الأمازيغية: عوائق الانتقال من الترسيم إلى التَّمْكِينْ

الأمازيغية: عوائق الانتقال من الترسيم إلى التَّمْكِينْ
شارك

عبد الله حتوس

رغم الإعلان عن بعض الإجراءات الحكومية لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، ورغم توقيع الاتفاقيات ذات الصلة هنا وهناك، يلاحظ المتتبع الحاذق والراصد لما يجري ويدور، أن تلك الإجراءات وتلك الاتفاقيات لم تحظ بحرارة الاحتضان ولا بحماسة الاستقبال والتفاعل التي تستحقهما؛ فعلى سبيل المثال، لم تحظ الندوة التفاعلية، التي نظمها مجلس المستشارين حول تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، بالتفاعل الذي يليق بها وبأهميتها ( 353 مشاهدة على منصة يوتوب إلى حدود كتابة هذه المقالة). كما يُلاَحَظُ طغيان التساؤل (التشاؤم والتفاؤل مندمجين) من مستقبل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية على النقاشات ذات الصلة بترسيم الأمازيغية، سواء تعلق الأمر بالنقاشات النخبوية أو النقاشات المفتوحة على منصات التواصل الاجتماعي.

هناك مفارقة، إذن، تحتاج إلى تحليل عميق، تحليل يضع الأصبع على أسباب هذا التساؤل ومسببات العزوف عن احتضان القرارات والإجراءات الحكومية المعلنة والتفاعل معها؛ علما بأن تغيير وضع الأمازيغية والنهوض بها لا يتوقف فقط على عمل الفاعل الحكومي وباقي الفاعلين المؤسساتيين، بل يحتاج إلى مساهمة بناءة وفعالة من قبل الديناميات المدنية خصوصا والاجتماعية عموما. فقد علمتنا التجارب الدولية أنه في غياب الوعي الجمعي بأهمية التغيير، يستحيل تغيير المجتمع وأحواله بقوانين ومراسيم ومخططات، كما أشار إلى ذلك السوسيولوجي الفرنسي ميشيل كروزيي في كتاب أختار له من العناوين:

On ne change pas la société par décret.

في اعتقادنا، هناك الكثير من أسباب التساؤل والكثير من مسببات العزوف، لكننا سنقتصر في هذه المقالة على سبب جوهري قلما يركز عليه المهتمون بقضايا تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، ويتمثل في عوائق الانتقال من ترسيم الأمازيغية إلى التَّمْكِينِ لها؛ فالتشاؤم والعزوف خرجوا من رحم العشر سنوات التي ضاعت من زمن التمكين للأمازيغية (2011-2021)، بسبب تأخر صدور القانون التنظيمي المنصوص عليه في الفصل الخامس من الدستور، وتعثر تفعيل الترسيم إلى حدود اليوم.

 فما المقصود بالتمكين للأمازيغية؟ وما هي عوائق الانتقال تلك؟

التمكين للأمازيغية

يفيد التمكين لغويا التقوية والتعزيز، ويعني إجرائيا منح القوة والسلطة؛ فنقول بالإنجليزية (Empowrment)  وبالفرنسية (Empuissancement)، ويعود تاريخ توظيف هذا المصطلح إلى بداية القرن العشرين، وتعاظم استخدامه في مجالات عدة كالاقتصاد والسياسة والعمل الاجتماعي والتنمية بشكل عام، خلال العشريات الخمس الأخيرة.

ويهدف التمكين للأمازيغية إلى ترجمة مضامين النص الدستوري بشأن الأمازيغية ومضامين القانون التنظيمي رقم 26-16 إلى إجراءات فعالة تمنح القوة للأمازيغية حتى تستطيع الصمود في سوق اللغات التي تدوس فيها اللغات القوية غيرها من اللغات الضعيفة؛ فاللغة عملة، ومن يتحدث لغة من اللغات القوية كمن يملك الدولار أو اليورو ومن يتحدث غيرها كمن يملك عملات ضعيفة القيمة، كما أشار إلى ذلك المفكر المغربي عبد الله العروي. فترسيم الأمازيغية  لن يغير من الأوضاع السيئة للأمازيغية داخل سوق اللغات بالمغرب، ما لم يترجم إلى إجراءات ذات أثر قوي، تمنح القوة للغة الأمازيغية.

فمن شأن التمكين للغة الأمازيغية استنبات وعي لغوي في المجتمع يحقق ذاك الوعي الجمعي المنشوذ بأهمية الأمازيغية والدلالات الاستراتيجية لترسيمها ، وعي يوفر لها الحماية ويعزز مكانتها ويمدها بمقومات القوة والصمود أمام متغيرات سوق اللغات. ويحتاج استنبات هذا الوعي إلى جسور قوية تربط  بين العمل المدني والعمل الحكومي، جسور تتمثل أساسا في سياسات لغوية وثقافية تحترم وتتقيد بالأهداف الاستراتيجية من وراء ترسيم الأمازيغية، ومن بين تلك الأهداف على سبيل المثال لا الحصر، تعزيز اللحمة الوطنية والعيش المشترك  (الأمازيغية رصيد مشترك للمغاربة دون استثناء)،  وإنجاز المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي المغربي، القائم على تأكيد الاعتبار للشخصية الوطنية ورموزها اللغوية والثقافية والحضارية.

عوائق الانتقال من الترسيم إلى التمكين

حاولنا بقدر مل يسمح به المقام والمقال أن نوضح الفرق بين الترسيم والتمكين، فالترسيم تَنْظِير والتَّمْكِينُ تَفْعِيل، ولا يمكن الحديث عن التمكين إلا بعد ترجمة ترسيم الأمازيغية إلى إجراءات فعالة تمنح لها القوة والفَاعِلِيَّة. وللأسف الشديد لم نصل بعد إلى هذه المرحلة، رغم ما يتضمنه المخطط الحكومي المندمج  لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، من تدابير و إجراءات قوية، ورغم الروح الجديدة التي يُشْتَغَلُ بها على الملف من طرف الحكومة الحالية.

هناك إذن عوائق لا تسمح بالانتقال من الترسيم إلى التمكين، عوائق تمنع الانتقال من التنظير إلى التفعيل، ولأنها كثيرة فسنكتفي بذكر أهمها:

  1. عائق الوعي بالدلالات العميقة لترسيم الأمازيغية

إن  الدلالات العميقة لترسيم الأمازيغية في دستور المملكة المغربية لا تتوقف عند الاعتراف بحق لغة في التواجد وحقوق المتكلمين بها ذات الصلة، فترسيم الأمازيغية يساهم في إعادة توجيه بوصلة بلادنا وأمتنا لإعادة الاعتبار لخصوصيتنا المتفردة والتي تنهل من تاريخنا العريق، وهويتنا الجامعة والغنية بكل مكوناتها، وثقافتنا الأصيلة، ولغتينا الرسميتين: العربية والأمازيغية. كما يساهم في إنجاز المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي المغربي، القائم على تأكيد الاعتبار للشخصية الوطنية ورموزها اللغوية والثقافية والحضارية.

غير أن الوعي بهذه الدلالات ظل مقتصرا على قلة من المهتمين بالموضوع والمشتغلين في حقل من الحقول ذات الصلة، أكثر من ذلك نجد من بين زبدة النخبة المغربية، سياسية كانت أو إدارية، من يعتبر ترسيم الأمازيغية شأنا يهم المواطنين غير الناطقين بالدارجة المغربية، وأنه يجب الاشتغال على ملف الترسيم اعتمادا على المقاربة النفعية وحدها، دون المقاربات الأخرى: التاريخية، القانونية، الحقوقية، وغيرها. علما أن الاعتماد على  المقاربة النفعية وحدها يزيد من شساعة الهوة القائمة بين التنظير والتفعيل، وهي من الأسباب التي عطلت الكثير من الإجراءات القوية التي جاء بها المخطط الحكومي المندمج لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، كما انها وراء ضبابية بعض الإجراءات المتخذة أخيرا.

  1. ضعف التواصل بشأن دلالات الترسيم ومقاصده

يواجه ترسيم الأمازيغية والتمكين لها مُخَلَّفَات قرابة أربعين سنة من سياسات إقصاء وتحقير الأمازيغية، لذلك لا زال الجهل بالدلالات العميقة لترسيم الأمازيغية مستشريا، والإنسان عدو لما يجهل كما يقال.  وبسبب ذلك يَبْخَسُ الكثير من المواطنين ترسيم الأمازيغية، ويعادي بعضهم تدريسها وإنصافها في التعليم والإعلام وباقي مناحي الحياة العامة. لذلك فلا مناص من دعم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية بعمل تواصلي يوضح ويشرح الدلالات العميقة لترسيم الأمازيغية، عمل تواصلي تسنده الحكومة والأحزاب السياسية والتنظيمات المدنية.

هناك، إذن،  حاجة ماسة إلى خطة تواصلية حول دلالات ترسيم الأمازيغية ومقاصده، خطة تُوَظِّفُ  كل قنوات التواصل الممكنة والمتاحة، وتشرح للمواطنين، سواء داخل الوطن أو خارجه، مضامين ومقاصد المخطط الحكومي المنذمج لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وتحيطهم علما بما تحقق من الأهداف  وبنتائج قياس أثرها على المجتمع ككل. وتوخيا للنجاعة والفعالية يجب ان لا يقتصر المجهود التواصلي على الحملات الإعلانية والإعلامية، بل يجب تنظيم لقاءات مواطنة في كل جهات المملكة تحضرها فعاليات كل جهة، حتى يعطى للتأكيد الدستوري على أن الأمازيغية رصيد مشترك للمغاربة دون استثناء مدلوله العملي.

على سبيل الختم

عوائق الانتقال من الترسيم إلى التمكين لا تقتصر على هذين العائقين، كما أشرنا إلى ذلك سلفا، فهناك عوائق أخرى كثيرة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يشكل الضباب الذي يلف مبادرات تفعيل الترسيم داخل بعض القطاعات، عائقا حقيقيا أمام تنزيل المخطط الحكومي، كما يشكل ضعف التقائية البرامج القطاعية ذات الصلة بتفعيل رسمية الأمازيغية، تحديا كبيرا أمام الحكومة وباقي المؤسسات العمومية.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *