد أن المرحلة تحتاج إلى غيره.
فالقيادة ليست تشبثًا بالموقع وإنما مسؤولية تجاه المشروع الحزبي ومستقبله..
ولذلك فإن دعوتي اليوم ليست موجهة ضد شخصك بقدر ما هي دعوة من أجل الحزب،
دعوة إلى الاعتراف بأن النتائج الانتخابية لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها أرقامًا وإنما باعتبارها رسالة سياسية من المجتمع.
ودعوة قبل كل شيء إلى أن نمتلك جميعًا قيادة ومناضلين ومناصرين شجاعة طرح السؤال الذي غالبًا ما يكون أصعب من كل الأسئلة الأخرى:
ماذا فعلنا نحن حتى وصل الحزب إلى ما وصل إليه؟
إن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أكبر من أي كاتب أول وأكبر من أي قيادة وأكبر من أي جيل سياسي.
وتاريخه بما يحمله من تضحيات ونضالات وأخطاء ونجاحات يجعل مسؤولية الجميع اليوم مضاعفة
لهذا أكرر دعوتي بكل وضوح:
من أجل الحزب ومن أجل تاريخه ومن أجل مستقبله اتركوا المجال أمام الاتحاديين ليقولوا كلمتهم في مؤتمر استثنائي ولينتخبوا قيادة جديدة تحمل مشروعًا جديدًا وتعيد للحزب قدرته على التواصل مع المجتمع واستعادة ثقة من ابتعدوا عنه.
قد تكون هذه أصعب خطوة في مسارك السياسي لكنها إذا اتُخذت بإرادة حرة وقناعة نضالية فقد تكون أيضا أكثرها شجاعة ونبلًا.
وفي النهاية سيبقى الحكم للتاريخ.. وسيبقى الحزب أكبر من الأشخاص وستظل مصلحة الاتحاد الاشتراكي قبل أي اعتبار آخر هي البوصلة التي ينبغي أن تنير كل مناضل صادق وفيّ لنبل البدايات.. وقلق لآفاق الحزب.
فارحلوا من فضلكم قبل أن يرحل الحزب.
